غَمْبول.. سِيرة مناضلٍ صومالي أدمن الصدق حتى مع أعدائه!
الأربعاء, 19 ديسمبر 2018

غَمْبول.. سِيرة مناضلٍ صومالي أدمن الصدق حتى مع أعدائه!

قبل أيام تلقيتُ دعوةً رسميةً من منظمي مؤتمر «تاريخ وأدب المناضل الصومالي السيد محمد عبدالله حسن» المُنعقد في مدينة «جِكجِكا» بالإقليم الصومالي في إثيوبيا، بدعمٍ ورعايةٍ رسميةٍ من حكومة الإقليم المنبثقة تواً من رحم الربيع الإثيوبي بكل تجلّياته، وما تَبِعها من تحوّلاتٍ جذرية في موازين القوى في المنطقة.

وكانت المناسبة -بالنسبة لي- فرصةً ثمينة لتشبيك علاقاتي مع كوكبة من المثقفين وروّاد الفكر والسياسة، في منطقة القرن الإفريقي، بامتداده الجغرافي المترامي، وبُعده الثقافي المتنوّع.

الحديث عن السيد محمد عبد الله حسن، قائد ثورة الدراويش (١٨٦٥-١٩٢١) تتطلّب مني طقوساً كتابية خاصة، كما كان يفعلها قُدامى الدراويش، منها الوضوء، وتطهير البدن والقلب معاً، وهي عادة متّبعة عند السادة الدراويش حين الحديث عن قائدهم المُلّهم؛ أو الملا المجنون -بحسب وصف وزارة المستعمرات البريطانية لشخص قائد ثورة الدراويش- والمهدي الصومالي أسوةً بمحمد أحمد المهدي السوداني؛ لتزامن ثورتيْ الصومال والسودان في توقيتٍ زمنيٍ معين، وظروفٍ سياسية تتشابه أشكالها، وشخوصها، ومعالمها، وحتى مآلاتها!

ولستُ هنا بصدد الحديث عن قائد ثورة الدراويش، إذ سبّقني الكثيرون في تناول جوانب من حياته، وكتبوا مجلّدات عن سيرته وتاريخ نضاله، أشهرهم: الكاتب والمؤلف الكبير الشيخ جامع عمر عيسى في موسوعته الموسومة «تاريخ ثورة الدراويش وسيرة قائدهم».

شخصياً استغرق مني قراءة هذا العمل الضخم شهريْن بالكمال والتمام، دون أن أرتوي من معين دُرَره، والغوص في جَواهِر حِكمه المتناثرة بين دفتيْ هذا الإنتاج العظيم.

ولن أكتب انطباعاتي عن المؤتمر ومحاوره، ولا ما جرى فيه، ولا حتى عن قفشات المؤتمر وهمساته، وما دار في قاعة المؤتمر من الفكاهة والنوادر، بقدر ما أنوي عرض موجز وسريع لسيرة رجلٍ أدمن الصدق، حتى أصبح مضرب المثل للصدق، في زمن تكالب الأعداء على بلدي الصومال من كل حذبٍ وصوب.

عاش الرجل مع السيد عبد الله الدرويشي في كل تفاصيل حياته، وشهد كل معاركه البطولية مع العدو، ذاع صيته وسط الدراويش بالرجل الصدوق، الذي لم يكذب قط مهما كانت الظروف والمغريات، فهو عندنا كحاتم الطائي – زعيم قبيلة طيء العربية- المشهور بالكرم، وسمؤال بن عادياء المشهور بالوفاء، فالعرب تُعظّم أمثال هؤلاء، وأنا اليوم أعرّف القارئ العربي بشخصية اشتهرت بالصدق وقول الحقيقة حتى في أحلك الظروف، وهو نور ورسمه يونس المشهور بـ»غمبول».

 

الكتيب الإنكليزي

في يومٍ صيفي قائظ من هذا العام زرتُ بمكتبه بوزارة التربية والتعليم العالي بولاية بونتلاند  المدير العام للوزارة الأستاذ محمد علي فارح، بعد ونسة سريعة معه، أهدى لي كُتيّباً صغيراً بحجم ٨٠ صفحة مكتوباً على غلافه بعبارات إنكليزية «Gambool.. the Truth teller»، وطلب مني كتابة انطباعاتي عن الكتاب على شكل خواطر، وعدته بالكتابة كلما سمحت لي الظروف، وأراني الآن في مزاج نفسيٍ مستقر، وضغوط عملٍ أقل، ما يسمح لي الوفاء بالعهد.

بالصراحة، الكتاب ضمن أربع كتب فقط قرأتها بالإنكليزية، لدرجة أنني أحفظ عناوينها عن ظهر القلب، لمحدودية قراءتي بلغة الخواجه، ومنها كتاب ثانٍ بعنوان «You Can Win» للكاتب الهندي شيف خيرا، وكتاب آخر بعنوان » The Founder of Somali flag» وآخرها كتاب للرئيس الحالي لولاية بونتلاند عبدالولي محمد علي غاس بعنوان » A challenging transition  in Somalia» فأنا عازف تماماً عن عالم الكتب الإنكليزية، ومعظم تلك الكتب وصلتني كهدايا، وكنتُ مجبراً على قراءتها، ما عدا كتاب شيف خيرا، اقتنيته بنفسي قبل عشر سنوات تقريباً، ولا زالت تنظيراته الفلسفية لها أثرها الباقي على وجداني.

تمعّنتُ في الكتيب -موضوع المقال- متصفحاً، ومقلباً أوراقه، جالت أسئلة كثيرة في خلدي أثناء التصفح، لماذا الكتابة بالإنكليزية عن شخصية مثل غمبول المشهور بالصدق؟ برأيي اللغة الصومالية أو العربية أفضل خيار عند تناول تاريخ الشخصيات المؤثرة، كما فعلها الشيخ جامع عمر عيسى عندما كتب عن تاريخ العلامة الشيخ علي الماجيرتيني في كتاب صدر باللغتيْن العربية والصومالية معاً، وأنا فخور جداً كون العلامة علي الماجيرتيني عاش فترةً من أخصب فترات إنتاجه العلمي والمعرفي في قريتنا «بُرُعْ» الواقعة أقصى شرق الصومال، ولازالت مخطوطاته التي ألّفها -وهو شيخ القرية وضواحيها- محفوظة في صناديق، يملك مفاتيحها مجموعة من أجدادي، منعوني من الاقتراب إليها عند آخر زيارتي للقرية؛ بحجة أنها صناديق تحوي مقتنيات ثمينة لأحد أولياء الله الصالحين!

اتّخذ الشيخ علي الماجيرتيني قرية «بُرُعْ» مركزاً سياسياً له، بعث رسائل استغاثة من بُرعْ لعائلة القاسمي الإماراتية عام ١٨٣٦م؛ ليدافعوا معاً مدينة عدن الساحلية باليمن؛ إبان الغزو الإنكليزي لها.

لِنَعد إلى صلب الموضوع، هناك عدّة ملاحظات منهجية، ومقترحات موضوعية حول الكتاب، وسأتواصل مع الكاتب لتقديم المشورة اللازمة له، ويأتي في صدارة تلك الملاحظات استخدامه اللغة الإنكليزية بدل الصومالية، واختزاله دراسة سيرة بجوانب معينة دونما تناول العوامل المحيطة بأسلوب علمي يضمن إبراز كاريزمية الرجل، ودوره النضالي أثناء فترة ثورة الدراويش.

 

نماذج من صدقه

نأتي لذكر نماذج من صدق «غمبول» فقد اشتهر -كما أسلفنا- بالصدق والوضوح، وكان دوماً محل اختبار من أصدقائه؛ للتأكد من مدى تحرّيه للصدق.

فذات يومٍ أرادوا إحراجه أمام مجموعة من أصدقائه الدراويش، فطلبوا منه أن ينادي الآخرين لوليمةٍ، بعد أن رأى ثوراً قِيل له إنه سيُذبح للوليمة، وعندما وصل عند المدعوين، قال لهم: «رأيتُ ثوراً وبجانبه سكاكين والنار مشتعلة، وطُلب مني دعوتكم».

لم يجزم هو بالوليمة، نقل المعلومة بحذر شديد؛ حتى لا يهتز مركزه الاجتماعي، وينعتوه بالكاذب.

دعونا نأخذ مثالاً آخر من صدق غمبول كما ورد في الكتاب، قرّر السيد محمد عبدالله حسن غزو مدينة بوصاصو، فكان لابد من جمع معلومات استخباراتية قبل الغزو، وتم تكليف غمبول بقيادة مجموعة مهمتها جمع المعلومات، ودراسة الأوضاع؛ لمعرفة نقاط القوة والضعف عند جنود ملك عثمان، الخصم اللدود للسيد محمد وثورته، أثناء المهمة العسكرية، التقوا صدفةً برجال مدججين بالسلاح من حرس الملك عثمان، فبادر الحرس بسؤال المجموعة التي يقودها غمبول، من أنتم؟ وما مقصدكم؟

أجاب غمبول قائلاً: «نحن جنود الدراويش، وقصدنا هو أن نغزو غداً صباحاً على قلاع مدينة بوصاصو، لهدمها، وإلحاق الهزيمة بالملك وجنوده». تعجّب حرس الملك من ردّه، وقرروا تركهم وشأنهم؛ معتقدين بأن الرجل إمّا معتوه؛ أو كاذب، وفي الصباح هاجموا القِلاع، وألحقوا ضرراً بحرس الملك، وقتلوا عدداً من الجنود، ورجع غمبول وجنوده منتصرين باتجاه «تليح» مقر الدراويش في نوغال، وفور وصول الجنود للمقر قدموا شكوى ضدّ غمبول للسيد محمد عبد الله حسن قائد الدراويش؛ متهمين غمبول بأنه أفشى سراً عسكرياً للعدو.

دعاه السيد فوراً إلى مجلسه، وسأله ما إذا كان صحيحاً شكوى الجنود، فردّ غمبول، بكل ثقة قولته المشهورة: «سيدي ما قدّمه الجنود ضدّي صحيح، قلتُ الحقيقة؛ ليظن الأعداء بأنني أكذب، ونجحت خطتي».

ومن أظرف قصص صدقه المتداولة تلك التي وقع في أيدي رجال مسلحين من قبيلة كانت بين قبيلتيْهم ثأر قبلي، فقرروا -أي القبيلة المناوئة- أخذ الثأر، وقتل غمبول انتقاماً، فقبضوا عليه وسألوه أين غمبول؟ وهم لا يعلمون أن المقبوض عليه هو نفسه غمبول الذي يبحثون عنه، هنا استخدم حِيلةً دون أن يكذب، وأنقذ نفسه، التفت إليهم وقال: «من أنا بقبضته لا يبحث عن غمبول»!

لجأ إلى استخدام التورية في البلاغة، وهي الحيلة نفسها التي استخدمها النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما سأله كفار قريش من أين؟ فرد عليهم المصطفى من ماء، فلم يفهموه، وأنقذ نفسه، وحقاً كُلنا من ماءٍ دافق، واستخدمها الإمام الشافعي أيضاً عندما سُئل هل القرآن مخلوق؟ في خضم أزمة خلق القرآن المشهورة، فكان جوابه: إيايَ تعني؟ فقالوا نعم، فردّ عليهم بأنه مخلوق، وقصده كان نفسه كبشر، وليس القرآن.

وختاماً، ما أحوجنا نحن الصوماليين لقائدٍ صادق لا يكذب ولا يخون، امتثالاً لقول المصطفى: «الرائد لا يكذب أهله».

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
التتار المُحدثون
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
غَمْبول.. سِيرة مناضلٍ صومالي أدمن الصدق حتى مع أعدائه!