الأربعاء, 16 يناير 2019

«قلوب تبحث عن الشفاء»

مروراً بكل مراحل النسيان، بكل الاختبارات التي أجريناها لأنفسنا لنصدِّق بأنّا أقوياء بما يكفي وأنّا قد تجاوزنا ألماً استطوننا طويلاً وأخذ من ذاكرتنا ما يكفي، ونُري من شاركونا مأساتنا أننا لا بأس بنا. نعم.. تعلقنا وتأملنا ونعم بما لا يستحق، ولكن حين قررنا النسيان كنا على ثقة بقدرة قلوبنا على القرار، رضينا بنصيبنا من الألم ومضينا مع خيباتنا وإصرارنا أيضاً. وها قد نسينا، فنزهو بما نراه في أعينهم من انبهار واحترام وثقة، فيضيف أضعافه إلى قلوبنا.

 

نتعامل مع الألم كأنه مضى، نذكره بصيغة الماضي تأخذنا العزة ونحن نروي قصتنا، ملتزمين «عندما كنا…»، نستكمل حديثنا بكل فخر ورضى عن تجربةٍ ظننا أنفسنا تجاوزناها! ونمضي في فخر لا أصل له، نخبرهم كم زاد تقديرنا لأنفسنا وثقتنا بقوتنا، ونَضجنا حتى امتلأنا يقيناً بأننا سنتجاوز كل ما سيأتي، لَم نعد نحمل هماً لشيء، بفضل ما مررنا به.

تُوهمنا عقولنا حين نعبث بذاكرتنا ليلاً فيصيبنا بعض الألم، بأنه يجدر بنا أن ننظر إليه كحدث جيد، فقد زادنا وعياً ونضجاً..فلا شيء يدفعنا نحو منازل القوة والثبات كالألم، ألا يستحق منا الشكر؟!

القلوب تألمت، النفوس عِزَّتها أبت الاستمرار في هذا كثيراً، فقررت النسيان، وتظن أنها فعلت.. العقول تُبلور الحدث في أفضل الصور كأنه لوحة جميلة بمعرض حياتنا، كان لا بد من المرور بها والوقوف أمامها بعض الوقت ليس بالكثير، فقط للتأمل والاستمتاع، واستشعار ما أراد الفنان إيصاله من خلالها. لا ذنب للوحة أنّا أطلنا الوقوف أمامها، تعلَّقنا بجمالها فتمنيناه لنا وما هي بملكنا ولن تكون.. هكذا العقل حين يُظهر حكمته البالغة القاسية، يحوّل ألمك إلى درس فقط، -درس لا بد أن تعيه هو وتجربته- إلى لوحة للتأمل والاستمتاع، وانتهى كل ما دون ذلك.

 

ويأتي الدور الأعظم والفاصل، «الواقع» الصادم لكل الطموحات والأوهام -ربما يأتيك صدفةـ البطل فى كل الأدوار هنا.

الصدفة التي أحببناها دوماً، تجمعنا بأناسٍ أحببناهم ولم تُتح الحياة لنا تواصلاً يليق بحبنا لهم وحبهم لنا، وأناسٍ لَم تحرمنا الحياة مِن وصلهم، ولكن لم تُهدِنا لقاءً، فتُهديه لنا الصدفة وتسعدنا بصدق حين نعانقهم، ونستشعر كم اشتقنا لهم وكم كنا بحاجة لتلك الصدفة التي أحيت مشاعرنا من جديد، محافِظة على استمرار الود بيننا.

 

وهي أيضاً الصدفة التي تعيدك في الموقف الذي قاومت كثيراً لأجله، قاومت وقاومت وقاومت حتى أصابك وهْم النسيان! صدفةً وفجأةً، ها هو قلبك يعيد نبضه، دقاته كما هي!

كأن الزمن لم يتحرك ثانيةً، كأننا لم نمر بأيام بدت لنا أعواماً، أيامٍ قاومنا فيها، قاومنا لحظاتها لحظة بلحظة، ذكرى بذكرى، شعرناها ثقيلة وبطيئة وقاسية، فكيف لها ألا تمر كأعوام على قلوبنا!

وتهمس لك في أذنيك أيها القوي -أو المدَّعي القوةـ البطل المغوار أمامهم، المجاهد العظيم أمام نفسك، ومروراً بكل مراحل النسيان التي ظننت أنك بلغت منتهاها: «لا تهنأْ بها كثيراً؛ فأنت لم تنس قَط»، تماماً كـ «جميلة ناقورى» حين تقول في قصيدتها «عذراً أيها النسيان»:

«في كل مرة أردد بصوت تسمعه أذني: (نسيت)، وأعود لأصطدم بالذاكرة من جديد.

وكأنها تصرُّ على تنحيتي من على عرش النسيان!».

 

تصعقك الحقيقة، ليس فقط لقسوتها وقسوة ما بعدها؛ فأنت تدركه جيداً، لقد عشتَه لحظةً بلحظةً، ولكن أيضاً لإعلانها الصريح بفشلك وانهزامك، كأن كل المرات التي حاولت وقاومت فيها، كل اللحظات التي اشتد الصراع فيها بين قلبك وعقلك وأنت عالق بينهما ولسان حالك يقول: «إني انهار بينكم.. فرفقاً»، تنظر إلى نفسك في حسرة كضائع يبحث عن طوق نجاة، كل هذا أمام عينيك الآن يذهب هباء منثوراً! لعن الله تلك الصدفة.

تعود إلى نقطة الصفر.. وهنا تصارح ذاتك بأنك ربما لم تغادرها من البداية. فقط عشت طويلاً في حلم النسيان أو التناسي، لست واثقاً الآن: أنسياناً كان أم تناسياً فصدَّقتَه، صدقتَه وانطلقت تحب واقعك الجديد في محاولة الرضى به (من دونهم) ومن دون ذكراهم، حتى وإن كانت كنسمات على قلوبنا في بعض الأحيان.

لكنه الواقع، لا يترك دوراً له، أرسل إليك تلك الصدفة اللعينة، سلبتك الحلم الجميل أو ربما الوهم المُصَدَّق. أظهرت لك مشاعرك عاريةً من كل الأغلفة التى طوَّقتها بها، ظناً منك أنك تقاوم، فتنسى كالطالب حين يصدم مدرّسه بعد محاولات الأخير العديدة لإفهامه وتعليمه: «إني لم أعِ شيئاً مما قلت.. فكفى»! تماماً هو ما يخبرك به قلبك الآن: «لَم يصل لي شيء من محاولاتك يا هذا.. أنا كما أنا.. وهُم ما زالوا هنا».

أيا قلب..

ألا يدرون كم نتألم بهم ومن دونهم؟! ألا يشعرون بكَمّ الأسئلة الذي يغمرنا ليل نهار فور لقائهم المشؤوم -أو المنتظر، لم نعد ندرك حقيقةً- فيحرمنا النوم والعيش والسكينة؟! ألا يؤلمهم أنهم يؤلمون غيرهم حتى إنَّ عيشهم بات مريراً؟!

أهم يشعرون بألمنا؟! ربما بعض شعورهم بنا يخفف ثقل أوجاعنا منهم، ويمنح قلوبنا بعض الرضى، فهناك من يشعر بها.. أيا قلب، مسكين أنت لهذه الدرجة! ألا يشتاقون؟! ألا يفتقدون؟! ألا وألا وألا، فهل من مجيب؟!

ألن يعودوا حتى؟

نشعر كأننا كالطائر المخدوع بحبّة القمح، لا هو نال الحبّة، ولا هو تخلّص مما وقع فيه! ألا فأخبِرونا يا أحباب.. الآن وبعد أن تركتمونا لقلوب ما زالت على العهد باقيةً وإن غاب العهد وتخلى أصحابه، وعقولٍ لا حول لها ولا قوة.. ماذا نحن بفاعلون؟!

أننتظر؟ وإن انقطع الوصل والأمل منكم، معتذرين للنسيان، مستأنسين بقصص الرائعين أصحاب الحُب السرمدي، المعطائين بلا مقابل، المتمسكين بكل ومضات الأمل، غير مبالين بكم يأخذ الخذلان منهم، مستمدّين من صدق محبّتهم وقوداً لعربة انتظار غير مرتبطة بزمان ولا مكان، انتظار بلا حد هكذا إلى حين ظهور المحبوب، ومن دعائهم الوصال كالشعراء حين يعشقون: «قطعت وصال الحب فيما بيننا إلا وصال الحب بالدعوات».

غريب -أليس كذلك؟- أننا ورغم ما مررنا به ما زلنا نقبل بالاإنتظار! فماذا نفعل بشيء اقتحم قلوبنا، لا ندري متى وكيف ولِم أنتم، ولكنه جعلكم أهل الفؤاد وراحته.

تطمئن قلوبنا قليلاً، متسائلةً: ولم لا؟ ألم يجبر الله المنتظرين ويرحم قلوبهم؟ ألم يُعِد موسى لأمه وهيّأ الأسباب، فجعل من إبقاء موسى حياً قرة عين لزوجة فرعون، فتعود إليه أمه كمرضعة؛ رحمةً من الله بقلب أصبح فارغاً.. قد يرحم الله قلوبنا قريباً.

ألم يُعِد ليعقوب يوسف بعد أن انقطعت الأسباب والآمال، وعوَّضه عن كل الفقد والألم؟ قد يعوّضنا الله بوصل يوماً ما.

أنستسلم لقلوبنا حين تجد دواءها في نهايات كهذه، تهون آلامها وإن اختلف الوجع والفراق، فضعف القلوب كمرآة الحب تماماً، لا يرى إلا الجميل كلقاء المحبّين وشفاء القلوب بعد طول عنائها؟

أم نضع حداً لاعوجاج تلك النفس، التي بلغت من الهوان والذل ما بلغت؟ وكيف لا وهي التي جعلت بدايتها اتباعاً واستسلاماً؟ اتبعت هواها هتى هوى بها، فما العجب في حال نفْس تاهت عن نهجها الذي خُلقت للسير وفْقه لا وفق هواها؟ نهج قد يقسو عليها بعض الشيء، ولكن الخير كل الخير فيما تكرهه النفس، هكذا علمنا صحابة رسول الله، رزقنا اللهُ بعضاً من جهادهم العظيم لأنفسهم.

ألا أيها التائه على الطريق، فلا سعدت بوصل يريح الفؤاد، ولا شُفيت بنسيان يدواي الجراح، ألا فانهض وأصلِح فساد تلك المضغة.. «ألا إنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فاستعن بالله وخالِف هواك، وسيمنحك الله قوة في البدن والقلب، وسيهديك السبيل، فقد سُئل أحد السلف: بِمَ نِلْتَ ما نلت؟ قال بطاعة الحزم وعصيان الهوى، فهكذا الأمور العظام تلزمها عزيمة ثابتة وجهاد عظيم وصبر لا ينفد.

حقاً.. اعتادت أسماعنا حتى قلوبنا أنّ بعض الحب لا يُنسى مهما حاولت، قد ينسي شخصه، ولكنّ ألمه يظل يراودك بين الحين والآخر كالمرض المزمن، لكن لا أجده ظلماً، وربك لا يظلم أحداً. لنا رب رحيم لا يغفل أبداً عن قلوب عباده، عليم بذات الصدور، يطّلع على محاولات عبد يؤلمه حنين قلبه وهوى نفسه، وما زال يحاول؛ حفاظاً على تلك المضغة وخوفاً على فسادها فيفسد أمانة الله له، يصر على دعائه وتضرعه: «اللهم اشفني بشفائك وداوني بدوائك وأغنني بفضلك عمن سواك»..

أليس هذا من السعي في تزكية النفس والقلب وهو القائل «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى»؟ ومؤكَّداً، سيمنحك الله جمال الوصول حين يرى منك صدق العزيمة وعلو الهمة والصبر على النفس ومخالفة هواها.. «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»، فلا تجزع أبداً، ولا تستعجل الوصول ما دمت على الطريق الصحيح دون رجعة أو استسلام، وارفق بحالك إن ابتلاك الله بإحدى الصدف اللعينة التي تبليك بشريط ذكريات لا ينقطع، ووقت لا بأس به وتشعر بحنين قلبك من جديد، لينظر «أصدقت أم كنت من الكاذبين»، فتماسَك جيداً، فكأنها عثرة في طريقك.

ما من أحد يسلك طريقاً صعبة إلا وتعرقله بعض العثرات، ولكن العظماء هم من تدفعهم تلك العثرات، تزيد خطواتهم ثباتاً وحدّة، فيُكملون المسير، واثقي الخطى، بقلوب جريئة، ربما ما زالت جريحة، لكنها واثقة بشفاء الله، طالما قررت النسيان، مستعينةً بالله على هواها، وكما قال أحد الشيوخ لابن القيم: «آفات النفس مثل الحيّات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولَم يمكنه المسير قط. ولتكن همّتك المسير، والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك».

فامضِ على سيرك، ولا تلتفت إلى ذكريات قد تسعدك لحظات، ولكنها تفسد طريق محاولاتك الشريف، فالملتفت لا يصل.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
أزمة الضمان الاجتماعي في فلسطين
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
«قلوب تبحث عن الشفاء»