مسارات اتحاد المغرب العربي ومآلات نزاع الصحراء الغربية

عدد القراءات
1,311
تم النشر: 2018/11/20 الساعة 13:16 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/03/01 الساعة 12:08 بتوقيت غرينتش

لو قُدِّر لي أن أكون مسؤولاً في إحدى الدول أو الهيئات المغاربية، لبادرت بالإعراب عن تأييدي المطلق لأي خطوة من شأنها إحداث تقارب فيما بين المغرب والجزائر، بغض النظر عن أي حسابات سياسية مفترضة قد يتم التسويق لها حول تلك الخطوة، فمجرد إلقاء نظرة سريعة على تاريخ العلاقات فيما بين المغرب والجزائر، من شأنه أن يبين تأثيرها المباشر على المساعي الرامية لتحقيق الحلم المغاربي.             

فبالنظر إلى الدعوة التي وجَّهها العاهل المغربي محمد السادس في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء إلى الجزائر، والتي دعا من خلالها إلى الدخول في حوار مباشر بين المغرب والجزائر، واقترح إحداث آلية سياسية مشتركة للتشاور ومناقشة جميع الملفات العالقة، فقد أثارت العديد من الردود الدولية، كان أبرزها الترحيب الأممي الذي عبَّر عنه المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إلى جانب المواقف المشيدة بالمبادرة المعبَّر عنها رسمياً من طرف كل من فرنسا وموريتانيا، البلدين اللذين يضطلعان بأدوار هامة بخصوص تدبير النزاع حول الصحراء الغربية، بالإضافة إلى موقف قطر التي تحدثت وسائل إعلام عن تدشينها لوساطة بين المغرب والجزائر، فضلاً عن دول وهيئات أخرى، لكنها لم تجد ذات الاحتفاء لدى كل من الجزائر والبوليساريو.

فبالرغم من الصمت الرسمي الذي جوبهت به المبادرة الرسمية  في الجزائر، فإن التشكيك والتوجس إزاءها خيَّما على وسائل الإعلام المقربة من الجهات الرسمية فيها. المواقف ذاتها تم تبنيها أيضاً على نطاق واسع من طرف أقلام ومنابر محسوبة على البوليساريو، حيث أبدى العديد من الكُتاب المقربين من قيادة الجبهة اعتراضهم على الموقف المغربي مستحضرين ما وصفوه بـ"السياق السياسي" لإطلاق المبادرة، والمتمثل في ذكرى المسيرة الخضراء.

وبغض النظر عن مدى وجاهة تلك التبريرات التي ساقتها الأقلام المحسوبة على البوليساريو بخصوص المبادرة المغربية، فقد أهملت النظر في حجم التأثير المباشر للتحولات التاريخية التي تشهدها العلاقة فيما بين المغرب والجزائر على تطورات مختلف مراحل النزاع الصحراوي، حيث يتم تسجيل تقدم ملحوظ في الجهود والمساعي الرامية لإنهاء النزاع بالتزامن مع الفترات التي تشهد تحسناً وتقارباً في العلاقات المغربية – الجزائرية.

فقد تسبب اندلاع النزاع حول إقليم الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي في تأزيم العلاقات المغربية – الجزائرية، لكن لم تلبث أن انعكست الجهود الرامية إلى تحقيق الوحدة المغاربية فترة ثمانينيات القرن الماضي على واقع العلاقات فيما بين البلدين؛ ليتم توقيع مجموعة من الاتفاقيات المتعلقة بتأسيس اتحاد المغرب العربي والهيئات التابعة له، بالإضافة إلى تبادل العديد من الزيارات الرسمية بين كل من زعيمَي البلدين الراحلين العاهل المغربي الحسن الثاني، والرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بنجديد، إلى جانب بقية زعماء الدول المغاربية.

ولأول مرة في تاريخ النزاع المسلح سيدخل كل من المغرب والبوليساريو في نفس الآونة في هدنات عسكرية متتالية غير معلنة رسمياً، كما سيتم فتح المجال لاتصالات ووساطات دولية، تكللت بعقد لقاءات مباشرة بين الطرفين كان أبرزها لقاء مراكش الذي جمع الملك المغربي الراحل الحسن الثاني بمجموعة من قيادات الجبهة سنة 1987.

لاحقاً ستتوالى الوساطات الدولية الساعية إلى عقد لقاءات رسمية بين المغرب والبوليساريو، في ظل تراجع وتيرة العمليات العسكرية ميدانياً ودخول الطرفين في مجموعة من فترات التهدئة. تطورات ستجري بالتوازي مع تحقيق انفتاح وتقارب كبيرين فيما بين المغرب والجزائر في نفس الفترة، حيث سيتم الإعلان رسمياً عن تأسيس الاتحاد المغاربي سنة 1989، الأمر الذي سينعكس بدوره على مسار المفاوضات المنعقدة برعاية الأمم المتحدة بين المغرب والبوليساريو، ليتوصل الطرفان لاحقاً إلى تفاهمات بخصوص تدشين مسلسل السلام الأممي في الإقليم، كما ستتوّج تلك اللقاءات بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين برعاية الأمم المتحدة خريف سنة 1991، ليُنهي حرباً استمرت زهاء 16 سنة.

لكن ومباشرة بعد اغتيال الرئيس الجزائري الأسبق محمد بوضياف سنة 1992، المعروف بتأييده للانفتاح على المغرب، سيشهد مسار السلام الخاص بالنزاع حول الصحراء الغربية تعثراً مجدداً، وستدخل أطراف النزاع في مرحلة جديدة من الشد والجذب بخصوص كيفية تنزيل اتفاق السلام المبرم، ما سينتهي بتعارض المواقف المعبَّر عنها من طرف كل من المغرب والبوليساريو بخصوص رؤيتهما لحل النزاع، وهو الوضع الذي لا يزال يُلقي بظلاله على تطورات الملف منذ مطلع العقد الماضي، باعتراف المبعوثين الأمميين الذين انتهت مهام معظمهم بالإقرار بتعذُّر إيجاد حل مقبول من الطرفين.

تطورات أثبتت الدور المحوري لكافة دول المنطقة بخصوص الانخراط في الجهود الرامية لتقريب وجهات النظر فيما بين طرفي النزاع، ومحاولة العمل على إيجاد تصورات للحل، حيث بات المبعوثون الأمميون المكلفون بالنزاع يؤكدون في تقاريرهم وفي مقترحاتهم المسربة، ضرورة استحضار فكرة الاتحاد المغاربي، عبر حل سياسي يتم تنزيله من خلال مساهمة دول الجوار في بلورته وتحقيقه.

الرؤية نفسها أكدتها مجموعة من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الأممي بخصوص الملف، حيث ربط قراره الأخير رقم 2440 بين "التوصل إلى حل سياسي للنزاع"، وبين "تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في اتحاد المغرب العربي"، مؤكداً "أن من شأن السعي إلى هذين الهدفين أن يؤدي إلى الاستقرار والأمن وتحقيق النمو وإتاحة الفرص لجميع الشعوب في منطقة الساحل"، كما شجع القرار البلدين الجارين المتمثلين في الجزائر وموريتانيا على القيام بإسهامات فعالة في العملية السياسية، وعلى دعم الجهود المتعلقة بالوساطة في النزاع، مشيداً بقبولهما دعوة المبعوث الأممي للمشاركة في الطاولة المستديرة حول موضوع النزاع المزمع عقدها بجنيف مطلع الشهر المقبل.

مقاربة أممية تستحضر المطالب المعبّر عنها من طرف العديد من الجهات الدولية بخصوص ضرورة توحيد الموقف المغاربي المرتبط بمجموعة من الملفات، خاصة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي الذين لطالما عبّرا عن رغبتهما في إيجاد مخاطب مغاربي موحّد حول الملفات التي تهم العلاقات مع البلدان المغاربية، لا سيما تلك المتعلقة بمواضيع التنسيق الأمني والشراكات الاقتصادية، كمكافحة الإرهاب، والتصدي للهجرة غير النظامية، والاستثمار المشترك، والعقود الخاصة بمصائد الأسماك…

وفضلاً عن مساهمته المؤكدة في حل النزاع حول الصحراء الغربية، فيظل مطلب الاتحاد المغاربي مطلباً شعبياً محلياً بالدرجة الأولى، حيث يتم التعبير عن التمسك به في الأوساط الشعبية والمدنية في كافة البلدان المغاربية، بالرغم من ترويج الخطاب الوطني الشوفيني من طرف الأنظمة الرسمية التي تعمل على الإبقاء على العداوات المفترضة مع دول الجوار بغرض تصدير فشلها وأزماتها إلى الخارج.

واقع مأزوم  لا يزال يضيِّعُ على شعوب المنطقة فرصاً اقتصادية وتنموية هائلة، ويكرس وضعاً تنموياً متردياً في البلدان المغاربية التي ما فتئت تحتل مراتب متأخرة في التصنيفات الدولية الخاصة بالتنمية البشرية، وتعيش على وقع الأزمات والاقتصادية ومختلف الظواهر الاجتماعية المقلقة والخطيرة.

وضع سياسي يفرض فصل المسارات المتعلقة بالنزاع حول الصحراء الغربية، وببقية الملفات المرتبطة بالعلاقات الثنائية بين البلدان المغاربية، بحسب العديد من المراقبين، فلا يمكن ربط مصالح بلدان وشعوب المنطقة الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية بتحقيق تقدّم في ملفات سياسية متعثرة، لا تزال تُلقي بظلالها على كافة مناحي الحياة في دول المنطقة، فبالإمكان السعي إلى تحقيق تقدم على مستوى التكامل الاقتصادي وتيسير سبل التعاون في مختلف المجالات ريثما يتم التوصل إلى تفاهمات بخصوص الملفات السياسية العالقة.

فلا شك أن تكلفة تأجيل تحقيق حلم الاتحاد جد باهظة على كافة المستويات، فلم يعد خافياً أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقوم قائمة لدول المنطقة المغاربية دون تحقيق الاتحاد المغاربي، الذي لن يتأتى دون انخراط قطبي المنطقة المتمثلين في المغرب والجزائر، بثقلهما ووزنهما السياسيين والاستراتيجيين الهامين.

وبغض النظر عن المكاسب السياسية، والاقتصادية والتنموية الهامة المترتبة على تحقيق حلم الاتحاد المغاربي، تبرز الأهداف الإنسانية المتمثلة في ضمان حرية تنقل الأشخاص بين بلدان المنطقة، وإنهاء المعاناة الإنسانية التي يعيش على وقعها أهلنا في مخيمات اللاجئين في تيندوف، وتمكين الأسر التي تعيش على وقع الشتات في مختلف بلدان المنطقة نتيجة النزاع الصحراوي من لمّ الشمل، أما التوصل إلى حل ينهي النزاع حول الصحراء الغربية الذي عمّر أكثر من اللازم فلن يكون سوى أبسط تجلياته.

 

رهانات سياسية وتنموية وإنسانية تفرض اقتناص كل الفرص التي من شأنها أن تُسهم في تجاوز الوضع المتأزم الذي تعيش على وقعه المنطقة، والذي يعطل مسارات التنمية فيها، ويهدر طاقاتها ويقوض مستقبلها، ما يفرض على الهيئات السياسية والثقافية والفكرية في كافة البلدان المغاربية صياغة خطاب يتجاوز العقد التقليدية التي تحول دون انفتاح البلدان المغاربية على بعضها البعض، وتحقيق التكامل المغاربي، عبر التمهيد لتقديم التنازلات المعتبرة من كافة الأطراف بهدف تجاوز الوضع الراهن المتأزم.

 

 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

محمد سالم عبد الفتاح
ناشط حقوقي
باحث سياسي وكاتب رأي
تحميل المزيد