الأحد, 20 يناير 2019

اهدمي بيتك وتمرّدي على زوجك.. ما الذي أصاب المذيعات في مصر؟

لو فرضنا أنني سيدة من الطبقة تحت المتوسطة، زوجي مريض، ولي مِن الأطفال خمسة، وبعد مرض زوجي وعدم قدرته على العمل بِعْنا كلَّ ما نملك، واشترينا ميكروباصاً، أو تاكسي، أو سيارة أجرة… ولما وجدتُ كلَّ مَن استأجرتهم لقيادة سيارتنا يسرقون مالنا عياناً بياناً، فقرَّرت أن أعمل عليه بنفسي، أقضي لفلانة حاجياتها، وأبتاع لعلّانة مشترياتها، وهذه أجلب لها أطفالَها من المدرسة، وتلك أصحب أطفالها للنادي، وأنتظرهم حتى تنتهي تمارينهم… ورضيت بحالي، وأُربّي أطفالي في صمت ورضا، ولا شكوى، ويأتي اليوم الذي تظهر فيه على الشاشة تلك المذيعة، تطل علينا في أبهى صورة، وأفخر ثياب، وميك-أب، أعتقد أن ثمنه وحده يكفي لإطعام أولادي حتى يتخرج أطفالهم من الجامعة، لتخبرني في كل حلقة، وكل مقطع فيديو، وكل مناسبة، وكل برنامج، أنني أستحق حياةً أفضل من تلك، تؤكد لي أن حياتي سأعيشها مرة واحدة، وما دامت هي حياة واحدة فلأحيها بكرامة، ويجب أن أسعد نفسي… حقاً؟

حقاً كيف؟ ماذا لو كانت الديون جزءاً لا يتجزأ من حياتي؟ ماذا لو كانت تعاستي لا تنتهي؟ ماذا لو كل مَن حولي هم سبب شقائي، في نفس الوقت الذي لا أتخيل حياتي من دونهم؟

حسناً.. فلنفترض أني فتاة في مقتبل العمر، أعمل في محل لبيع الملابس، مخطوبة منذ سنين طويلة، وخطيبي يعمل منذ سنين، وندخر معاً لأجل عشّ الزوجية السعيد، الحب بالنسبة لي هو خطيبي، ولا أعلم للحب معنى سواه، وهذا رغم مزاجه العصبي، رغم فلتات لسانه، ورغم زلاته في حقي، وبقدر حبي له بقدر مسامحتي له، ليس ضعفاً مني، أنا قوية جداً، ولأني قوية لا أجد في الزوج المهادن المطيع -مَن يجيد فن الهدايا والدباديب- رجلاً مناسباً، وحتى يأتي اليوم الذي تطل عليَّ تلك الحيزبون تخبرني وتخبر كل الفتيات أمثالي أن ما يفعله خطيبي العصبي في فترة الخطوبة سيكون عينة مما سيفعله بعد الزواج، ويجب أن أنتبه لذلك، وأن أهرب من تلك الزيجة، التي هي في نظرها زيجة فاشلة منذ البداية.. هكذا بكل بساطة حكمت على حياتي أنها حياة لا أستحقها، وربما استحققت أفضل منها، ولا أعلم من أين يأتي الأفضل، وقد درَّبت نفسي لسنين على تلك الحياة.

فلنقل إني تلك الزوجة التي تزوجت قريبها أو حبيبها أو جارها الذي يسكن مع أهله في نفس البناية، أعيش بين أهل زوجي، وأراهم كل يوم، تحدث المشكلات كلما زاد الاحتكاك لأني طبعاً أراهم بشكل يومي، لكن زوجي طيب معي، حتى وإن انتقدوه، كريم معي حتى لو عابوه، هي فقط أمه نقطة ضعفه، وأمه هي أيضاً نقطة الخلاف، وأصبر لأنها أمه، وأخفي همي حتي لا أوقع بينهما، أردّد لنفسي أني أم، ويوماً ما سيصير لي كِنة، وما أفعله مع أم زوجي ستفعله معي كِنتي مستقبلاً، وقد يكون هذا غير صحيح، ليس ما يفعله المرء دائماً مردوداً له في جعبته.

 علَّمتني الأقدار أنه قد تفعل الخير والصواب ويرد إليك بأطنان من الشر والخراب، ولكني أفعل الصواب علي أي حال، هذا يريحني.. يريحني جداً، حتى تأتي تلك الشمطاء بنظراتها ولفتاتها الاستعراضية وإيماءاتها تخبرني بغنج واعوجاج أنني يمكنني أن أخبر زوجي أنه لا طاقة لي بزيارة أمه، وإن رفع صوته عالياً يمكنني التمادي بتغيير «توناتي»، أي نبرات صوتي، لكني أبداً لا يجب أن أرفع صوتي عليه.. ياللسخرية! ألا يفيقها أحدهم ويعلمها أنها تخاطب شعباً أكثر من 40% من سكانه تحت خط الفقر؟ لسنا كلنا هوانم النوادي والكافيهات، من صبَبن على أجسادهن نقيعاً من أرقي العطور العالمية في كل مناسبة ودون أي مناسبة!

لو كان المحتوى الكيدي الرخيص الرثّ هذا هو ما يُعرض على شاشات التلفزة، محتوى يبث الكراهية، ويخبّب الزوجات على أزواجهن، وينهي علاقات استثمر فيها أصحابها سنين طويلة، مَن سيقول للزوجات اصبرن ولكنّ الأجر، مَن سيخبر الفتيات أن هدم البيوت أسهل من بنائها؟ أين أصوات العقل والحكمة؟ مَن سيُخبر الزوجة أن زوجها المليء بالعيوب هذا هو بشر مثلها، وهي أيضاً لها أخطاء هو يكرهها منها، ويتحمّلها باسم المودة والعشرة.

ومَن سيُذكّر الزوج أن كرامة زوجته من كرامته؟ ومَن سيذكر الأزواج أن الله تعالى لما وجد آدم عليه السلام وحيداً اختار له زوجة؛ كي تؤنسه وتشاركه وتحميه من وحدته ووحشته، وخلقها أضعف منه في البنية الجسدية، لكي تأوي إليه. إذن لجوؤها له قمة قوتها، وحمايته لها -لا تجبره عليها- قمة قوته.

مَن سيُذكّر الناس أن العلاقات والبيوت ليست معتركاً ولا حلبة مصارعة؟ من سيذكر النسوة أنه أحياناً «ضل (ظِلّ) الرجل أفضل من ضل حيطة» ما دام لا يسيء لدينها، ويحسن عشرتها، ما دامت له ذكريات طيبة معها، ما دام هناك أبناء وهو ينفق عليهم قدر سعته، ما دام يعلم ما عليه، وحتى إن قصّر في بعض الحقوق، فمَن منَّا كامل بلا عيوب؟!

ومن ناحية أخرى، الأبواق الإعلامية التي تفتي بالزواج بأخريات لحل المشاكل الزوجية باسم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، نعم أنتم تستطيعون حل مشاكلكم الذكورية بالزواج بأخريات، وكذلك تستطيعون بناء أسر أكبر عدداً، لكن هل كل ما يهم الكمّ، أوَليس الكيف مهماً أيضاً؟

إلى من ينزعون من الرجال سطوتهم باسم الفيمينزم، أنتم تحرقون غصون الزيتون، أنتم ضد الفطرة.

ومَن ينزعون من النساء راحتهن وهناء بيوتهن باسم الدين، أنتم تأتون بمائة يعقوب وألف يوسف!.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
اهدمي بيتك وتمرّدي على زوجك.. ما الذي أصاب المذيعات في مصر؟