الأربعاء, 23 يناير 2019

يوم أن قابلتُ لجين الهذلول وزوجها فهد البتيري في لوس أنجلوس

 

 

قبل عامين، حين كنت أكتب لبرنامج «American Dad!» الأمريكي الساخر، احتجت شخصاً يتحدث العربية لدورٍ صغيرٍ. طَرَحَ مدير توزيع الأدوار ممثلاً كوميدياً سعودياً يُدعَى فهد البتيري، الذي صادَفَ أن كان موجوداً في مدينة لوس أنجلوس عدة أشهر، لتصوير برنامج تلفزيوني. بحثت عن معلوماتٍ عنه، ووجدت أنه أول فنان «ستاند آب» كوميدي سعودي يظهر على المسرح في المملكة بصفته ممثلاً ساخراً محترفاً، كان بمثابة «جيري ساينفيلد السعودية». حظي ببضعة ملايين من المتابعين على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» (ليس لديه أحدٌ الآن، وسأتطرَّق إلى ذلك). كان بصراحة مثيراً للاهتمام أكثر بكثير من الدور المرشح له.

توجَّهت في يوم تصوير البرنامج إلى غرفة التسجيل، لمقابلة فهد وتوجيه التعليمات إليه. كان دوره لا يتعدَّى بضعة أسطر، فتصورت أني سألقي عليه التحية، وهو سيكرر الدور مرات معدودة، ثم يذهب كلٌّ منَّا في طريقه. كان فهد برفقة امرأة قدَّمها على أنها زوجته لُجين، لم تكن تعرف أحداً في لوس أنجلوس، ولهذا رافَقت فهد في ذلك اليوم. كانا شابَين رائعَين منفتحَين ولطيفَين للغاية. أُعجَبتُ بهما منذ اللحظة الأولى، وتبادلنا أطراف الحديث.

 

سألتُ فهد عن عمله ممثِّلاً كوميدياً سعودياً، وعن أدائه عملاً لم يكن موجوداً في بلده من قبلُ. قابلت مؤخراً الناقد التلفزيوني تريفور نوح، للحديث عن مشروعٍ يجمعنا، وتحدَّث عن نشأته في جنوب إفريقيا، التي خلت من فرصةٍ للاطلاع على ثقافة البوب الغربية. لذا لم يستوعب نوح قط الإيقاعات القياسية للعرض الكوميدي أمام الجمهور، فابتكر مع بعض مواطنيه الجنوب إفريقيين إيقاعهم الخاص. فهد كان مفتوناً. لقد حظي بالفعل بتجربةٍ مماثلة، لكنَّ بصمته الخاصة تشكَّلَت بحقيقة أن الكوميديا في المملكة… خطيرة.

انغمسنا آنذاك في السياسة، فذكرتُ الشاب «التقدُّمي» الأمير محمد بن سلمان. بدت كل الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية إيجابية للغاية إزاءه. كان يجتمع بأشخاصٍ من هوليوود ووادي السيليكون. هل شعر فهد ولجين بالتفاؤل حول مستقبل السعودية؟ كانا متفائلَين، لكن أيضاً حذرين من أن الطريق نحو حقوق الإنسان ما يزال طويلاً. ولهذا السبب انتقلا مؤخراً إلى إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. قلت: «حسناً، على الأقل تعلمانِ أنكما بمأمن». مع ملايين المتابعين، كان فهد شخصاً من صعب العبث معه. قلت لِلُجين: «لا بد من أن شهرته تغطي كليكما، صحيح؟»، فنظر أحدهما إلى الآخر. وقال فهد: «إنَّها أكثر شهرةً مني في الشرق الأوسط». بعدها أدركت من هي.. كانت إحدى ناشطات حقوق المرأة اللاتي اعتُقِلن في السعودية بتهمة قيادة سيارة بالمملكة.

 

شعرت بأنني أحمق. افترضت أنَّها مجرد رفيقة فهد، في حين أنّها أسهمت بالفعل في مجال حقوق الإنسان وهي بالعشرينيات من عمرها أكثر مما سأفعله في حياتي بأكملها. تحدثنا عن مرات اعتقالها، والضريبة التي دفعتها، عندما قُبض عليها مرة أخرى بعد زواجها مباشرةً، و»اختفت» عدة أيامٍ.

شعرا إلى حدٍ ما بأنَّ شهرتها تكفل لهما الحماية. كانا بالنسبة لي نافذةً على عالمٍ عرفته فقط من خلال مقالات متقطعة بعيدة عن الصفحات الأولى، وكنت أستطيع التحدث معهما طوال المساء، لكن كان علينا أن نسجل ونمضي قدماً في حيواتنا.

تبادلنا المعلومات، ووضعنا خططاً لتناول العشاء في أثناء وجودهما بالمدينة. لكننا لم نفعل، حال العمل والأسرة والحياة دون لقائنا. لكن تحدثنا في بعض الأحيان خلال العامين التاليين. كانت لُجين تحاول إطلاق وكالة للموهوبين من الممثلين والكوميديين والموسيقيين في الشرق الأوسط؛ أعطيتها تقييماً لموقعها. وتبادلت مع فهد الروابط الإلكترونية حول العمل الذي نحن بخضمه؛ في محاولة لتقريب الفجوة بين عالَمَينا.

عام 2017، قرأت أنَّه قُبض على لُجين، وحاولت الاتصال بفهد، لمعرفة ما إذا كانت على ما يرام، ورد بأنَّ لُجين أُطلق سراحها بالفعل. كان الأمر مخيفاً، ولكنه مرّ بسلام. بعد ذلك في مارس/آذار 2018، اعتُقل الاثنان، وعُصبت عيناهما، ونُقلا إلى السعودية: فهد من الأردن، ولجين من الإمارات. بعد 10 أشهر، لا تزال لُجين تقبع في السجن، ونُقل عن والدها قوله إنَّها تعرضت لتعذيبٍ بطريقة وحشية. لا أعرف أين فهد؛ لقد أُغلق حسابه على «تويتر»، ولا أستطيع تتبُّع أي أثرٍ له على الإنترنت منذ الربيع الماضي. قرأت أنَّهما انفصلا.

 

لَم يحاولا أن يصبحا ثوريَّين أو شهيدَين. كانا مجرد شابَّين مبدعَين، يحاولان صنع أشياء ومشاركة الحقوق الإنسانية الأساسية نفسها.

أريد أن أعرف ما الذي كانا سيفعلانه بهذا العالم لو مُنحت لهما الفرصة، لا أريد من حكومة بلادي الحصول على الثمن مقابل غض الطرف عن الجرائم الأخلاقية. مع سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، أود أن يكون فهد ولُجين في خططهم.

آمل أن ألتقيهما على العشاء يوماً ما.

 

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأمريكية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
أنقذوا أختي لجين من سجون السعودية
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
يوم أن قابلتُ لجين الهذلول وزوجها فهد البتيري في لوس أنجلوس