فلندافع عن الهندوس ونمنع المسلمين من أكل لحم البقر.. لماذا انتخابات الهند القادمة هي الأكثر حسماً في التاريخ؟
الإثنين, 17 ديسمبر 2018

لماذا انتخابات 2019 هي الأكثر حسماً في تاريخ الهند؟

سيتوجه ما يقدَّر بنحو 900 مليون مواطن هندي في شهرَي أبريل/نيسان ومايو/أيار، من العام المقبل، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمانهم القادم. ومن المرجح أن تكون هذه هي أول انتخابات تشكل تحدياً خطيراً وحقيقياً لثقافة البلاد السياسية الجامعة لأطياف المجتمع، خلال السنوات السبعين والنيّف التي أعقبت استقلال الهند.

إذا نجحت الحكومة الحالية بزعامة حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي «حزب الشعب الهندي» ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في ضمان الحصول على تفويض حاسم من قِبل البرلمان، فستقترب البلاد بشكل خطير من التحول إلى دولة ذات تمثيل يرتكز على أكثرية السكان (دولة أكثرية).

سيمنح الفوز الحاسم «حزب بهاراتيا جاناتا» هيمنة وسيطرة كاملة على جميع مؤسسات الدولة، فضلاً عن وسائل الإعلام والخطاب العام الرسمي الموجه للجمهور. وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى زيادة تقويض استقلالية ونزاهة مختلف أجهزة الدولة، بما في ذلك السلطة القضائية، وهيئات الرقابة العامة، والأهم من ذلك: المؤسسات التعليمية التي تديرها الدولة. علاوة على ذلك، فإن انتصاراً آخر لحزب «بهاراتيا جاناتا» من شأنه أن يُعرض حريات وأمن زهاء الـ175 مليون مسلم هندي للخطر.

وفي خضم تراجع التأييد الشعبي للحكومة بسبب العجز الاقتصادي، اتخذ حزب «بهاراتيا جاناتا» مؤخراً مجموعة من التدابير التي تسهم في زيادة حدة الاستقطاب الديني المتنامي في الهند. ويبدو أن الحزب اليميني المتطرف يسعى إلى التأكد من تحقيق فوز انتخابي؛ ليس فقط من خلال إقناع المواطنين بقوة أجندته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن أيضاً من خلال تأجيج وإثارة تحيزات الأغلبية الهندوسية وأفكارهم المسبقة ضد المسلمين، وإقناعهم بالتصويت على أساس الانتماءات الدينية.

تأجيج الاستقطاب الديني

في عام 2014، اُنتخب مودي لسببين؛ أولاً: تفشي المشاعر المناهضة للحكومة الائتلافية وقتها بقيادة حزب المؤتمر الوطني الهندي، والناجمة بالدرجة الأولى عن اتهامات بالفساد، وتراجع أدائها الإداري الحاكم. ثانياً: نجاح مودي في رفع سقف آمال المواطنين حول مستقبل بلادهم، من خلال تقديم عدة وعود طموحة.

وبغض النظر عن ماضيه المثير للجدل – فقد اتهم بإشعال أحداث الشغب التي شهدتها ولاية غوجارات عام 2002 والسماح بوقوعها، والتي أسفرت عن مقتل ما يقرب من 1000 شخصٍ، معظمهم من المسلمين – نجح مودي في تقديم نفسه خلال الحملة الانتخابية باعتباره مسيح النماء والمخلص المنتظر.

وبمجرد أن وصل إلى السلطة، ابتعد عن صورة الإصلاحي التي صنعها لنفسه.

عمل مودي بالفعل على تحقيق بعض وعوده الانتخابية، مثل الشروع في وضع مخططات اقتصادية لصالح الفقراء وبرامج مبتكرة، ولكنه غالباً ما استدعى النعرات الطائفية والنزعات القومية الهندوسية لتعزيز سلطته. ونتيجة لذلك، أصبح المسلمون أهدافاً متاحة ويسيرة للتمييز والعنف الطائفي.

أسفر ترويج وتشجيع حكومة مودي الضمني للسياسات الطائفية إلى إزعاج ما يُعرف بطبقة «الهند الوسيطة»، وهي كتلة ديموغرافية متنامية من الطبقات المتوسطة الحضرية، وهم ليبراليون من الناحية الاجتماعية ومحافظون على الصعيد الاقتصادي.

وقد دعموا مودي في انتخابات عام 2014، غالباً لاعتقادهم بأنه تخلّى عن السياسات المثيرة للشقاق، ولأنه كان ملتزماً بسياسات اقتصادية من شأنها أن تساعد في ازدهار الجميع. لقد توقعوا منه أن يعمل باعتباره مصلح من أتباع «التاتشريّة الجديدة»، وأن ينقذ الاقتصاد الهندي المتعثر. ومع ذلك، فقد أدركت كتلة «الهند الوسيطة»، بعد مُضي بضعة أشهر من حكمه، أنه ليس مُصلحاً يسعى لتوحيد أطياف الشعب.

على مدى السنوات الأربع الماضية، غضت حكومة حزب «بهاراتيا جاناتا» الطرف عن هجمات من قِبل جماعات متطرفة على الأقليات الدينية. ووفقاً لإحصائيات من مؤسسة  IndianSpend، التي تقوم بتتبّع أخبار العنف في وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنكليزية، فقد تزايدت التقارير التي تتحدث عن جرائم الكراهية لأسبابٍ دينيّة -التي تستهدف المسلمين بشكل أساسي- بشكل واضح منذ عام 2014.

لم يفعل مودي نفسه أيّ شيءٍ، سوى إلقاء كلمات تحذيرية فاترة بشكل دوري في مواجهة الاستقطاب الديني المتزايد. ربما يعتقد أن إثارة مشاعر القومية الهندوسية قد تمنحه ميزة انتخابية. في نهاية المطاف، كان محقاً. ففي حين أدت السياسة الطائفية لحزب «بهاراتيا جاناتا» إلى فقدانه دعم كتلة الهند الوسيطة جزئياً، إلا أنها في الوقت نفسه زادت من شعبيته بين فئة عريضة من الجماهير الهندوسية في جميع أنحاء البلاد (كما رأينا في فوز الحزب الساحق في أكبر ولاية في الهند من حيث عدد السكان، أتر برديش، في مارس/آذار من عام 2017).

ومع ذلك، فقد توقفت مثل هذه السياسات المثيرة للشقاق عن تحقيق مكاسب سياسية شاملة لحزب «بهاراتيا جاناتا» منذ خريف عام 2017 وبدأت شعبية مودي شخصياً في التراجع.

فقدان حزب بهاراتيا جاناتا للزَّخَم الانتخابي

يعود سبب فقدان مودي لشعبيته بشكل رئيسي إلى قرارين اقتصاديين مثيرين للجدل: سحب الأوراق النقدية عالية القيمة من التداول في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2016، وفرض ضريبة على السلع والخدمات في يوليو/تموز من عام 2017. أدت هذه القرارات إلى الإضرار بالأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة، وقوضت الاقتصاد الهندي مرة أخرى. انتقد خبراء اقتصاديون بارزون القرارَين بقسوة، كما لم يحظيا بقبول عموم المواطنين العاديين.

أضعفت هذه التحركات الاقتصادية الحكومة والسلطة السياسية لرئيس الوزراء بشكل كبير، وقد تؤثر سلباً على احتمالات فوز حزب بهاراتيا جاناتا (حزب الشعب الهندي) في الانتخابات العامة لعام 2019.

تجلّت بداية التراجع الانتخابي لحزب بهاراتيا جاناتا في ديسمبر/كانون الأول الماضي عندما  فاز الحزب بالأغلبية بصعوبة بالغة في مسقط رأس ناريندرا مودي، ولاية غوجارات. استمر تراجع وهبوط الحزب حتى انتخابات عام 2018: حين فاز بثلاثة مقاعد فقط من بين 13 مقعداً من الانتخابات التكميلية البرلمانية، وفاز في خمس ولايات من أصل 22 في الانتخابات التشريعية.

بجانب فقدان قيمة العملة وضريبة السلع والخدمات، من المتوقع أن يتسبب ارتفاع معدلات البطالة والكوارث المتصاعدة في الصناعة الزراعية في حدوث بعض الصدمات الانتخابية لمودي في انتخابات 2019. وتُظهر استطلاعات الرأي باستمرار انخفاض شعبية حزب بهاراتيا جاناتا في جميع أنحاء الهند. إن حزب بهاراتيا جاناتا، الذي يدرك جيداً أنه يواجه مشاعر قوية معادية لمَن هم في السلطة، يسعى إلى إيجاد طرق لتوسيع قاعدة دعمه قبل الانتخابات العامة.

حاول الحزب في الماضي تحقيق ذلك من خلال إثارة المشاعر القومية، ومن المحتمل أنه سيستمر في القيام بذلك في المستقبل القريب. على سبيل المثال، في عام 2016، استخدم مودي ما يسمى بـ «الضربات الجراحية» التي قام بها الجيش الهندي ضد «الوحدات الإرهابية» في منطقتي جامو وكشمير المضطربتين للدعاية القومية المتطرفة.

بعد أشهر قليلة من الضربات، امتطى مودي موجة الحماسة الجينغوية (الدعوة إلى اللجوء للتهديد أو القوة الفعلية بدلاً من العلاقات السلمية لحماية مصالح قومية مفترضة) التي خلقها من خلال جهوده الدعائية، مما أدى إلى اكتساحه الانتخابات في أتر براديش. وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت وزيرة الدفاع نيرمالا سيثارامان أنه تقرر الاحتفال بذكرى العملية العسكرية كل عام، فيما سيُعرف باسم «يوم الضربة الوطني» – ما يدل على أن حزب بهاراتيا جاناتا يخطط لمواصلة استخدام العمليات العسكرية السابقة لإثارة المشاعر القومية وحشد الدعم للحكومة.

إقناع الهندوس بـ «التصويت لصالح الهندوس»

يقوم الأشقاء الأيديولوجيون لحزب بهاراتيا جاناتا بحملة من أجل قيام دولة هندوسية في جميع أنحاء البلاد منذ عشرينيات القرن العشرين – وهو العصر الذي ولدت فيه أيديولوجية الحزب الهندوسية الجوهرية. إلا أن هذه الجهود لم تحقق نجاحاً كبيراً، لفترة طويلة، بسبب التوفيقية بين جميع الطوائف الهندية (محاولة الجمع أو التوفيق بين المعتقدات المتعارضة فى الدين) والانقسامات الطبقية داخل المجتمع الهندوسي.

ظهر القوميون الهندوس كقوة سياسية رئيسية فقط في أواخر الثمانينيات، على خلفية مطالب بتحويل مسجد يعود إلى القرن السادس عشر في مدينة أيوديا القديمة إلى معبد رام (يُمثل تجسيداً للإله الهندوسي الكبير فيشنو).

أدى هدم المسجد في ديسمبر/كانون الأول 1992 إلى أشهر من التوترات الطائفية التي هاجم فيها الهندوس والمسلمون بعضهم بعضاً. وبعد عقد من الزمان، أدت هذه القضية إلى أعمال الشغب في ولاية غوجارات عام 2002، التي ساعدت في انتقال مودي من حاكم ولاية إلى زعيم سياسي شعبي. كما ساهمت أعمال الشغب المناهضة للمسلمين في منطقة موزافارنجر بمدينة أتر براديش عام 2013، والتي أثارها أعضاء من حزب بهاراتيا جاناتا والمتعاطفون معه، في فوز مودي في الانتخابات عام 2014.

كانت هذه الجهود السابقة بالفعل بمثابة القوة الدافعة الرئيسية وراء صعود حزب بهاراتيا جاناتا ومودي إلى السلطة، ومع ذلك فإن الحزب الحاكم يعرف أنه بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد للتغلب على العائق السياسي الذي يواجه مَن يتقلدون السلطة، كما يعمل الحزب الآن بنشاط على بناء كتلة ناخبين هندوسية قومية أوسع.

تسببت محاولات حزب بهاراتيا جاناتا في اشتعال نزاع معبد أيوديا من جديد، وأشعل القوميون الهندوس مزيداً من الاضطراب من خلال مطالبتهم بهدم مساجد تاريخية أخرى يُزعم أنها بُنيت فوق معابد، بما في ذلك أحد المساجد في دائرة مودي السياسية، فاراناسي. لذا هناك مخاوف من احتمالية انتشار هذه القضايا بشكل أوسع قبل الانتخابات.

في الأسابيع الأخيرة، أعاد رئيس وزراء ولاية أتر براديش يوغي أديتياناث تسمية إحدى المدن الرئيسية وإحدى المقاطعات الأخرى، مدعياً أن الأسماء السابقة كانت «شوائب للفكر الإسلامي». جاء هذا على خلفية منازعات أخرى حول إعادة تسمية المقاطعات والمدن، وهو ما أثار مخاوف من أن تبدأ «فورة من إعادة التسمية» القائمة على القومية الهندوسية.

وإلى جانب الحملات المستمرة ضد أكل لحوم البقر وما يسمى بـ «جهاد الحب» (وهو تعمّد رجال مسلمين إغراء نساء هندوسيات وإيقاعهن في غرامهم، ثم الزواج والضغط عليهم لاعتناق الإسلام) ونظريات المؤامرة حول المسلمين الذين يدخلون الهند بشكل غير شرعي من بنغلاديش وتغيير التوازن الديموغرافي للبلاد، تهدف محاولات الحكومة الحالية لإثارة المشاعر القومية الهندوسية والمناهضة للمسلمين إلى تحويل تركيز الناخبين بعيداً عن المظالم اليومية.

يتمثل الهدف الأساسي لحزب بهاراتيا جاناتا في جعل 80٪ من الهنود يصوّتون حسب هويتهم الدينية، منساقين وراء العداء تجاه الأقليات، ومعظمهم من المسلمين. وإذا نجح حزب بهاراتيا جاناتا في تحقيق مراده، فإن هذا من شأنه أن يقلب الطابع السياسي الهندي رأساً على عقب.

– هذه المدونة مترجمة عن موقع الجزيرة.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
لماذا انتخابات 2019 هي الأكثر حسماً في تاريخ الهند؟