الأربعاء, 23 يناير 2019

60 يوما أمام القنصلية

«1»

الأحد 25 نوفمبر

 في أحد الأيام الطويلة من الشهر الثاني لتغطية مقتل جمال خاشقجي… فوجئت بسيارة سوداء كبيرة من طراز Mercedes Vito تقف أمام باب القنصلية، ذات الباب الذي دخل منه جمال ولم يغادره.. السيارة أوقفتها السلطات السعودية أمام الباب بشكل دائم “إحراجًا” من كاميرا الجزيرة التي سُلطت على الباب منذ مقتل الصحفي السعودي.

الباعث على تراجيدية المشهد أكثر، أن هذه السيارة أيضًا ذات طراز السيارة التي حملت “أشلاء” جمال إلى بيت القنصل بحسب التحقيقات التركية.

عقلية السلطات السعودية في مداراة الباب بعد 55 يوما من تثيبت الكاميرات عدساتها عليه، تشبه إلى حد كبير عقلية السلطات التي أدارت قتل الصحفي البارز وحاولت مداراة الحادث بطرق قال عنها الرئيس ترمب “أسوأ جريمة قتل، وأسوأ عملية تستر على الإطلاق”.

ستر الباب لم يمنع التغطية على أي حال… والتستر على الجريمة لم يغلقها بل فتح ثقوبًا كبيرة وتتسع في الثوب البالي الذي يرتديه “ من أمر بقتل جمال!”.

«2»

الخميس 4 أكتوبر

الانطباع الأول منذ وصولي للقنصلية السعودية لتغطية قصة جمال خاشقجي، كان أنه مازال حيًا، وأن ماجرى كان محاولة اختطافه إلى الرياض، رغم تأكيدات وصلتني من مقربين من دائرة صنع القرار التركية – منذ اليوم التالي لدخوله القنصلية السعوية- أن جمال قُتل بداخلها، لكن تفكيري انصب أن هذه الأنباء مبالغات ولاترقى للتصديق.

 وبعد الإعلان التركي عن مقتله والروايات المتناثرة في بداية الأمر عن قتله ببشاعة باستخدام “منشار” توهمت أن هذا الكلام مجرد “ضغط” على السعودية حتى تكشف عن مصيره، أو تعلن أين هو!

«3»

الجمعة 5  أكتوبر

تعجبت أثناء وقفة “بيت الإعلاميين العرب” أمام القنصلية، من تحول هتاف “الحرية لجمال خاشقجي” إلي “الحياة لجمال خاشقجي” في وقفتهم الثانية!

أقول في نفسي، لماذا؟!  جمال خاشقجي مازال حيًا!.

عقلي يتمادى ويُصر على الالتفاف حول المعطيات بأن جمال اختفى منذ أسبوع ونصف والسعودية ترفض الكشف عن مصيره، ويرفض تصديق دوائر مقربة من جمال ومن السلطات التركية بأن الأمر انتهى، وأن السعوديين قتلوه بطريقة بشعة!

«4»

الأحد 14 أكتوبر

دائمًا ما تجد وقتًا بين ساعات التغطية الطويلة التي قد تصل لـ 12 ساعة يوميًا أمام القنصلية السعودية، لتسترجع التفاصيل المخيفة، منشار، سكاكين، مشارط، سحب دماء، تقطيع جسد، أحماض وإذابة!

تفاصيل بشعة، تسردها أمام الكاميرا على مدار اليوم.. لكن في اللحظة التي تجلس فيها على كرسيك أمام القنصلية وتنظر للباب الذي دخل منه جمال، وشرفة الغرفة التي مُزق فيها، وسيارات القنصلية التي تتجول أمامك والتي شاركت في عملية التغطية على السيارة التي كانت تحمله.. تصيبك قشعريرة ما، تتخيل ما حدث بخوف، وتحاول نكران كل هذا داخل عقلك!

«5»

السبت 20 أكتوبر «12:40 صباحًا»

عقب مغادرتي محيط القنصلية، بعد تغطية دامت 11 ساعة متواصلة من أمامها، جاءني الخبر عبر الهاتف; السعودية اعترفت أن خاشقجي قُتل داخل القنصلية بأيدٍ سعودية، عندها فقط تيقنت تمامًا أن خاشقجي قُتل بالفعل.

لم يُخطف، ولم تكن كل هذه الأنباء والأخبار والتسريبات مجرد ضغط.

 بكيت عندما تأكدت أن المنشار والمشارط والأحماض كانت أدوات استخدمت بالفعل لقتل صحفي أحبه وأحترمه، وظهر كثيرًا على ذات الشاشة التي أظهر عليها.

 وقبل مقتله بأسبوع واحد كنت على وشك استضافته، لولا ظروف سفره.

«6»

الأحد 24 كتوبر

منذ اليوم التالي لدخول خاشقجي القنصلية، والأنظار مسلطة على ولي العهد، مع اتهامه بالمسؤولية عن تنفيذ هذه العملية، لكن بلا دليل واضح.

تواصلت مع  مصدر تركي مساء هذا اليوم، وأبلغني أن هناك جريدة ستنشر خلال أيام أول دليل.

 معلومات جديدة تثبت علاقة مباشرة بين ولي العهد وماهر المطرب “القائد الميداني للعملية” عن طريق اتصالات تمت بين المطرب ومكتب ابن سلمان.. كانت لحظات ترقب مخلوطة بالحماس… القاتل لن يهرب.

«7»

 الاثنين 5 نوفمبر

من أتعس أيام التغطية، بعد نشر جريدة تركية معلومات أن الفريق السعودي الذي كان يدخل أمام أعيننا على مدار أيام إلى القنصلية وبيت القنصل، تحت مظلة المشاركة في التحقيقات، كان غرضه محو وطمس الأدلة بقيادة “أحمد الجنوبي وخالد الزهراني” عالمي السموم والكيمياء.

 القتلة مستمرون في التغطية، وهذه المرة كانوا أمام أعيننا وينظرون لنا بشماتة لاتخطئها العين.

 القاتل واثق أن أحدًا لن يقترب منه، كانت هذه هي رسالتهم.

«8»

الخميس 15 نوفمبر

كصحفي مصري كنت شاهدًا على تاريخ كبير من الدم، تكفي مذبحة رابعة 14 أغسطس 2013

قتل ألف إنسان في ساعات الظهيرة،  وفي مكان مغلق، وجرف الجثث لاحقًا بالجرافات كما وثقت الكاميرات.

ولكن أستطيع القول إن قصة اغتيال “جمال” بهذه الخسة والوحشية من أكثر القصص التي شاركت في تغطيتها إيلامًا.

«9»

25 نوفمبر

أصعب ما في تغطية مقتل جمال، أنك لاتستطيع أن تنزع نفسك تماما أثناء تغطيتها كما تعلمنا في كلية الإعلام.

“جمال مجرد صحفي مثلك! بلاده اعتبرته خطرًا لأنه صحفي مثلك! هرب من بلاده ولايستطيع العودة إليها مثلك! الفارق الوحيد أنهم اختاروا قتله بمجرد أن سنحت الفرصة”، أنت لاتغطي قصة جمال أنت تغطي قصتك وقصة آلاف الصحفيين العرب المصريين السوريين الليبييين اليمنيين وغيرهم.

ولو انتهت قصة جمال بدون ضوضاء، سيكون ضوءًا أخضرًا لـ”نشرك” أنت أيضًا شخصيًا أو على الأقل، “نشر” أصدقائك وزملائك!

«10»

الاثنين 30 نوفمبر  2018

بعد 60 يومًا -600 ساعة عمل- قضيتها أمام القنصلية; حان موعد المغادرة. القصة مازالت تتعقد، والثوب الأبيض الذي يرتديه ولي العهد السعودي يراه العالم الآن بلون الدم.

 ولكن دون جدوى، فالعالم يحاول نسيان ماحدث “بدافع الأموال السعودية”

 مصير آلاف الصحفيين العرب معلق بمصير خاشقجي، إذا تم التغاضي عن مقتل جمال خاشقجي، وتجاوز ماحدث بدون محاسبة الجاني، سيكون هذا ضوءًا أخضر لقتل المزيد من الصحفيين

– خواطر كُتبت متفرقة على كرسي أمام القنصلية السعودية، على مدار  60 يوما قضيتها هناك لتغطية مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
شجاعة لا توصف من مواطنة إماراتية.. هذا ما فعلته مريم البلوشي المعتقلة في سجون الإمارات
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
60 يوما أمام القنصلية