الأربعاء, 23 يناير 2019

تحقيق للأمم المتحدة قد يوفر سبيلاً حقيقياً نحو إنجاز العدالة في قضية خاشقجي

ما زالت الحقائق المحيطة بجريمة القتل المروعة التي لحقت بجمال خاشقجي، الصحافي وكاتب العمود في قسم الآراء العالمية بصحيفة «واشنطن بوست»، تتسرب إلى الرأي العام. لكن، ما كان مفقوداً هو الالتزام بتمهيد طريق قادر على تحقيق العدالة الحقة.

وقد اتخذ وزير الخارجية التركي، مولود تشاوش أوغلو، خطوة أولى على هذا الطريق في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، عندما دعا إلى فتح تحقيق دولي. يمكن -تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة- أن يتوصل هذا التحقيق إلى حقيقة ما جرى بالفعل، وتحديد المسؤولين، والتأكد من أنهم سيخضعون للمساءلة. كما يمكن أن يسير تحقيق مماثل بالتوازي مع البحث الجنائي التركي القائم حالياً، وأن يضيف قدراً من الشرعية والاستقلال الدوليًّين. أضف إلى ذلك أنه إذا أُجري التحقيق على يد محققين جنائيين متمرسين، فإن ذلك قد يؤدي بالفعل إلى البحث عن القاتلين المشتبه فيهم والعقول المدبرة لهذه الجريمة، دون أي ضغوط سياسية مباشرة.

قال السعوديون إنهم سيجرون تحقيقاً، لكن الفكرة القائلة بأن تحقيقاً سعودياً قد يخرج بنتائج حقيقية فكرة يصعب تصديقها، بالأخص عند الأخذ في الاعتبار أن الرياض أثبتت عجزها عن التحقيق في الأمور التي تدينها. فقد أعلنت السعودية، يوم الأربعاء 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، من دون تقديم أي دليل، أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ليس مسؤولاً عن الجريمة، وأنها تسعى إلى إنزال عقوبة الإعدام بحق 5 من المشتبه فيهم. وفي المقابل، تعتزم تركيا أن يكون تحقيقها شرعياً ويرقى للمعايير الدولية، غير أن التحقيق السعودي سيكون -على الأرجح- بمثابة تبرئة للسعودية تخلصها من الضغط، وتقدم كبش فداء. وقد حذرت السلطات في أنقرة السعوديين من إطالة أمد التحقيق، في حين تواصل تركيا الكشف عن أجزاء ومقتطفات من المعلومات حول جريمة القتل للإعلام.

في الأسابيع التي تلت مقتل خاشقجي، قدم السيل المستمر من الاتهامات المزعجة والمروعة قدراً من الأدلة الدامغة أجبر الحكومة السعودية على التراجع عن إنكارها الأولي، والاعتراف بأن خاشقجي قد قُتل. كانت العملية التي سبقت إعلان السعودية -على مضض- عن مقتله مليئة بالتصريحات والمعلومات المتناقضة، وبدا في النهاية أنها لا تهدف إلى تهيئة الطريق أمام تحقيق العدالة، بل إلى تحصين ولي العهد والمحافظة على حكمه. بل وحتى دبلوماسية وزير الخارجية مايك بومبيو المكوكية الطارئة، في أثناء الأيام الأولى لاختفاء خاشقجي، كان هدفها -على الأرجح- تحديد مدى المصداقية التي تستطيع الولايات المتحدة أن تضفيها على الرواية السعودية المثيرة للسخرية، لا البحث عن طريقة لتحقيق العدالة.

وقد هدد الرئيس ترامب بإنزال «عقوبات قاسية» على أي شخص متورط في مقتل خاشقجي، وتعهد بومبيو بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة. وفرضت الولايات المتحدة، يوم الخميس 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، عقوبات على معظم المشتبه فيهم حسب الرواية السعودية الذين قدمتهم الأخيرة كبش فداء، وقد يكون بعضهم متورطاً بالفعل. ولكن بالعموم، ناقضت تصريحات ترامب وبومبيو ما نعرفه بالفعل، ألا وهو أن إدارة ترامب ليست مستعدة لاتخاذ خطوات قد تزعج ولي العهد أو تضر بـ «العلاقة الاستراتيجية المهمة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية».

من ثم، فإن دعوة وزير الخارجية التركي إلى إجراء تحقيق دولي ينبغي أن تمهّد الطريق أمام أي حراك قد يحدث في مجال الدعوات العالمية لتحقيق العدالة، ولمساعدة أبناء خاشقجي على فهم ما جرى حقّاً لوالدهم.

من المهم أن نذكر أنّ هناك سابقة لهذا النوع من التحقيقات. ففي عام 2008، طلبت باكستان من الأمين العام للأمم المتحدة حينئذ، بان كي مون، إجراءَ تحقيق في اغتيال رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو. وفي مطلع العام الجاري (2018)، لجأت بريطانيا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية (OPCW) للتحقّق من النتائج التي وصلت إليها السلطات البريطانية من أنّ غاز الأعصاب سوفيتي الصنع قد استُخدِم في سالزبوري. ومن الأهمية بمكان الاستئناس بما يصدره هكذا تحقيق من رسالةٍ لا لَبس فيها حول الحاجة لحماية الصحفيين في وقت يتعرّضون فيه للهجوم حول العالم بشكلٍ مثير للقلق.

يمثل اعتماد إدارة ترمب على التحقيقات السعودية مدخلاً مهماً للكونغرس ليقوم بالضغط بصورة بنّاءة في صالح جهود الأمم المتحدة، وهي جهود مستقلة وأكثر شرعيةً. مع بدء الفترة الانتقالية في الكونغرس (إثر الانتخابات النصفية المنعقدة مؤخراً)، يجهز أعضاؤه وسائل فعالة للردّ على مقتل خاشقجي، سواء من الناحية القانونية أو غيرها. كذلك دعا اثنان وعشرون من أعضاء مجلس الشيوخ لإجراء تحقيق وِفقاً لقانون ماغنيتسكي الدولي، والذي بإمكانه تحديد ما إذا كان السعوديون مسؤولون عن عملية قتل خارج إطار القانون، أو جريمة تعذيب، أو غيرهما من انتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان.

كلّ هذه خطوات مهمة ستسهم في إعاقة عمليات التحالف السعوديّ المتهوّرة في اليمن، ووقف المذابح، والبدء في الردّ على مقتل خاشقجي؛ إلا أنّ الظروف المحيطة بمقتله قد تردّدت أصداؤها عالميّاً، وعرّفتنا -في الولايات المتّحدة- عن مستوىً من الوحشيّة يتعرّض له ملايين الناس، لكنه عادةً ما يكون بعيداً ومجرداً. هذا العمل البشع لا يستحقّ منا الردّ فحسب، وإنما أن نسعى كذلك لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.

وقد دعا أعضاء الحزبين الديموقراطي والجمهوري كليهما إلى محاسبة المسؤولين، ووعدوا بتقديم رد واضح وصريح. وكذلك دعا أبناء خاشقجي وخطيبته المجتمعَ الدوليّ إلى أخذ خطواتٍ جادّة لكشف الحقيقة. وصرح أيضاً وزير الخارجية التركي بدعمه الكامل لإجراء تحقيق دولي. وقد حان الوقتُ لذلك.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
تونس مُهدَّدة بانقلابٍ مدعوم خليجياً … فهل سيسمح العالم بذلك؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
تحقيق للأمم المتحدة قد يوفر سبيلاً حقيقياً نحو إنجاز العدالة في قضية خاشقجي