الأربعاء, 23 يناير 2019

بعدَ واحدٍ وعشرينَ عاماً من ممارسةِ الحياة

كثيراً ما نسمعُ عن مذكراتِ هذا، ويومياتِ ذاك، التي عادةً ما تظهر في نهاية أعمارِهم، وربما تُنشرُ بعد وفاتِهم بعقود، بل وربما قرون، والتي تحاكي كتاباتهم عادةً ما وصلوا إليه بعد صراعٍ طويل مع الحياة، صراعٌ يوصفُ بالصعوبة والقسوة، وربما يخبروك عن صراع صعب مع المرض، مع الحرب، مع التجارب التي توصف بأنها عظيمة، والتي تصل في عظمتها لتصبح دستوراً للبعض، يقرأون فيها ويدرسون منها ويتخذونها دستوراً لحياتهم ومعاملاتهم، وعادةً ما يكون كاتبوا تلك التجارب أناساً على قدر من الشهرة، من القوة، من العظمة أحياناً، ولهذا استحقت مذكراتهم هذا الاهتمام الكبير.

وحيث أن الكاتب ليس على قدر من الشهرة، ولا على قدر من الثروة، ولا زعيماً سياسياً لا شخصاً مؤثراً حتّى، ولا طاعناً في السن، ولا حتى طاعناً في الشباب، الكاتب لم يتم الثانية والعشرين من عمره بعد، ولكنه ربما يتمتعُ بخيال مريض يجعلهُ يخالُ أنهُ شخصٌ مهم نوعاً ما، اختار أن يسرُدَ للقُراء ما وصل إليه من نتائج، ودروس وعبر، بكل ما احتوته من مفردات الخيبة والصدمة والفرحة، وغيرها من التناقضات التي تسبح في نفس الإنسان وروحه، والتي لا تنتهي ولا تذبل إلا بسكوت الدماغ وتوقف القلب وصعود الروح بكل تناقضاتها إلى خالقها.

بعد واحدٍ وعشرينَ عاماً من ممارسة الحياة، عرفتُ كم هم محظوظون من يقضون طفولة هادئة، في كنف عائلة مستقرة، في ظل ظروف طبيعية، وحياة رتيبةٍ جداً، رتيبة حد الملل، بحيث يصلوا سن الشباب والشباب المتأخر حتى، دون أن يعرفوا معنى المسؤولية، معنى اتخاذ القرارات المفاجئة، معنى الكره والشماتة، الظلم والكذب، كل هذه المفاهيم لا يعيها من عاش طفولة ربيعية، ولا يعيها إلا من عاش طفولة عاصفة، جعلته صلباً عارفاً بما يدور حوله، فيعلم الطفل العاصف أن الكبار كاذبون أكثر من الصغار بمراحل، وأن الجميع يقف دوماً بجانب القوي ويتملقون له، لا بجانب ذلك الذي يصلي كثيراً، فيكبر الطفل العاصف قبل أوانه، تقسوا ملامحه وأفكاره، مفاهيمه تتطور بشكل متسارع، فيخرج من ثغرهِ كلاماً قاسياً فظاً، صريحاً حقيقياً، لا يلائم ملابسه الطفولية، وملامحه البريئة.

بعد واحدٍ وعشرين عاماً من ممارسة الحياة، أيقنتُ أن الإنسان قد يكونُ حراً تماماً في خياراتِه، لكنه ليس حراً أبداً فيما يلحق به من ظروفٍ طارئة، كفيلة بأن تقلب حياتهُ رأساً على عقب، تعكس كل اختياراته التي يخال نفسهُ حرّاً فيها، تؤدي به إلى نفقٍ مُظلِم يخرجُ منهُ محكوماً تماماً بكل ما كانت تسمى يوماً خيارات، لتصبح أحكاماً واجبة التطبيق، ويتحولّ دورهُ من الاختيار، إلى التنفيذ الفوري.

بعد واحدٍ وعشرين عاماً من ممارسة الحياة، وصلتُ إلى يقينٍ راسِخ بأن المشاعر الحقيقية، لا تأتي إلا من الأب والأُم، هما فقط من يملك اتجاهك شعوراً فطرياً لا يتغير ولا يتبدل حتى تشرق الشمس من مغربها، مشاعر الصدق والخوف والمحبة والتفكير والاهتمام والتفضيل حتى على الذات، لا يمنحكَ إياها إلا هما، دون منازع أو منافس، وحتى دون مقابل! الخوف الحقيقي عليك حتى من شمس الصيف وبرد الشتاء، القلق الشديد من تأخرك دقيقةً واحدة عن موعدك المعتاد، كل هذه الأمور المبالغ فيها بالنسبة لك، حقيقية وواقعية بالنسبة لهما، حاول أن تسرق ثانيةً تتمعن فيها ملامح أبيك المتعبة وهو يتابع نشرة الأخبار، ووجه أمك الباسم وهي تعقد لك أزرار قميصك، فالأمان في راحة يديهِ، والدفيء في ملامح وجهها، لا يعوضهُ إلا جنة الله الموعودة فوق سبع سماوات.

بعد واحدٍ وعشرين عاماً من ممارسة الحياة، تتأكد من أن الصداقة أسمى شيء وُجِد في هذه الدنيا، صديقٌ حقيقيٌ لا يربطك فيه سوى فكرة الصداقة وحدها، خيرٌ لك وأنفع من مئة ألف قريب تربطك بهم رابطة الدم النسب، الصديق الحقيقي كفيل بصنع المعجزات، يصنع لك الفرحة في ذروة الحزن، القوة في شدة الضعف، عرفتُ أن الجلسة التي تجمع فيها مجموعةَ من الأصدقاء، هي أكبر نعمةٌ يمكن أن تنصفكّ بها الحياة، نعمةٌ تبقى لها بصمة راسخة وثابتة، مهما فقدت من نِعَم.

بعد واحدٍ وعشرين عاماً من ممارسة الحياة، عرفتُ أن المسؤول السياسي مهما بلغت نزاهته وصدقه، كاذب كبير، وأن السياسي مهما بلغت حنكته، انتهازي، فلا هذا ولا هذا يستحق تقديساً أو تمجيداً، فالمجدُ الباقي للشعب الجاهل البسيط المخدوع محدود الدخل قليل الحيلة، وأيقنتُ أن المدن الكبرى، كوصفها، كذبة كبرى، فإذا بحثت بين أبنيتها الشاهقة وشوارعها الفخمة، ستتعثر حتماً بزنزانةٍ تحوي معتقلي رأي كُثر، وستصادف فقيراً يفترشُ الرصيف لأنه أكثر دفئاً من منزله! كما أنني أصبحتُ على يقين من أن إيجار المنزل المتأخر على بائع الورد الصناعي، سببه قرارُ إداري غبي صدر من صاحب قرار وصفه كوصف قراره، ولم يعد لدي أدنى شك من أن الظلم يمارس كل يوم في مكاتب مغلقة، أثاثها فخم، في طوابق مرتفعة، ولا يمارس على وسائل الإعلام.

بعد ذات الواحد وعشرين عاماً من ممارسة الحياة، تتأكد أن أصدق حب كان ذلك الذي عشته في الدراسة الابتدائية، الذي يتلخص باختبار مهاراتك في الكتابة، لتخط على ورقةٍ صغيرة بقلم الرصاص، الحرف الأول من اسم زميلتك التي تشاركك المقعد، وعندما تمرر لها الورقة بيدٍ ترتجف، تبتسم وتبادلك بكتابة حرف اسمك الأول على ذات الورقة، لينعقد قرانكما بهذا الميثاق الغليظ! هذا الحب -إن كان يصح أن يسمى حباً- هو الحب المبني على إيجابٍ وقبول مجردين، دون حساباتٍ مادية، ومعادلات اجتماعية، حبٌ لا يعتمدُ على مظهرك العام، حب خالٍ من مساحيقِ التجميل، لا يعتمدُ على مدى زعامتك وجاذبيتك، ولا على رصيدك البنكي، ونوع سيارتك وفئتها، حب يشبه الثلج، أبيض، صافٍ، صلب.

بعد واحدٍ وعشرين عاماً من ممارسة الحياة، عرفتُ أن القوة حاجةُ أساسية من احتياجات الإنسان، القوة المطلقة التي لا يقف عندها شيء ولا تتورع عن إسقاط كل شيء فقط لتحافظ على صاحبها، والثقة المبنية على أساسٍ سليم تحيي صاحبها ولا تقتله، فمن يصل إلى القوة والثقة، سيجد كثيراً من الناس تبغضه وتحاول إيذاءه، لأن القوة تستفز الضعيف، والثقة تزعج المهزوز، وتأكدتُ أن كل من يثنيك عن هدفك جدير بأن تسحقه دون أن تلتفت إليه حتى.

كلمة الحق، لا يجرؤ أي أحد على دفع ثمنها، لكن واحد وعشرين عاماً من ممارسة الحياة علمتني أن كلمة الحق التي تدفع ثمنها حتى حياتك، رابحةُ دائماً، فالموتُ آتٍ ولو تأخر، فمِت واقفاً كشجرة خير لك ألف مرة من أن تحيي ذليلاً خانعاً، وأدعوا ربك دائماً أن تعيش حياة كالخيل وتموت ميته، تعيشُ واقفاً على قدميك، وفي اليوم الذي تخذلك فيه إحداهما، لا حاجة لك بالحياة وما فيها.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
بعدَ واحدٍ وعشرينَ عاماً من ممارسةِ الحياة