الأربعاء, 16 يناير 2019

في واقعة رقابة نتفليكس على «حسن منهاج».. الأموال أهم من جريمة القتل

ما الذي كانت تفكر فيه شبكة نتفليكس فعلاً عندما رضخت للضغوط السعودية وحذفت حلقة للممثل الكوميدي حسن منهاج، بعنوان «Patriot Act»، تتضمن مونولوجاً ينتقد فيه فرداً من العائلة الملكية السعودية؟ كان مونولوج منهاج بالكاد فريداً من نوعه، أو مهماً بهذا القدر بالنظر إلى الغضب العالمي إزاء اغتيال الكاتب الصحافي لدى صحفية Washington Post، جمال خاشقجي، على يد فريق اغتيال سعودي.

إذ مرَّر مجلس الشيوخ الأميركي، الشهر الماضي، قراراً بالإجماع يحمّل ولي العهد، محمد بن سلمان، مسؤولية القتل المتعمد للصحافي. وخلصت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) هي الأخرى «بثقة عالية»، إلى أنَّ الأمير، وهو الحاكم الفعلي للسعودية، هو من أصدر الأمر بالقتل.

وسرَّبت الحكومة التركية شريطاً خاصاً بالاستخبارات سجَّل الصراع اليائس الأخير الذي خاضه خاشقجي، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وعملية إعدامه، والأصوات المروعة للمنشار وهو يقطع أوصال جسده. وأدان السياسيون وافتتاحيات الصحف في أنحاء العالم، السعودية، لسلوكها الشنيع هذا.

في هذا المونولوج الذي تناول قضية خاشقجي، في ثاني حلقة من سلسلة عروضه، قال منهاج ساخراً: «منذ بضعة أشهر فحسب، أُشيد بولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، المعروف بوصفه الإصلاحي الذي يحتاجه العالم العربي. وما يذهلني أنَّ الأمر تطلب قتل صحافي لدى Washington Post لكي يقول «أوه»، إنَّه ليس إصلاحياً حقاً. في حين أنَّ كل مسلم تعرفه يدور في خلده: نعم، من دون مزاح، هو ولي عهد السعودية». وأضاف منهاج: «الشيء الوحيد الذي يقوم (محمد بن سلمان) بتحديثه هو الدكتاتورية السعودية».

 

أخبرت المملكة شبكة نتفليكس، كجزءً من حملتها الأوسع للحد من الأضرار وإصلاح صورتها وإعادة تأهيل سمعة ولي العهد، بأنَّ هذه الحلقة تنتهك قانوناً سعودياً ملتبساً، لكنه واسع المدى للجرائم السيبرانية. وينص هذا القانون على أنَّ «إنتاج أو إعداد أو بث أو تخزين مواد تمس بالنظام العام والقيم الدينية، والأخلاق العامة والخصوصية» جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات، وبدفع غرامات باهظة.

وقد استخدم هذا القانون لإسكات المنشقين والمدونين والنشطاء الذين ينشرون فيديوهات وصوراً ويطلقون حملات عبر الإنترنت، وذلك وفقاً لمنظمة العفو الدولية. ويبدو أنَّ نتفليكس قد ارتبكت بوضوح من هذا التحذير الصادر من النظام السلطوي، إلى درجة أنَّها سحبت، الأسبوع الماضي، طواعية، من التوزيع المحلي الحلقة التي تشتمل على عرض منهاج.

وسارعت شركة البث في الدفاع عن قرارها، فقالت في بيان لها: «نحن ندعم بشدة الحرية الفنية، وقد أزلنا هذه الحلقة من السعودية فحسب بعد أن تلقينا طلباً قانونياً وجيهاً من الحكومة، وذلك من أجل الامتثال للقانون المحلي». وما تزال الحلقة متاحة في كل مكان آخر عبر منصة نتفليكس، ومن المفارقات أنَّها ما تزال متاحة في السعودية على موقع يوتيوب.

 

يشي قرار نتفليكس، كما هو الحال نوعاً ما بالنسبة للنظام السعودي نفسه، بإعطاء الأولوية للأموال على لا أخلاقية القتل. كما يقدم الأمر سابقة ذات تداعيات تتجاوز كثيراً مصير عرض مدته نصف ساعة، وهو عرض كان من الممكن أن يصبح طي النسيان بعد شهرين، لولا هذا الخلاف مع السعوديين. إذ تعكس هذه القضية التوترات المتزايدة بين المنصات العالمية على شبكة الإنترنت التي تزيل الحدود من ناحية، والحكومات السلطوية التي تمتلك الأموال أو القدرة القانونية لتقييد الحرية داخل الحدود التي يحكمونها من ناحية أخرى.

 

تنازلت نتفليكس، في قضية منهاج، عن التحكم التحريري في المحتوى إلى نظام سلطوي. وقالت سماح حديد، مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية في بيان: «إنَّ نتفليكس مُعرضة لخطر تسهيل سياسة المملكة بعدم التسامح مطلقاً مع حرية التعبير، ومساعدة السلطات على حرمان الناس من حقهم في الوصول بحرية إلى المعلومات». وليس عدد السكان السعوديين القليل بهذه الأهمية لشركة البث عبر الإنترنت العملاقة، التي لديها 137 مليون مشترك في أنحاء العالم.

 

وحذر مركز Pen America، الأربعاء الماضي 2 يناير/كانون الثاني، من أنَّ خيار نتفليكس بالخضوع للرقابة يمثل سابقة خطيرة وباقية يمكن استغلالها في أماكن أخرى. وقالت سومر لوبيز، المديرة الأقدم لبرنامج حرية التعبير في المركز في بيان: «تحظى الشركات العالمية القوية بوضع فريد ومهم يتيح لها مقاومة طلبات الرقابة على المضمون، وعدم فعل ذلك يؤدي إلى شرعنة القمع». وتحتل المملكة المرتبة الـ169عالمياً –ودونها 11 دولة فقط– في حرية التعبير والصحافة، بحسب منظمة مراسلون بلا حدود.

 

يُضعف تصرف نتفليكس أيضاً ما يمكن اعتباره أقوى سلاح أمريكي يُمكنها من نشر قيمها في العالم، ألا وهو ثقافتها. لقد كانت «القوة الناعمة» في الأنظمة الاستبدادية ومناطق الحرب التي غطيت أخبارها خلال نصف قرن تقريباً، محورية في أغلب الأحيان في إحداث تغيير.

 

في جنوب إفريقيا، في سبعينات القرن المنصرم، خلال الفصل العنصري، ذهبت إلى دار للسينما تحت الأرض كانت تعرض فيلم: «Guess Who’s Coming to Dinner»، وهو فيلم عن زوجين من عرقين مختلفين يناضلان لإقناع آبائهما العنصريين بالسماح لهما بالزواج. وقد كان هذا الفيلم محط حديث المحتجين في أول انتفاضة جماعية للسود. وفي بيروت التي مزقتها الحرب خلال ثمانينات القرن الماضي، كان إطلاق المدافع للنار يتوقف قطعاً وقت بث مسلسل «Dallas»، وهو مسلسل درامي أمريكي كان يعرض وقت الذروة. وكان اللبنانيون يشيرون إلى هذا المسلسل على نطاق واسع بأنه «هدنة دالاس». أما في إيران في تسعينات القرن الماضي، فلم يستطع النظام مواكبة انتشار أطباق الأقمار الصناعية غير القانونية التي جلبت شبكة CNN الإخبارية الأمريكية، وهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، ومسلسل «The Bold and the Beautiful» وبرنامج «Opera» وقناة MTV.

وخلال انتفاضة الربيع العربي في القاهرة، كنت أعرف ناشطة مصرية شابة ترجمت «The Montogomery Story»، وهو كتاب قصص مصورة يحكي قصة حملة العصيان المدني لمارتن لوثر كينغ. ووزعت هذه الناشطة النسخة العربية على متظاهرين آخرين كانوا يخيمون في ميدان التحرير.

 

وكتبت أليسا روزنبرغ، كاتبة مقالات الرأي لدى صحيفة Washington Post، الأربعاء الماضي 2 يناير/كانون الثاني: «ما هي قيمة القوة الناعمة لأمريكا إذا كان بإمكان الثقافة التي نصدرها للخارج تقديم رؤية لحياة جيدة ومجتمع نابض بالحياة، لكن ينبغي لها أن تلتزم الصمت حيال نوع التغيير المطلوب لتحقيق هذه المثل العليا؟».

 

إنَّ أحد المنعطفات المأساوية في قرار نتفليكس هو أنِّ منهاج مسلم، وهو واحد من الجيل الجديد من الممثلين الكوميديين المسلمين الأمريكيين الذين يسدون الهوة المجتمعية الأمريكية. ولد منهاج في أمريكا، لوالدين هاجرا من الهند. وتحظى فكاهته (التي نادراً ما تكون عن السياسة الخارجية) بالإعجاب الكافي من الجمهور الأمريكي، لكي يُدعى إلى حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض عام 2017. والعام الماضي، فاز بجائزة بيبودي لعرضه الكوميدي الخاص الأول بعنوان «Homecoming King»، الذي أداه على مسرح برودواي قبل بثه على نتفليكس. كما كان مراسلاً لبرنامج «The Daily Show». وقدَّم منهاج وجهاً جذاباً لكلمة «مسلم» لمواجهة رهاب الأجانب في أمريكا. نظرياً، ينبغي للمسؤولين السعوديين، خادمي الحرمين الشريفين، أن يعجبوا بهذا الفنان الكوميدي.

 

في عرضه «Patriot Act» انتقد منهاج الحكومة الأميركية بسبب كتيب عسكري، وصف السعوديين بأنَّهم أحفاد قبائل السكان الأصليين مع «خليط لاحق من الدماء الزنجية من العبيد المستوردين من إفريقيا». فقال منهاج: «أوه، يا أمريكا. حتى في الكتيبات التقنية المملة، نجحتِ بشكل ما في أن تكوني عنصرية».

وبعد عرض البرنامج، أصدرت القيادة المركزية الأمريكية، التي تشرف على عمليات الجيش في الشرق الأوسط، اعتذاراً رسمياً لتقديمها «مواد غير ملائمة» دون «مراجعة أكثر دقة». وسُحب الكتيب «لإعادة مراجعته».

 

لطالما قدمت الكوميديا طريقاً لسد الفجوة بين الثقافات والديانات والأعراق في الولايات المتحدة. فكل من ليني بروس ومورت سهل وفاني برايس كانوا من بين الممثلين الكوميديين الأوائل، الذين عبروا عن الانقسام الديني في أمريكا البيضاء البروتستانتية.

وريتشارد بريور وديك غريغوري وريد فوكس كانوا من بين أول أمريكيين من أصول إفريقية يحصلون على إعجاب الجماهير البيضاء.

وديزي أرناز وفريدي برينز، ولاحقاً، جورج لوبيز، منحوا الممثلين الكوميديين اللاتينيين جمهوراً عبر التلفاز.

ومارغريت تشو فعلت الشيء ذاته للأمريكيين من أصول آسيوية.

ومنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، والممثلون الكوميديون المسلمون يسخرون من التطرف الجهادي، ويوجهون العداء للإسلام في أمريكا، على حد سواء.

فمنذ عقد مضى، أنشأت مجموعة من أربعة أمريكيين مسلمين جولة فرقة محور الشر الكوميدية، مستغلين عبارة استخدمها الرئيس جورج دبليو بوش في خطاب حالة الاتحاد. وعام 2012، ألقى سبعة كوميديين مسلمين عرضاً بعنوان «The Muslims Are Coming!» الذي تضمن فقرة ساخرة بعنوان «أحضن مسلماً/Hug a Muslim» ومسرحية هزلية بعنوان «مباراة بولينغ مع مسلم/Bowl with a Muslim»، في المدن الأمريكية التي أظهرت استطلاعات الرأي فيها خوفاً عميقاً من الإسلام.

 

أخبرني الممثل الكوميدي ماز جبراني، الذي كان مشاركاً في عرض فرقة محور الشر وصور عرضه الخاص على نتفليكس في مركز كينيدي عام 2017، أنَّه يعتقد أنَّ خدمة البث عبر الإنترنت تواجه الآن «ورطة من نوع ما. فالخيار الثاني المتاح هو قول (لا)، ثم انتظار ما سوف يحدث. لم تكن خسارة هذه السوق الصغيرة لتهز مكانة نتفليكس، وكانت بذلك تقف في صف حرية التعبير». وقد كانت نتفليكس تتعامل بلطف مع الممثلين الكوميديين، بما في ذلك الأمريكيون المسلمون. لكن في هذه الحالة كان منهاج محقاً ونتفليكس مخطئة. إذ قال جبراني: «أنت تعيش وتموت وفقاً للجمهور. وينبغي للسوق أن يحدد ما يحدث لا الرقابة الحكومية. ينبغي لشركة في أمريكا ألا ترضخ لذلك».

 

وقد تعرضت نتفليكس بالفعل لرد فعل جدي من مجموعات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام. إذ غردت كارين عطية، التي كانت تحرر مقالات خاشقجي في Washington Post قائلة «كان حسن منهاج في عرض Patriot Act  صوتاً قوياً وأميناً و(مرحاً) يتحدى السعودية ومحمد بن سلمان في أعقاب قتل خاشقجي». ووصفت قرار نتفليكس بأنَّه «شائن للغاية».

 

وغردت كارين قائلة: «عندما كتب جمال خاشقجي عن الحاجة إلى حرية التعبير في العالم العربي (وفي كل مكان)، فإنَّ هذه الحرية لم تكن متعلقة بالصحافيين فحسب. الأمر متعلق بحرية الفنانين والكوميديين ورسامي الكاريكاتير والموسيقيين والنشطاء وكل من يريد التعبير عن آرائه حول المجتمع».

 

ربما يكون منهاج هو من ضحك أخيراً. فبعد أن سحبت نتفليكس هذه الحلقة المثيرة للجدل من التوزيع في السعودية غرد قائلاً: «من الواضح أنَّ أفضل طريقة لمنع الناس من مشاهدة شيء هي حظره، وجعله رائجاً على الإنترنت ومن ثم تركه على يوتيوب». والأمر الأهم  هو أن الحق في صف منهاج.

 

– هذا الموضوع مترجم عن مجلة The New Yorker الأمريكية.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
في واقعة رقابة نتفليكس على «حسن منهاج».. الأموال أهم من جريمة القتل