ضروبوني وعذبوني ولم يرحموا حتى الشيخة لطيفة ابنة حاكم دبي.. هذا ما تعلَّمته في أحد سجون الإمارات
السبت, 15 ديسمبر 2018

لا يرحمون أحداً حتى ابنة حاكم دبي لم تسلم منهم! عن تجربتي المُرعبة في سجون الإمارات

ليست دانييلا تيجادا وحدها في انتقادها الحكومة البريطانية لعدم قيامها بما يكفي لمساعدة زوجها، الأكاديمي ماثيو هيدجز. إنَّها بذلك تنضم لقائمةٍ طويلة من الضحايا وعائلاتهم ممَّن افترضوا أنَّ الحكومة البريطانية ستحارب من أجلهم، فقط ليخيب أملهم بمرارة.

تستدعي مأساة هيدجز، الذي أُدين بالتجسُّس وحُكِم عليه بالسجن المؤبد، إلى الذاكرة تجربتي الخاصة. عندما استُدرِجت إلى دبي عام 2014 وزُجَّ بي في السجن بلا تهمة، كنتُ أنتظر بفارغ الصبر أوَّل زيارة من مسؤولي السفارة البريطانية. لكن كل ما لاقيتُه كان شخصين غير بريطانيين عيَّنتهم وكالة توظيف دبلوماسية، وكل ما قالوا إنَّ بوسعهم عمله هو ضمان مُعاملتي بصورة مقبولة وحصولي على طعام ملائم.

لم تكن هُناك أية محاولة للاحتجاج على ما حدث من تغاضٍ عن جميع المبادئ القضائية الأساسية. بل إنهم فشلوا حتى بمعاييرهم هم أنفسه، إذ لم يوفِّروا لي الطعام الذي احتجتُه (كنتُ قد خضعتُ لتوّي لعملية جراحية بالمعدة).

كانت الظروف التي احتُجِزتُ فيها في بعض الأحيان مروِّعة. إذ تعرَّضتُ للضرب، واغتُصِبتُ، وفي إحدى المراحل قال لي أحد الحراس: «احترس، السجناء البريطانيون يموتون هنا». كان الجو حاراً، وكانت أماكن الاحتجاز مكدَّسة بأكثر من سعتها، وغالباً ما كانت إمكانية التواصل مع المحامين أو غيرهم من المُمثِّلين الشخصيين للمُحتَجَز مقصورةً على بضع دقائق كل أسبوع، وفي وجود حارسٍ يستمع لما يُقال.

خلال فترة سجني التي استمرت 22 شهراً، شهدتُ تولِّي مدير سجنٍ واحد يتسم بالإنسانية، لكنَّه سرعان ما عُوقِب بأن نُقِل لإدارة سجن أقل شأناً بعدما وُجِّهت له اتهامات ملفقة تزعم تلقِّيه رشى. من الواضح أنَّ السلطات لا تُريد أن يَلقى السجناء معاملة إنسانية.

تعرَّض آخرون غيري لنفس تجربة العدالة الخليجية، صحبتها نصائح من السفارة البريطانية بأنَّه سيكون من التهوُّر التحدث عنها علناً لأنَّ ذلك من شأنه أن يثير عداء الإماراتيين.

عندما أُطلِق سراحي وبدأتُ أقود حملاتٍ لمساعدة غيري من المحتجزين في دبي، أوقفنا هذا النهج. ونجحت في النهاية قضايا بارزة مثل تِلك التي اتُّهم فيها جايمي هارون، وبيلي باركلي، وإيلي هولمان في النهاية؛ لأنَّنا جعلناها قضايا علنية، على نحوٍ مثَّل تهديداً لسُمعة دبي باعتبارها وجهةً سياحية. إذ حظى كلٌّ من هارون وباركلي بـ»عفوٍ» عن جرائم لم يرتكباها، وهو أمرٌ يصعُب تقبُّله، لكنَّنا على الأقل نجحنا في إخراجهما من السجن.

كان واضحاً أنَّ مبدأ السفارة البريطانية هو أنَّ مِحَن بضع أفرادٍ ليست جديرة بعرقلة العلاقات التجارية الجيِّدة بين المملكة المتحدة والإمارات، لكن ما تُشير له قضية هيدجز هو أنَّ سياسة الاسترضاء التي اتَّبعتها الحكومة البريطانية لم تُحقِّق أي شيء. والآن لم يعد التشهير يمثل مشكلة في هذا الإطار -إذ أصبحت القضية الآن خبراً عالمياً- لكنَّ الإماراتيين يرفضون الاستسلام للحرج بأن يُطلِقوا سراح هيدجز، ولم يتنازلوا إلا أمس الجمعة 23 نوفمبر/تشرين الثاني بالقول إنَّهم يدرسون طلب الرأفة الذي تقدَّمت به عائلته.

بصراحة، يقول وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت الآن كل ما يجب قوله. إنَّه لأمرٌ منعش أن تسمع كبير دبلوماسيي بريطانيا يتحدَّث بنبرةٍ صارمة، ومع ذلك فإنَّ نهاية ذلك المَسلك تعتمد على مدى استعداده لدَعم الكلمات بالأفعال.

هُناك خطواتٌ أربع يجب على الحكومة البريطانية اتخاذها:

أولاً، أن تُراجع نصائحها المنشورة للسفر إلى الإمارات. إذ يعتمد اقتصاد الإمارات بشكلٍ مكثَّف على السياحة، لكنَّ مَن يذهب إلى هُناك لا يدري أنَّه إن وَقَع في مخالفةٍ قانونية لن يكون بإمكانه الاعتماد على أعراف العدالة المقبولة دولياً. حين تطأ قدمك الإمارات تكون كمن يتعامل مع الشيطان، ويجب على وزارة الخارجية إيضاح هذا كلياً. (يتضمَّن ذلك مطالبة خطوط الطيران الإماراتية بأن تحذِّر الركَّاب بأنَّهم إذا ما شربوا الخمر على متن الطائرة فإنَّه يمكن بسهولة اعتقالهم عند هبوطهم في دبي).

ثانياً، أن تُراجع كذلك إرشاداتها للاستثمار. لا تزال المملكة المتحدة تُشجِّع الشركات على الاستثمار في شركاتٍ إماراتية بافتراضٍ ضمني أنَّ المُستثمرين يدخلون سوقاً تجارية عادلة. ومن جديد، فإنَّ وضع البلاد القضائي يجعلها بلداً من الخطر ممارسة الأعمال معها.

ثالثاً، تعليق معاهدة تسليم المجرمين بين بريطانيا والإمارات. أعلن القضاة البريطانيون سلسلةً من الأحكام أكَّدوا بها أنَّ المواطنين البريطانيين لن يحظوا بمحاكمةٍ عادلة في الإمارات، ومع ذلك ما تزال معاهدة تسليم المجرمين بين الدولتين سارية، وبموجبها تتقدَّم الإمارات بطلبات لترحيل مَن لا يعجبها إليها للمثول أمام قضائها، مثل جلسة الاستماع التي مثُل فيها هيدجز هذا الأسبوع واستمرَّت 5 دقائق لا أكثر. ولأنَّنا نُقِيم هنا في بريطانيا محاكماتٍ عادلة، فإنَّ طلبات الترحيل تكلِّف الملايين من أموال دافعي الضرائب البريطانيين.

رابعاً، منع القضاة البريطانيين من قبول وظائف في الإمارات بعد التقاعد. لا يُعبأ كثيراً بتولَّى القضاه البريطانيين بعد تقاعدهم عملاً مربحاً بدوامٍ جزئي في المحاكم المالية بدبي، لكنَّهم بذلك لا يُعزِّزون إلا النظام القضائي الجائر في دبي بأن يُضفوا عليه سمة احترامٍ لا يستحقه.

شيءٌ واحد يمكننا أن نكون متأكدين حياله: المعاملة التي يلقاها هيدجز وغيره ليست سياسة مناهضة للبريطانيين دون غيرهم. إذ تكشِّر الإمارات عن أنيابها لمواطنيها كما تفعل مع الأجانب تماماً، مثلما تُبيِّن لنا قضية الشيخة لطيفة، ابنة حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. ففي وقتٍ مسبق من العام الجاري 2018، أتتنا الشيخة لطيفة طالبةً المساعدة فيما كانت تحاول الهرب من دبي، مُحتجَّةً بتعرُّضها لسنوات من إساءة المعاملة والتعذيب داخل القصر الملكي، وقد نجحت في الوصول إلى المياه الساحلية الهندية قبل أن تختطفها القوَّات الإماراتية بعنفٍ وتُعيدها إلى دبي. ولم تظهَر بعد ذلك مجدداً.

وستُحكى قصَّتها، إلى جانب قصة اختطاف أختها الشيخة شمسة في المملكة المتحدة، في فيلم وثائقي تعرضه القناة الثانية لهيئة الإذاعة البريطانية BBC2 يوم 6 ديسمبر/كانون الأول. يؤكِّد ذلك أنَّ ما نحن بصدده الآن هو حكومةٌ وحشية تتصرَّف كما لو كانت مُحصَّنة من العقاب، بشكلٍ يُشبِه السعودية، لكن بفريق علاقاتٍ عامة أمهر.

لن يُسقَِط ذلك النظام بين عشيةٍ وضحاها، لكنَّ قضايا الشيخة لطيفة، وهيدجز، وأنا، وكثيرين غيرنا تُملي علينا ألَّا نقدِّم للإمارات أي دعم، وأنَّ الحكومة البريطانية عليها أن تتخِّذ أكثر نهج صارم ممكن في نصحُها المواطنين البريطانيين بشأن زيارة الإمارات وفي تعاملها مع الإماراتيين كذلك.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
كان مشهوراً ومهماً لكنك لن تعرفه مع بناته.. هذه قصتنا مع والدنا جمال خاشقجي
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
لا يرحمون أحداً حتى ابنة حاكم دبي لم تسلم منهم! عن تجربتي المُرعبة في سجون الإمارات