من الموصل إلى حلب ثم إسطنبول.. رحلة هروبي من داعش - حارث العباسي
الأربعاء, 19 ديسمبر 2018

من الموصل إلى حلب ثم إسطنبول.. رحلة هروبي من داعش

لم تكن ليلة ممطرة، ولا صباحاً ينعم بالدفء. لقد كانت ليلة باردة قاسية البرودة أشعلنا فيها الكثير من الأشجار لنحصل على دفءٍ ونور منها.

ثلاث ليالٍ ننتقل فيها بين دول ومدن متفرقة، العراق حيث الموصل وسورية حيث الرقة فحلب وتحديداّ مدينة منبج، ليس من السهولة بمكان أن تهرب من داعش، عليك أن تحمل كفنك معك ولو معنوياً إن لم يكن حقيقياً، وما عليك إن أدركك الموت وأنت تركض إلى الحياة خيراً من أن يدرك واقفاً تنتظر قدومه، الوقوف هو الموت فإذا كان السكون لغة الأموات فإن الحركة لغة الحياة، الحركة ليست بركة فقط، الحركة نجاةٌ أيضاً.

نمتُ قليلاً من الليل، لا أدري كيف، لكنني وجدت نفسي رسول العراق بين مجموعة من السوريين، لا أعرفهم ولا يعرفونني ولكن من اللحظات الأولى أصبحتُ صديقهم وكأنهم يعرفونني منذ سنوات وليس ساعات، هل تلاقت أرواحنا ذات يوم، لربما لا أدري لا أدري، الليل طويل وطويل جداً، كم هو مرهقٌ أن تنام في الفلاة ليس تخييماً ولا نزهة، بل بحثاً عن فرصة جديدة في حياة قد لا ندركها.

تمضي الدقائق والثواني كأنها سنواتٌ، لكننا متى سنعبر يا ترى كم يوماً سنقيم هنا، يمضي الليل البطيء ويبدأ اليوم يكشف عن نفسه بنهار جديد قد يكون آخر محطتنا في الحياة، هنا قمتُ أصرخ بوجه الذين حولي ماذا نفعل هنا؟ متى سنعبر؟ لقد قتلنا البردُ وهشم عظامنا من شدته، دلوني على أي شخصٍ يقلني إلى الضفة الأخرى.

لم يستجب أحد، دلوني على المسؤول، المسؤولون يكذّب بعضهم الآخر.

ولكن المفاجأة إذا بزغ النهار فلا عبور اليوم، مما يستلزم يوماً جديداً من الألم والتعب والبرد وقساوته، يا إلهي الى أين نحن متجهون؟

ذهبتُ إلى المسلحين، أخبرتهم أنني أريد العبور اليوم ولن أتاخر، قالوا إذا أقبل النهار لن تتمكنوا من العبور اليوم، تبّاً لكم وماذا تنتظرون طوال الليل؟، لماذا لم تفعلوا شيئاً لأجل العبور؟ انتظر قليلاً.. انتظرتُ وكلي أمل أن يكون هذا آخر يومٍ على الحدود.

فجأة قالوا أين جماعة أبو فلان لربما كان اسمه أبو تعاسة أو أبو شقاوة وفِي بعض الروايات كان اسمه أبو الموت، كل الكنى تصلح له، اذهب ونادِ قومك لتعبروا، يا إلهي لقد بدأ الصبح ينكشف، أقبلوا يا قوم تعالوا فقد آن أوان العبور، للأسف لقد أعياهم الليل فناموا من شدة التعب والبرد.

أيقظتهم، وعندما تجمعنا وصلنا فإذا التعاسة قد كشرت عن أنيابها، لقد رحلت السيارة إلى الحد قبل دقائق.

ما أشقاكم من قوم؟

وما أشقى هذه الحياة التي نعيشها؟

لماذا كتبتِ الشقاوة علينا من دون العالمين؟.

لكني سأعبر، وإن كان في عز النهار فما عدتُ أطيق أكثر المكوث هنا، وبعد ساعة تقريباً عادت السيارات لتقلنا إلى الحد، لقد تحولنا للأسف إلى إنسان بصورة حيوان لم يكن يخطر لي ببال أن تكون سيارة سعتها أحد عشر راكباً، تقلُّ ثلاثين أو أربعين راكباً، لم يكن ثمّة خيار آخر لقد ركبتُ معهم.

ركبْنا، وفِي غضون دقائق أصبحنا عند الحد لكن صوت الرصاص قريب، قلْتُ هذا الرصاص موجهٌ على العابرين من الموت ليمروا بالموت مرة أخرى ليظفروا بالحياة من جديد، أو تكون نهاية المطاف.

يا إلهي موتٌ مرة أخرى، أجل، لكن لا تخفْ في كثيرٍ من الأحيان يحاولون إخافتنا لأجل الرجوع، بإمكانك أن تركض سريعاً فقد تظفر بالحياة، منذ عقدين وأنا أركض لأجل أن أبقى حياً، وعليك أن تبقى كذلك اليوم.

لا تخف لن تموت، ولكنهم إذا ألقوا القبض عليك سيرجعونك مرة أخرى خلف الحدود، وقد يضربونك ضرباً مبرحاً يهشم عظامك، لقد كان الحديث عّن الضرب أعظم مصيبة عندي من الحديث عن الموت.

لكني سأحدث الرصاص وأطلب من القناص أن يأخذ استراحة، لأذهب إلى الحياة من جديد.

كم أنت لطيفٌ وتحب الحياة؟

 لماذا لا أحبها؟

وأمي هناك تحت رحمة الإرهاب أنتظر خلاصها وحريتها أنتظر أهلي، لا أريد أن يكونوا بفجيعتين؛ رحيلي وإقامتهم تحت داعش، فاجتماع مصيبتين على الإنسان مؤلم ومرهق.

وصلنا الحد، وليتنا لم نصل فصوت الرصاص أضحى قريباً، هيا جاء دورك للعبور، سأعبر، لكن تذكر أن أمامك حفرة عليك أن تتجاوزها، لقد سقطتُ في الحفرة ليست حفرة الموت لكنها قد تكون حفرة  الرحيل إلى الحياة أو اللا حياة.

خرجتُ منها، تذكرتُ يتوجب عليّ أن أركض مسرعاً ومسرعاً جداً، قمتُ أجري بكل ما أوتيتُ من قوة لكنني تعبتُ، توقفتُ لثواني، لكن صوت الرصاص كان مفزعاً، ولكن ما أصنع، أخبرتني نفسي أو ربما جاءني صوت من بعيد: لا تقف، الوقوف موت، الوقوف ضياع، الوقوف مصيبة، الوقوف تيه، لا تقف وإن تعبت.

هنا وجدتُ نفسي أجلس في الحافلة بثياب متسخة بالقرب من فتاة جميلة، ربما لم تذقْ نيران الحرب من قبل، أخبرتني بعدها أنها من بلاد العرب، ولدت في إسطنبول وتدرس في عنتاب، كانت فتاة حقيقية جميلة بصورة أمل جديد.

ترى

متى يتصالح الألم مع الأمل

متى تتصالح الحرب مع الحب

ستبدو الحياة تافهة وتافهة جداً دون خوض المجازفة والمغامرة، ستعيش عمراً واحداً فغامر بحياتك، ولو لمرة واحدة.

وهنا أفقتُ على نفسي، لأجدها في محطة المترو متوجهاً إلى العمل، فقد مضت تلك الأيام.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
أنا «متلصص» سوري!
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
من الموصل إلى حلب ثم إسطنبول.. رحلة هروبي من داعش