خائفون من بوتين مُستعبدون في العمل.. لماذا يتمنى الروس العودة إلى زمن الاتحاد السوفييتي ؟
السبت, 15 ديسمبر 2018

الروس يتمنون العودة إلى زمن الاتحاد السوفييتي

في ظهيرة باردة من الشهر الماضي، تجمّع مئات الأشخاص في الميدان الرئيسي بمدينة بيرسلافل-زالسكي، الواقعة على بعد ساعات قليلة شمال موسكو، لمشاهدة حدث تاريخي: الكشف عن رسالة كُتبَت منذ نصف قرن في بيرسلافل السوفيتية إلى شباب عام 2018.

كانت الرسالة، التي كتبها شباب في عام 1968، موجودة في أسطوانة معدنية مغلقة على هيئة صاروخ؛ لا شكّ إجلالاً لمغامرة يوري غاغارين في الوصول إلى الفضاء، والتي نجحت قبل سنوات قليلة من دفن الكبسولة تحت قاعدة تمثال رمادية صغيرة. وتُظهِر صورٌ من احتفال 1968، السكّانَ المحليّين ملتفّين في معاطفهم وسُتراتهم المبطّنة تحت تمثال فلاديمير لينين في الميدان، فيما تشير ذراعُه الطويلة غير المتناسقة فوق رؤوسهم إلى المستقبل الشيوعي المشرق بلا شك في القرن الحادي والعشرين.

جاء في الرسالة: «إنّنا نورثكم الحبّ المتقد لقائد الطبقة العاملة العظيم فلاديمير لينين. أقيموا نصباً تذكاريّاً جميلاً لفلادِيمير ألييِتش (لينين)، قلعة الشيوعية؛ كمظهر عظيم ومُستحَق يليق بأفكاره الخالدة“!

بعد خمسين عاماً، تبدو روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين مختلفة كثيراً عما تصوّره لينين وأتباعه. واجه تمثال لينين نفسه في بيرسلافل مصيراً مؤسفاً العام الماضي، حين حطّم العمال ذراعَه أثناء قيامهم بترميم الميدان، ثم وضعوا بقية التمثال في صندوق من الخشب الرقيق. تشير علامة على الصندوق الآن إلى ”الموقع“ التقليدي لِتمثال فلاديمير لينين، وهو نصب تذكاري من عام 1929 تحت حماية الدولة. لكن السكّان المحليين ليسوا متأكّدين أنه ما زال داخل الصندوق.

كانت كتابة رسائل إلى المستقبل ظاهرة واسعة الانتشار في الاتحاد السوفييتي بين عامَي 1967-1968. تميّزت هذه السنوات عند الجماهير السوفييتية بفانتازيا استكشاف الفضاء واستحداث عطلة نهاية الأسبوع التي تستمر ليومين، فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية لم يكن العمال مضطرين للعمل طيلة 6 أيام في الأسبوع. كانت الرسائل تُكتب حينها لإحياء ذكرى مرور نصف قرن على الثورة البلشفية عام 1917، وإنشاء الكومسومول بعدها بعام، وهي الرابطة اللينينية للشباب الشيوعي في عموم الاتحاد السوفيتي. كانت تلك الرسائل تعكس حلماً بمستقبل أكثر راحةً، يستطيع فيه الناس العاديون أخيراً أن ينعموا بثمرة الجهد الشاق لأجيالٍ سبقتهم.

وجاء في رسالة كُتبت بخط اليد، تمّ الكشف عنها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي في قرية سيدلنيكوفا في سيبيريا: ”أنتم تعملون وتعيشون في مجتمع شيوعي بدأ جيلُنا في تشييده، وفيما كشَف يوري ألكسيافيتش غاغارين -تلميذ الكومسومول التي أنشأها لينين- أولى طرق الفضاء، ها أنتم تسافرون إلى كواكب أخرى“.

وفي رسالةٍ وجدت في مدينة توبولسك، وسردت المصاعبَ التي واجهت المدينة أثناء إنشاء السكة الحديدية عبر مستنقعات حقول النفط في سيبيريا الغربية، كتب أحدهم: ”إننا نبني ونبني ونبني. نعتقد أن الناس في عام 2018 سيكونون في أمانٍ من الحروب والمجاعات. سيكون العالم أكثر عدلاً منه اليوم، ولن يبقى هناك أيّ رأسماليّين“.

دفع الكشف عن هذه الرسائل وقراءتها خلال العامَين الماضيَين، في الوقت الذي تراجع فيه مستوى المعيشة بالنسبة لمعظم الروس، إلى تأملاتٍ ممتعةٍ مشوبةٍ بحسرةٍ وألم. ففيما لا تزال عطلة نهاية الأسبوع مستمرة ليومَين، تلقّت مؤسسة أخرى من الحقبة السوفييتية -المعاشات الحكومية- ضربةً مؤثرة: فبحسب مساعٍ إصلاحية يقودها بوتين سترفع سنّ التقاعد إلى سنّ الستين بدلاً من 55 عاماً بالنسبة للنساء، وإلى 65 بدلاً من 60 للرجال (هذه الإصلاحات لا تحظى بأي شعبية، ويسود اعتقاد واسع بأنها مسؤولة عن تراجع حاد في شعبية حزب ”روسيا الموحدة“، صاحب الأغلبية في الكرملين، وحتى شعبية بوتين نفسه). ويستمر خضوع ما بَقِي من المنافع الأخرى لدولة الرفاه السوفييتية -مثل التأمين الصحيّ والتعليم المجّانيَّين- لعملية ”تهيئة وتحسين للأداء“، وهي الكناية الروسية المفضّلة لإجراءات خفض الميزانية.

يتصاعد إحساس بانعدام العدالة، خاصة خارج المدن الكبرى. حتى التغطية الإعلامية المتفائلة لافتتاح جسر جديد في شبه جزيرة القرم، والتقارير عن الانتصارات العسكرية في سوريا، يبدو عليها آثار الإنهاك. وتوصلت دراسة نشرها معهد علم الاجتماع بالأكاديمية الروسية للعلوم هذا الشهر إلى أنّ أولويّات الروس تغيّرت عمّا كانت عليه في أواخر عام 2014، حين احتفى الكثيرون منهم باستيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم. في الوقت الحاضر، يعتقد الكثير من الناس أنّ استعراض النفوذ الكبير والقوة العسكرية أقل أهمية من بناء مجتمع العدالة وتحقيق الرفاهية للناس. ربّما تخلّى الروس عن فكرة الشيوعية وحكومة العمال والفلاحين، لكن لا تزال لديهم الرغبة بأن تتكفّل الدولة بالضمانات الاقتصادية للعيش والبقاء.

ورغم تصريحات بوتين عن تحقيق نمو اقتصادي، تشير التحليلات إلى أن الروس يزدادون تشاؤماً. ووجدت دراسة أُجريت في أكتوبر/تشرين الأول، أعدّتها المدرسة العليا للاقتصاد بالجامعة الوطنية للأبحاث، تراجعاً حاداً في ثقة المستهلكين. ورغم النمو الاقتصادي خلال العامَين الماضيَين، إلا أن ارتفاع أسعار النفط واستقرار الاقتصاد الكلي (إذا اخترنا تصديق الإحصائيات الحكومية)، لم يُسهما في شعور الأسرة المتوسطة بالكثير من التحسّن. في الواقع، يشعر الروس اليوم بالإنهاك أكثر مما شعروا به خلال سنواتٍ مضت.

لقد حاول الكرملين احتواءَ حالة الاستياء العام من خلال تعيين مجموعة كبيرة من الحكّام الجدد هذا الخريف، لكن ليس من المرجح أن تجدي تلك الإدارة التفصيليّة للسخط الاجتماعيّ نفعاً، حسبما يقول فيتالي باشكوف، ناشط محليّ ورائد أعمال في بيرسلافل، انتُخِب في سبتمبر/أيلول الماضي لعضوية مجلس المدينة الذي يهيمن عليه أعضاء أحزاب أخرى غير حزب روسيا الموحّدة، وهو أمرٌ نادر في روسيا.

كانت بيرسلافل أحد الأماكن التي أُرْسِل إليها عمدة جديد مع فريقه القادم من منطقة موسكو، لإصلاح ومعالجة الأمور بعد حبس العمدة السابق في 2016. يصف باشكوف هذا النمط من المسؤولين القادمين مباشرة من موسكو بـ ”المدير المتجول“، الذي لا تربطه صِلة بالمنطقة؛ ويقول: ”ينصب اهتمامهم الرئيسيّ على بناء مستقبلهم المهنيّ وجني المال“ قبل رحيلهم إلى مكان آخر.

قضى العمدة المتجول عامَين في بيرسلافل ثم انتقل ليتولى مدينة أخرى أكبر، لكن ليس قبل تصفيته بشكلٍ متفرّد مصدرَ فخرِ المدينة: المتمثل في جامعتها الصغيرة التي يتخرّج منها متخصصون في مجال تكنولوجيا المعلومات. ببساطة أمر العمدة أن تنتقل الجامعة المتعثّرة من المباني التي تمتلكها البلدية والتي استخدمتها الجامعة مجاناً لمدة 25 عاماً، ما أدّى إلى فقدان الجامعة ترخيص وزارة التعليم.

كما توقع سيرغي أبراموف، وهو عالم رياضيّات كان مديراً للجامعة ويدير الآن معهدَ أبحاثٍ محلياً، أنّ خسارة المدينة لتلك الجامعة قد تؤدّي في نهاية المطاف إلى أن تفقد بيرسلافل حوالي ربع سكانها، وفقاً لما جرى في مدن روسية شبيهة جرى فيها ”تهيئة وتحسين“ مؤسسات التعليم العالي.

كانت النقاشات في المدينة حول الرسائل الآتية من عام 1968 مريرةً؛ إِذْ يقول أبراموف: ”ونحن؟ ماذا نترك للأجيال القادمة؟“.

وحسبما ترى آسيا شوبانوفا، مهندسة متقاعدة كانت هي مَن أغلقت الكبسولة صاروخية الشكل على الرسالة عام 1968، فإن ”الأسعار تتزايد، والفواتير تتضاعف؛ ويمكن للمرء التفكير فقط في ألا يُشكِّل عبئاً على أطفاله“. لم يكن لديها أوهام بشأن النظام السوفييتي، لكن في ذلك الوقت اُنصفَت في نزاعٍ هام مع مديرها، حين أتى المدّعي العام المحليّ للدفاع عنها؛ وقالت: ”الآن ليس هناك عدل، فقط الروتين وعدم الاستقرار والخوف وفقدان الثقة“.

تذكّر باشكوف أنّه حين كان يافعاً في الثمانينيّات، كانت بيرسلافل تشهد نمو أحياء سكنيّة جديدة. لكن اليوم يتمثل أحد أحدث مشاريع التنمية القليلة بالمدينة في تجديد وترميم ميدان المدينة والمركز المجتمعي في ”بيت الثقافة“. لم يكلّف هذا تمثال لينين فقدان ذراعه وحسب؛ بل إنه عرّض حياة الأحياء للخطر، حين انهار الرواق الذي تم ترميمه حديثاً بعد شهر واحد من إعادة افتتاحه. استخدُمَت ألواح بلاستيكية لامعة لإخفاء الإطار المتآكل بالمبنى.

يقول باشكوف: ”هذا النمط من الإصلاحات هو ما يميّز النظام الحالي؛ لمسة حديثة وعصرية في الظاهر، لكن تأكل تام للداخل“.

هذه المدونة مترجَمة عن صحيفة The New York Times الأميركية.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
الروس يتمنون العودة إلى زمن الاتحاد السوفييتي