115 ألف أميركي قتلوا أنفسهم لهذا السبب.. الشعور بالوحدة يمزق المجتمع الأميركي
الإثنين, 17 ديسمبر 2018

115 ألف أميركي قتلوا أنفسهم لهذا السبب.. الشعور بالوحدة يمزِّق الأميركيين ويدمِّر حياتهم

وفقاً لاستطلاع واسع النطاق أجرته مؤخراً منظَّمة الرعاية الصحية الأميركية (Cigna)، يعاني معظم الأميركيين من شعورٍ قوي بالوحدة وافتقار علاقاتهم للأهمية. ويقول نصفهم تقريباً إنهم يشعرون أحياناً أو دائماً بالوحدة، أو يشعرون بأنهم «مُهمَلون». ويقول 13% من الأميركيين إنَّ ما مِن أحدٍ يفهمهم جيداً على الإطلاق. ويُظهِر الاستطلاع الذي يرسم نسبة العزلة الاجتماعية باستخدام مقياس شائع للشعور بالوحدة يعرف باسم U.C.L.A. Loneliness Scale، أن الشعور بالوحدة يزداد سوءاً بتوالي الأجيال.

تأتي هذه المشكلة في جوهر الكتاب الجديد «Them: Why We Hate Each Other – and How to Heal»، من تأليف السيناتور بِن ساس، وهو نائبٌ جمهوري في مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية نبراسكا. يقول ساس في كتابه إن «الشعور بالوحدة يقتلنا»، مستدلاً، ضمن عوامل أخرى، بمعدلات الانتحار المرتفعة والوفيات الزائدة في أميركا. وخلال هذا العام، ربما يصل عدد الأميركيين الذين يَقتلون أنفسهم إلى 45 ألفاً، وقد يبلغ الأميركيون الذين يلقون حتفهم بسبب جرعات زائدة من المخدرات أكثر من 70 ألفاً.

بيد أنَّ أهمية تأكيد ساس أن الشعور بالوحدة يقتلنا تصبح أكثر كآبة في أعقاب حملة القنابل البريدية على منتقدي الرئيس ترمب، والمذبحة في كنيس Tree of Life في مدينة بيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا الأميركية، وهما جريمتان ارتكبهما رجالٌ منعزلون، وعلى ما يبدو وحيدون جداً.

نُشِرَ كتاب ساس قبل هذين الحدثين، لكنه وصف بنظرةٍ مُتبَصِّرة ما يعتقد أن الناس الذين يشعرون بالوحدة يفعلونه بشكل متزايد لملء فراغ الانتماء في حياتهم، إذ يتحوَّلون إلى الممارسات السياسية الغاضبة.

ينتاب الناس في عوالم القنوات التلفزيونية، والاستشارات الأيديولوجية، والنشاط السياسي في الحرم الجامعي والشبكات الاجتماعية «المنفصلة»، أو المنعزلة، شعورٌ بالانتماء في المجموعات المستقطَبة التي تتشكَّل على جبهتي اليسار واليمين في أميركا. وبشكل أساسي يشعر الناس بوقع معنى «نحن» من خلال مشاعر الازدراء تجاه «هم»، أي أولئك الذين يتخذون الجانب الآخر من الطيف السياسي.

وهنا يكمن مصدر للربح، إذ إنَّ «المجتمع الصناعي للغاضبين» هو الاسم الذي أُطلِقه على الصناعات التي تجمع الثروة والسلطة، من خلال توفير هذه المحاكاة للمجتمع الذي يتوق إليه الناس، والذي لا يبدو أنهم يرونه في الحياة الحقيقية.

لماذا نصبح وحيدين جداً؟ أحد الأسباب هو تغيُّر طبيعة العمل. فالعمل هو أحد المصادر الرئيسية لتكوين صداقات والانخراط في المجتمع. انظر إلى علاقاتك الخاصة، ستجد بالتأكيد أنَّك تعرّفت على العديد من أصدقائك المُقرَّبين -وربما حتى شريكة حياتك- في مكان العمل. ومع ذلك، فإن واقع مكان العمل يتقلَّص بسرعة، إذ ينتقل الناس من وظيفةٍ إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، إذ أصبح من الصعب العثور على عمل ثابت، بينما ينمو الاقتصاد «القائم على الوظائف المؤقتة».

ومع ذلك، يشعر ساس بقلق أكبر حيال الشعور السائد بالتشرُّد، إذ ليس لدى الكثير من الأميركيين مكانٌ يفكرون فيه كوطن، أي مجتمع «متماسك» يعرف الناس فيه بعضهم، ويعتنون فيه ببعضهم بعضاً، ويستثمرون في علاقات لا تنتهي سريعاً.

وباستخدام تعبير مُبتَكَر في مجلة Sports Illustrated الأميركية، يمكن للمرء أن يقول إننا نفتقد بشكل متزايد ذلك «الشعور الذي ينتابنا ونحن في صالة الألعاب الرياضية في مسقط رأسنا مساء أيام الجمعة».

يجد ساس أن هذا التعبير لا يُقاوَم، ويربطه بحرارة بحياته الخاصة ونشأته في مدينة فيرمونت بولاية نبراسكا، وهي بلدة يسكنها 26 ألف نسمة. ويتحدث عن الفعاليات الرياضية في المدرسة الثانوية، التي كانت تُقام مساء كل جمعة، والتي كانت تجمع أهالي البلدة حول شعور متبادل بالمحبة لجيرانهم ومجتمعهم، الذي جعل معظم الاختلافات -وخاصة الاختلافات السياسية- تبدو تافهة.

ويتحدث عن ولعه الشديد بالمشاعر التي عاشها، بعد أن انتقاله من بلدته لمدة عقدين للدراسة والعمل، وعودته إلى حياة بلدة فيرمونت الصغيرة مع عائلته، والشعور العميق بالانتماء الذي انتابه.

فيما يخص ما يمكن أن يُطلَق عليه «رأس المال الاجتماعي للموت»، يصف ساس بأسلوبٍ ساحر، الإحساس بالانتماء الذي يمنحه إياه، وهو لا يزال في السادسة والأربعين من عمره، ويتمتع بموفور الصحة والقوة، امتلاك مدفن خاص به في مقبرة فيرمونت المحلية.

يمكن تلخيص نصائح ساس للأميركيين بالقول: اذهب إلى حيث ينتابك شعور يشبه شعور ارتياد صالة الألعاب الرياضية في مسقط رأسك في أمسيات الجمعة، واغرس جذور الانتماء، وضع خططاً لتخصيب تربتها.

قد يكون هذا اقتراحاً صعباً بالنسبة للكثيرين منا. عند قراءة الكتاب سألتُ نفسي: أين يمكن أن أحصل على شعور صالة الألعاب الرياضية ذاك في مسقط رأسي؟ حيث لديَّ جذورٌ طبيعية، وحيث يمكنني أن أتصوَّر أن أُدفَن. لم يتبادر إلى ذهني مكانٌ بعينه، إذ ليس لديّ فيرمونت، ولا حتى سياتل، مسقط رأسي، وهي مكان رائع، ولكنني تركتها دون اكتراث قبل 35 عاماً.

كلُّ هذا مرتبطٌ بشكلٍ خاص بي وبزوجتي في الوقت الحالي، إذ نستعد للانتقال من ولاية ماريلاند إلى ماساتشوستس في الأشهر المقبلة. ونخشى من الشعور بالوحدة الذي نحن على يقين بأننا سنشعر به عندما ندخل مكاناً جديداً تماماً لم ينشأ فيه أي منا أو عاش.

هل المجتمع المتماسك وشعور السعادة الذي يمنحه بعيدان عن متناول شخصين تنقّلا كثيراً ولا ينتميان إلى بلد بعينه مثلنا؟

طرحت هذه الأسئلة مؤخراً على ساس، أخبرني بأنني أسات الفهم تماماً، إذ ليس المقصود هو العودة إلى مسقط الرأس والذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية يوم الجمعة، ولكنَّ الحيلة هي «أن نتعلم كيف نستفيد عن قصد من الأماكن التي نعيش فيها بالفعل».

وبعبارة أخرى، أن تكون عضواً في مجتمع ما لا يتعلق بما إذا كان لديك فيرمونت (مسقط رأس) أم لا. ولا يتعلق الأمر بما أشعر به حيال أي مكان عشت فيه، ولا بخوفي من العزلة في مدينة جديدة، الأمر يتعلق بالجار الذي أختار أن أكون عليه في المجتمع الذي انتهى بي الأمر إلى أن أدعوه مسقط رأسي.

وهنا يكمن التحدي الذي يواجه كلَّ واحدٍ منا في بلد يعاني من الوحدة ويمزقه الانتهازيون السياسيون، الذين يسعون إلى الاستفادة من هذه العزلة.

من الممكن أن يكون كلُّ واحدٍ منَّا أكثر سعادة، وسوف تبدأ أميركا في التماثل للشفاء، عندما نصبح الجيران الطيبين والأصدقاء الكرماء الذين تمنينا أن نحظى بهم.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
5 أشياء سأفعلها.. لو كنتُ أملك ثمن فستان نيكول سابا
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
115 ألف أميركي قتلوا أنفسهم لهذا السبب.. الشعور بالوحدة يمزِّق الأميركيين ويدمِّر حياتهم