الإثنين, 21 يناير 2019

أكتب لأحرّر اللاواعي

تجربتي مع الكتابة حديثة العهد، لم تكن هدفاً بل نتيجة..

أُسأل عادةً ، لماذا أكتب؟

لا أحبّ الـ»لماذا» وأفضّل عليها الـ»كيف»

لماذا تبرّر، تبحث عن سبب، لتربطه بنتيجة، لماذا تبحث عن تفسير لتفهم، وأنا لم أعد أحب أن أفسّر شيئاً.

كنت أجيب سابقاً أن الكتابة وسيلة أكشف بها جزءاً مخفياً من روحي، وأني أعبّر بها عما أعجز عن قوله شفهياً، فأنا أكتب لأحدٍ ما أعجز عن قول نصفه لو كان جالساً أمامي.. كنت أجيب أن الكتابة تخرجني من دائرة الراحة التي «وجدت نفسي بها» ولا أدري من قام برسمها أو بتحديد قطرها، الكتابة تكسر الروتين، وتقدمني بطريقة لم يألفني بها أغلب الناس، بينما آمن بها بعضهم حتى قبل أن أكتب.

أما اليوم أجيب عن كيف، كيف أكتب لأحرر اللاواعي.. كيف أجد فرقاً هائلاً بين الفكرة عندما تدور في رأسي، وبين كتابتها..

لا يقتنع البعض بعلاقة الكتابة والأفكار التي تدور في العقل في مستوياته كافة، لنذهب أبعد من ذلك، الكتابة متصلة اتصالاً قوياً وخفياً في آن، بالعقل اللاواعي.. أن تكتب يعني أن تكمش أفكارك، تمسكها، تضعها تحت المجهر.. بينما قولها بينك وبين نفسك أو على العلن، تبقيها متملّصة، هاربة، تبقي لها سطوتها وقوتها. الكتابة تشبه افتعال ثقب في أنبوب محقون بالمياه.

الكتابة تحرّر أغلب الأفكار التي نتمسّك بها بمبالغة، وتحديدها يقلّصها ويضعفها، ويسمح لأفكار أخرى مختبئة وراءها أن تظهر.

الكتابة تزيد تلقائياً من تحملنا لمسؤولية هذه الأفكار، وبالتالي تضعف تلك الأفكار التي في صلبنا لا نؤمن بها أو لم يعد لها قيمة.

الكتابة أسلوب تحرير وإثبات، وهذا ما لا يقتنع به أغلب الناس، لأننا نميل إلى اعتبار أن الوصول إلى التغيير صعب، وأدواته سحرية أو جديدة، لا نعرفها من قبل، وحتى أننا غير مستعدين لتجربة الموضوع، وبدل من ذلك نسأل لماذا وأنا لا أحبّ الـ»لماذا» لأنها تبرّر، تبحث عن سبب، لتربطه بنتيجة، لماذا تبحث عن تفسير لتفهم، وأنا لم أعد أحب أن أفسّر شيئاً.

 وندخل من جديد في دائرة «كيف يعمل الأمر؟»، في الحقيقة لا يهم كيف يحدث ذلك، ما يهمنا أنه فعلاً يعمل، فقط.

الكتابة من أسهل وأكثر الوسائل التي تغيّرنا، سواء آمنا بذلك أو لا، وسواء جربناه أو لا. أي فكرة تربكك اكتبها حتى لو لم تكن واضحة، ذكريات، أهداف، مخططات، مشاهد من خيالك، أفكارك عن أحداث حصلت لك، صدمات، اشرح أفكارك، وفصّلها..

الكتابة وسيلة إثبات وتحرّر.. يمكنك أن تكتب لترسّخ معتقداً ما في رأسك، ويمكنك أن تكتب نفس المعتقد لتتحرّر منه. أفكارنا تثقل أرواحنا بوزن أثيري زائد، نكون في أغلب الحالات بغنى عنه.

أنا اليوم أكتب أكثر من أي يوم مضى، أكتب أكثر مما يمكن أن أتخيله، أكتب متوجّهة لنفسي.

أنا أكتب لأحرّر اللاواعي.

تجربتي مع الكتابة حديثة العهد، لم تكن هدفاً بل شفاء.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
حياتي في مصر التي جعلتني أنتحر!
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
أكتب لأحرّر اللاواعي