ليس التلميذ السوري وحده من تعرض للضرب والعنصرية.. هذه هي بريطانيا القبيحة التي تربيتُ فيها
الخميس, 13 ديسمبر 2018

ليس التلميذ السوري وحده من تعرض للضرب والعنصرية.. هذه هي بريطانيا القبيحة التي تربيتُ فيها

لا أذكر تعرُّضي من قبل لاعتداء «الإيهام بالغرق». ولكنني أيضاً لا أذكر يوماً مرَّ عليَّ كطالب في المدرسة إلا وقد عدت إلى البيت منها بشفاهٍ متورّمة أو أنفٍ نازف. وفي بعض الأحيان، وجبَ علي أن أختبئ في المنزل أيضاً. «يجب عليك أن تكونَ أذكى من أن تُقحِم نفسك في مشاجرة».

إلا أن تفادي المشاجرات لم يكن اختيارياً في فترة السبعينيات في بريطانيا، إن كنتَ آسيويّاً في عصرٍ اعتُبِرت فيه مضايقة الآسيويّين (Paki-bashing) رياضةً وطنية. فإما أن تُدافِع عن نفسك وتخوضَ المشاجرات، وإلا فعليك أن تتحمل المزيد من المضايقات.

لذلك، عندما شاهدتُ مقطع الفيديو المنتشر حول الشاب السوري اللاجئ، جمال، الذي يبلغ من العمر 15 عاماً، وهو يتعرض للاعتداء على يد زميل له بالمدرسة في مدينة هدرسفيلد، اعترتني الصدمة والغضب. لقد كنتُ في موضع جمال ذات يوم؛ وأفهم جيداً ما يعاني منه.

تُثير هذه الحادثة عدة تساؤلات بشأن السلوك تجاه اللاجئين. وتُثير أيضاً تساؤلات حول دور شبكات التواصل الاجتماعي. هذه الحادثة ما هي إلا الأحدث في سلسلةٍ من الاعتداءات العنصرية التي يتم التقاطها بالكاميرا ونشرها على الإنترنت. ساعدَت وسائل التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء على هذا النوع من السلوك غير المقبول، من مقطع السيدة العنصرية والمتبجّحة في أحد قطارات مدينة كرويدون، إلى الإساءات العنصرية على متن إحدى طائرات شركة رايان إير. وبإمكان وسائل التواصل الاجتماعي تحريف التصورات أيضاً. فمن السهل اعتبار مثل هذه الحوادث تعبيراً عن الحياة اليومية في بريطانيا. ولكن أحد الأسباب التي تجعل من هذه الحوادث أمراً صادماً، هو أن بريطانيا قد تغيرت كثيراً عما كانت عليه في طفولتي.

لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي أو أي شيء من هذا القبيل موجودة للكشف عن مثل هذه المضايقات العنصرية. لكن حتى وإن وُجِد شيء كوسائل التواصل الاجتماعي حينها، فلم يكن من الوارد أن تُسبب مثل هذه الحوادث أي استنكار أو حتى أن تمتلك أهمية إخبارية؛ لأن هذه الاعتداءات كانت مترسخة في النسيج المجتمعي حينها.

لا تزال العنصرية تمثل ظاهرة، ولا تزال قضية العداء تجاه اللاجئين بحاجة للمعالجة. ويبدو أن أخت جمال قد تعرضت للمضايقات العنصرية في نفس المدرسة، حيث نُزع حجابها بالقوة ورغماً عنها. ولا ينحصر تعرض طالبي اللجوء لهجماتٍ وحشية في هدرسفيلد. ومع ذلك، فلم تعُد مثل هذه الحوادث من سمات المجتمع البريطاني كما كانت عليه قبل جيل.

قد يؤدي عرض تلك المقاطع على وسائل الإعلام إلى هجوم الناس على الأشخاص العنصريين، بمن فيهم الأطفال. فقد تلقى الفتى المتهم بالعنصرية تهديداتٍ بالقتل، وأُجبِرت عائلته على ترك منزلهم. يسهل علينا أن نقول: «إنه فتى عنصري، وهو يستحق ما حصل له». لكن مهما كانت حِدة الاعتداء، فهل نريد حقاً أن نُشجع تلك التأثيرات السامة في الأماكن العامة وعلى الحياة المدنية والتي تتسبب بها الحشود المدفوعة بوسائل التواصل الاجتماعي؟ سواءٌ عبر الإنترنت أو الحياة الواقعية، فليس العنصريون فقط هم من يُستَهدَف من قِبل غضب تلك الحشود.

إننا نشهد أيضاً ظهور ثقافةٍ جديدة تقبل بتصوير الأحداث المؤسفة بالكاميرا ومشاركتها على الإنترنت عِوضاً عن التدخل بشكلٍ مباشرٍ ونشِط لمساعدة الضحايا. وأحد أسباب ذلك هو انتشار كاميرات الهواتف الذكية. ولكن للتغييرات الاجتماعية أهمية كبيرة أيضاً. فقد ساهم مفهومَا «مصلحة الفرد» و»السلامة أولاً» في تقويض إحساسنا بالالتزام الأخلاقي تجاه الآخرين. وعندما يعتقد أحد كبار رجال الشرطة أنه من المبرر أن يحتمي بنفسه في سيارةٍ بدلاً من التصدي لهجومٍ إرهابي على البرلمان، فهل من المفاجئ أن نرى صعود ما وصفه وزير الدفاع، توبياس إلوود، بـ»المجتمع اللامُبالي» أثناء مقابلة صحافية له مع برنامج Newsnight في أعقاب حادثة المدرسة بمدينة هدرسفيلد؟

أثناء الهجوم الإرهابي الذي وقع بمدينة ويستمينستر أظهر إلوود شجاعة كبيرة في محاولة إنقاذ حياة الشرطي كيث بالمر، الذي تعرض لطعنة قاتلة من قِبَل خالد مسعود. لدى إلوود السلطة الأخلاقية التي تدفعه لانتقاد ميل الأشخاص للوقوف على جانب الطريق دون التدخل، ولكنها لا تدفعه لإبداء موقفٍ بشأن الاعتداءات على اللاجئين.

«من أين استمد هذا الفتى العنصري أفكاره؟»، كان هذا سؤال إلوود في برنامج Newsnight بشأن الفتى المتهم في حادثة المدرسة. لا يستطيع المرء إلا أن ينظر بتعجب على مدى افتقاره للإدراك الذاتي.

يعمل إلوود في حكومة تقودها رئيسة وزراءٍ احتفَت، حين كانت وزيرة للداخلية، بخلق «بيئةٍ معادية» للمهاجرين الذين اعتُبروا غير شرعيّين. لقد غذّت سياساتها مناخاً من الريبة، يُعامل فيه الأشخاص كمُدانين حتى تثبُت براءتهم. وقد أرغمت المدرّسين والأطباء ومُلّاك العقارات على القيام بدور ضباط هجرة مساعدين. وخَلَقت بيئةً تحتضن تصرفاتٍ مثل فضيحة Windrush؛ بيئةٌ تغذي العداء تجاه اللاجئين، والذي قد يصل في بعض الأحيان إلى الاعتداءات العنيفة.

إن ما يثير الدهشة بحق ليس حدوث مثل تلك الهجمات، بل ندرتها النسبية في ظل الخطابات السياسية المتعلقة بالهجرة وطبيعة سياسيات الحكومة. كتب إلوود في تغريدةٍ نشرها بعد اعتداء هدرسفيلد، وقد حذفها لاحقاً: «هذه ليست بريطانيا الودودة والمُرحِّبة، التي يُفترَض أن تكونَ كذلك». إذا كان يرغب في معرفة سبب ذلك، فما عليه إلا إلقاء نظرة أقرب إلى الوطن.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
كانت الآلات تقطع أيديهم وتسحبهم داخلها.. قصة مزارع قصب السكر الأميركية التي كانت تذبح عُمالها
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
ليس التلميذ السوري وحده من تعرض للضرب والعنصرية.. هذه هي بريطانيا القبيحة التي تربيتُ فيها