السبت, 19 يناير 2019

لا نسمع لهم صوتاً.. أي دور للمجتمع المدني في الجزائر؟

نتذكر كلنا قصة ذلك العجوز الذي جمع أبناءه وأعطاهم مجموعة من العيدان وطلب منهم تكسيرها فعجزوا عن ذلك، لكن لما قام بتفريق تلك العيدان وسلمها لهم مجدداً قاموا بتكسيرها عوداً بعد آخر. العبرة من هذه القصة طبعاً هي الدعوة للاتحاد لأن فيه قوة، قوة فيزيائية وقوة فكرية.

عندما نريد تجسيد هذه «القوة» في الواقع فإننا نجتمع مع الأشخاص الذين نتشارك معهم نفس الأفكار أو نفس المشاكل والمشاغل بحثاً عن حلول وذلك بالنقاش وتبادل الآراء ووجهات النظر.

سواء كان الهدف من اجتماعنا هو تنظيف الحي الذي نسكن فيه، أو من أجل دعوة كاتب لتقديم كتاب والتعريف به، أو من أجل جمع تبرعات لإعانة عائلة معوزة أو مريض لإجراء عملية مكلفة، أو من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات، وسواء كنا جامعيين، بطالين، موظفين، مواطنين عاديين فإنه يجب علينا أن نجتمع لإحداث ذلك التغيير الذي نريده. فنقوم بدراسة ذلك الموضوع وسياقه، استخراج النقائص التي نراها، ودراسة الأسباب، واقتراح الحلول والعمل على تجسيدها في الواقع. ما سيسمح لنا كمواطنين بتجسيد كل هذا من القول إلى العمل هو «الجمعية»، فهي الإطار الذي سيتيح لنا التأثير على محيطنا والقيام بما لم تقم به أو ما لا تريد أن تقوم به السلطات مع ضمان الاستمرارية لمشروعنا.

ماذا تفعل الجمعيات؟ سؤال كثيراً ما يطرحه المواطن معاتباً تلك الجمعيات بسبب تقصيرها في القيام بأمر ما. لكن، هل يمكن لنفس المواطن أن يعاتب جاره لأنه لم يصلح له عطباً كهربائياً بمنزله؟ طبعاً لا. نفس الشيء بالنسبة للجمعيات، فهي تتكون من مجموعة من الناس الذين يتطوعون ويمنحون من وقتهم، ومعرفتهم ومالهم لخدمة فكرة ما يؤمنون بها ومشروع يريدون تجسيده. لذلك وبدلاً من سبّ الظلام لماذا لا نشعل الضوء؟ لماذا لا ننخرط أو نؤسس جمعيات لحل مشاكلنا؟

مرّت الجمعيات أو ما يسمى «المجتمع المدني» بالجزائر بعدة مراحل. فمن الجمعيات والنوادي الرياضية والثقافية والكشفية والطلابية التي أسست أثناء الحقبة الاستعمارية عند تطبيق القانون الفرنسي للجمعيات «1901»، القانون الذي بقي ساري المفعول بعد الاستقلال حتى 1971 حين تم إلغاؤه. كي يتم عام 1987 إصدار قانون 15 – 87 الذي وسّع مجال نشاط الجمعيات الذي كان مقتصراً على الميدان الديني والرياضي كي يتم بذلك خلق جمعيات علمية وجمعيات أولياء التلاميذ، جمعيات وصل عددها إلى 11 ألف جمعية. بعد أحداث أكتوبر 1988 ومع قانون 31 – 90 تم توسيع مجال نشاط الجمعيات أكثر وفتح المجال لتأسيس جمعيات ثقافية، نسوية، حقوقية، حماية المستهلك…[i] جمعيات لم تصمد كثيراً أثناء العشرية السوداء، فإضافة للوضع الأمني الذي لم يسمح بتنظيم نشاطات جمعوية، فقد تعرض الكثير من الفاعلين الجمعويين للاغتيال أو اختاروا الهجرة للخارج. عرفت هذه المرحلة استتباعاً سياسياً للجمعيات، فبسبب ضعف إيرادات ومصادر تمويل الجمعيات، كانت الدولة تمنح إعانات مالية للجمعيات من موازنات الدولة وذلك مقابل دعم «الرئيس» و»سياسة الرئيس»، وفي عام 2004 استخدمت هذه الجمعيات للتعبئة لإعادة انتخاب بوتفليقة[ii].

المرحلة الأخيرة هي المرحلة التي تلت المصادقة ودخول حيز التنفيذ لقانون الجمعيات 12 – 06 القانون الذي أتى في إطار «الإصلاحات» التي قدمتها الحكومة بعد أحداث الربيع العربي في 2011. لكنه كان قانوناً لتقليم أظافر الجمعيات أكثر حيث نصّ على اعتماد نظام الترخيص بدلاً من التصريح لتأسيس الجمعيات، وذلك عن طريق اعتماد يسلم من البلدية للجمعيات البلدية، الولاية للجمعيات الولائية ووزارة الداخلية للجمعيات الوطنية، ومنح صلاحيات للإدارة لحل الجمعيات وتعطيلها ووضع عقوبات تصل حتى السجن في حالة النشاط في جمعية غير معتمدة وفرض قيود على التمويلات الأجنبية[iii].

جمعيات حقوق الإنسان بالجزائر مثلاً وإضافة لمحدودية عددها (منظمة العفو الدولية، الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، أس أو أس مفقودون)  فولا واحدة منها تمتلك اعتماداً للنشاط حتى بالرغم من استيفائها كل الشروط القانونية وتقديمها ملفات كاملة للإدارة باستثناء الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان التي أنهكتها الانقسامات.

هذه الجمعيات من المفروض أنه وإضافة لما تقوم به من تعريف بحقوق الإنسان، النصوص الدولية والوطنية التي تكفل هذه الحقوق، والتنديد بالانتهاكات والتجاوزات تجاه هذه الحقوق أياً كان مصدر تلك الانتهاكات، فإنها تدرب المواطن على ممارسة المواطنة والمطالبة بحقوقه بطرق أكثر سلمية وأكثر حضارية، وذلك بدلاً من اللجوء إلى إغلاق الطرقات أو إحراق العجلات المطاطية.

وكأن المشرع عندنا يقوم بوضع قوانين تعجيزية يصعب الالتزام بها، ما يدفع لمخالفتها، قوانين تخالفها ولا تلتزم بها حتى الدولة حين تغضّ النظر عن مخالفها، وبالتالي فهذا الأخير يرسم لنفسه خطوطاً حمراء لا يتجاوزها. نفس الوضع الذي تعيشه هذه الجمعيات غير المعتمدة قانونياً لكنها تنشط تعيشه أيضاً القنوات الخاصة والمواقع الإخبارية، ففي غياب اعتماد قانوني يمكن للإدارة إغلاقها متى شاءت وبقوة القانون.

في الوقت الذي تستعمل فيه القوى الكبرى الجمعيات والمنظمات غير الحكومية «كقوة ناعمة» للتأثير في العلاقات الدولية، وفي الوقت الذي توفر فيه الجمعيات في فرنسا 1.83 مليون منصب شغل [iv]، وفي الوقت الذي حاز فيه جيراننا بتونس عام 2015 جائزة نوبل للسلام بفضل ما قام به المجتمع المدني، فعندنا لا يزال المسؤولون ينظرون للجمعيات على أنها مجموعة من الأشخاص يصلحون فقط للشكليات، ولملء القاعات أثناء النشاطات التي تنظمها السلطة كجولات الوزراء والولاة أو الاحتفاليات الوطنية. هذه النظرة ليست بسبب جهل بدور الجمعيات، بل لأن ذلك المسؤول مثله مثل ذلك المواطن الذي تمارس عليه السلطة يتذكر تلك الحكاية التي انطلقنا منها وبالتالي فيعرف أن أفضل طريقة للسيطرة على المواطنين وإلهائهم عن التدخل فيما يعنيهم هي إبقاؤهم متفرقين أو تحويلهم إلى شبكة زبائنية للاستفادة منهم مقابل إفادتهم بعائدات النفط، مصدر الدخل الوحيد للدولة.

الجزائر حالياً تعيش أزمة متعددة الأبعاد، لمن لا يؤمن أو يشك بذلك يكفيه الاطلاع على إحصائيات وحتى صور أولئك الجزائريين الذين فضلوا التضحية بحياتهم للهرب نحو الضفة الأخرى، فإضافة للتبعية الاقتصادية، فالقوى التي يمكن لها التأثير في المجتمع الجزائري تعاني، فالجامعة الجزائرية تتذيل ترتيب الجامعات العالمية، والنخبة غائبة، والأحزاب عاجزة عن اقتراح بديل وتعبئة المواطنين، والإعلام يعاني من كل النواحي. وذلك أليس حريّاً بنا كمواطنين، وبدلاً من انتظار ذلك «المهدي» الذي لن يأتي لإخراجنا مما نحن فيه، أن نسهم -كلٌّ في تخصصه وكل في مستواه- بالبحث واقتراح الحلول؟ الطريق نحو الحل لهذه الأزمة والذي سيكون طويلاً، هو أن نجتمع معاً، أن نخلق جمعيات، أن نتحدث، أن نقرأ، أن نكتب، أن نتناقش، أن نتعاون لنفتح مدارس، أن نطلق مكتبات، أن نفتح وسائل إعلام، ومهما كانت مبادراتنا صغيرة، ومهما كان عددنا قليلاً، فنحن سنسير نحو بر الأمان فمن يصنعون وصنعوا التاريخ هم مثلنا مواطنون عاديون لكن فاعلون.

المراجع:

[i] صرية عكوش، دليل استعمال للجمعيات الجزائرية، طبع مؤسسة فريدريش ايبرت الجزائر، 2014

[ii] دالية غانم، الحد من التغيير عبر التغيير: ما وراء ديمومة النظام الجزائري، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، مايو 2018

[iii] قانون الجمعيات 12 – 06 الصادر في 12 يناير 2012

[iv] 
Cécile BAZIN – Jacques MALET, LA FRANCE ASSOCIATIVE EN MOUVEMENT, MACIF, 14 ème édition – Septembre 2016. France.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
لا نسمع لهم صوتاً.. أي دور للمجتمع المدني في الجزائر؟