السودان محطة جديدة لقواعد تركيا العسكرية المتقدّمة

عدد القراءات
4,508
عربي بوست
تم النشر: 2018/11/11 الساعة 10:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/11/11 الساعة 10:24 بتوقيت غرينتش
الرئيسين التركي والسوداني وجزيرة سواكن السوادنية

 

يحظى السودان مؤخراً باهتمام خاص من قبل المسؤولين الأتراك، لاسيما بعد الأزمة الخليجية التي اندلعت في يونيو/حزيران من عام 2017، ورفع العقوبات الأميركية التي كانت مفروضة عليه في ذلك العام.

والثلاثاء الماضي زار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار السودان، والتقى في الخرطوم الرئيس عمر البشير وعدداً من المسؤولين، كما عقد خلال الزيارة اجتماعات مكثفة مع نظيره السوداني عوض محمد بن عوف، بالإضافة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الفريق أول كمال عبدالمعروف، حيث ركز البحث بين الجانبين؛ التركي والسوداني، على العلاقات الدفاعية والتعاون العسكري المشترك، كما تطرّقوا إلى الأعمال الجارية في جزيرة سواكن، التي زارها أكار شخصياً للوقوف على وتيرة العمل فيها.

وتنظر أنقرة إلى الشراكة مع الخرطوم باعتبارها واحدة من أهم الشراكات الصاعدة في إفريقيا، وتعكس الزيارات الرسمية الرفيعة المستوى والمتبادلة خلال العام الماضي الزخم الحاصل في طبيعة العلاقة بين الطرفين، والاهتمام المشترك في تطوير التعاون الاستراتيجي بينهما.

ففي ديسمبر/كانون الأول من عام 2017، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السودان، على رأس وفد رفيع ضمّ حوالي مائتي رجل أعمال، ووصفت الزيارة بالتاريخية، وشهدت توقيع 12 اتفاقية في مجالات سياسية واقتصادية وعسكرية، على رأسها بروتوكول إنشاء المجلس الأعلى الاستراتيجي بين البلدين.

ووفقاً لبعض المصادر، فقد اتفق الجانبان على زيادة التعاون في الصناعة والنقل والتكنولوجيا وتنمية البنية التحتية بشكل خاص، بالإضافة إلى العمل على زيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، وذلك انطلاقاً مما تمتلكه تركيا من إمكانات في هذا المجال.

خلال تلك الزيارة، عرض الجانب التركي إعادة إعمار وتطوير جزيرة سواكن التاريخية، التي تقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر، والتي تبلغ مساحتها حوالي 20 كيلومتراً مربعاً، ولعبت تلك الجزيرة في العهد العثماني دوراً محورياً في الاستراتيجية البحرية للدولة العليّة، حيث كانت مقرّاً لحاكم "مديرية الحبشة العثمانية" في عهد السلطان سليم الأول، ثم للحاكم العثماني لمنطقة جنوب البحر الأحمر بين عامي 1821-1885، وتالياً كانت مقرّاً للبحرية العثمانية.

وبسبب رمزيتها التاريخية، أثارت الخطوة التركية حساسية بعض القوى الإقليمية كمصر والسعودية، لاسيما مع الحديث المتزايد عن إمكانية إعادة إحياء ميناء الجزيرة، ليصبح قاعدة عسكرية بحرية تسمح لتركيا بالوجود على ممر مائي حيوي في البحر الأحمر.

وفيما تنفي مصادر رسمية سودانية أن يكون قد تمّ الاتفاق على إنشاء قاعدة عسكرية للبحرية التركية في سواكن، يمكن تفسير هذا النفي على أنّه محاولة لاحتواء ردود الأفعال السلبية من بعض القوى الإقليمية، وأنّ خيار الوجود البحري التركي في سواكن يبقى قائماً في المستقبل.

وتعكس زيارة خلوصي أكار الأخيرة الاهتمامَ الكبير الذي تبديه أنقرة للسودان مؤخراً، فالأخير بلد عربي في عمق إفريقيا، وعلى تماسّ مع منطقة الشرق الأوسط عبر البحر الأحمر، وهو ملتقى تقاطع سياسي واقتصادي وعسكري أيضاً للعديد من القوى الإقليمية المتنافسة كما هو الحال بالنسبة إلى التقاطعات الجيوسياسية التي يمثّلها.

زيادة النفوذ في إفريقيا

تشكّل هذه المعطيات فرصة مثالية للجانب التركي الذي يسعى إلى زيادة نفوذه في عمق القارة الإفريقية، وملء الفراغ الموجود في العالم العربي، من خلال معادلة قائمة على الربح المتبادل. وعلى الرغم من أنّ هناك من يشير إلى أنّ الجانب التركي ضحَّى بمصالح كثيرة من خلال موقفه المبدئي في الأزمة الخليجية الأخيرة، فإن آخرين يجادلون بأنّ موقف أنقرة قد فتح لها آفاقاً جديدة.

ففي الوقت الذي باتت فيه دول المنطقة أكثر تشكيكاً في الالتزامات الغربية المقدّمة لها، لاسيما على المستوى الاقتصادي والأمني تحديداً، ظهرت تركيا بمظهر الشريك القادر والملتزم بدعم حلفائه عند الشدائد، وهذا بحد ذاته مكسب استراتيجي.

نشر قواعد متقدمة

وتستغل أنقرة هذا الجانب في محاولة منها لتوسيع نطاق استراتيجيتها المتمثلة في نشر قواعد عسكرية متقدّمة في عمق محيطها الملتهب وغير المستقر في الشرق الأوسط. لتركيا اليوم قواعد عسكرية في قبرص، والعراق، وسوريا، وقطر. وتحظى الصومال بأكبر قاعدة تدريب عسكرية تركية على الإطلاق. وفي هذا السياق، تشير بعض المصادر إلى أنّ الزيارة الأخيرة لوزير الدفاع التركي إلى السودان شملت أيضاً بحث إقامة قواعد عسكرية للتدريب.

تتيح هذه القواعد العسكرية المتقدمة بناء شراكات دفاعية وأمنيّة بين تركيا والدول المستضيفة، فهي تعزز الثقة المتبادلة وتسمح بتطوير قدرات الشركاء على مستوى مكافحة الإرهاب والجهوزية الدفاعية في منطقة ممتلئة بالصراعات، كما تسمح برد فعل أسرع إزاء التهديدات المتعاظمة، وتؤمّن منطقة نفوذ متزايدة لتركيا ومنافع للدولة المستضيفة، على اعتبار أنها تأتي ضمن سياق أوسع يشمل شراكات سياسية واقتصادية أيضاً، وتزايد الانخراط التركي تأكيد إضافي على أنّ الشراكة الناشئة مع تركيا ستترك منافع اقتصادية أيضاً للجانب السوداني.

ويقف حجم التبادل التجاري بين تركيا والسودان حالياً عند حدود 481 مليون دولار، وهو رقم صغير مقارنة بالقدرات الموجودة لدى الطرفين اللذين يعتقدان أنّهما قادران على رفعه الى حدود 10 مليارات دولار مستقبلاً. 

ولتحقيق تقدّم في هذا المجال، وقّع وزير التجارة السوداني ونظيره التركي اتفاقاً، في يوليو/تموز 2018، يهدف إلى رفع التبادل التجاري إلى 2 مليار دولار كمرحلة أولى.

وفي سبتمبر/أيلول 2018، وقَّع الطرفان اتفاقاً بقيمة 100 مليون دولار للتنقيب عن النفط، بالإضافة إلى اتفاق آخر يخصص حوالي 3 آلاف ميل مربّع من الأراضي الزراعيّة السودانية للشركات الخاصة التركية، لكي تستثمر فيها، بما يساهم في تحقيق الأمن الغذائي لتركيا والسودان ودول أخرى يُعتقد أنّ دولة قطر من بينها.

وفي هذا السياق، يشكّل السودان كذلك محطّة إضافية للتعاون المشترك التركي- القطري. فبعد الاجتماع الثلاثي الذي شهدته الخرطوم بين وزراء دفاع هذه الدول، في ديسمبر/كانون الأول 2017، تبادلت الخرطوم وأنقرة والدوحة زيارات المسؤولين على مستويات رفيعة، وشهد شهر مارس/آذار 2018 تكثيفاً للتعاون الثلاثي، حيث وقّع السودان اتفاقاً مع تركيا لبناء مطار الخرطوم الجديد بتكلفة 1.15 مليار دولار، واتفاقاً آخر مع قطر بقيمة 4 مليارات دولار لتطوير ميناء الجزيرة، ولتطوير التعاون المشترك في مجال النقل والاتصالات.

ويأمل الجانب التركي من خلال تأسيسه لنموذج شراكة استراتيجية مع السودان في أن تتقدّم المزيد من الدول الصديقة للمساعدة على تحقيق شراكات مماثلة، لاسيما في إفريقيا والشرق الأوسط حيث يتزايد الفراغ الناجم عن تراجع الدور العربي، وسط تعاظم الدور الخارجي الإقليمي والدولي، المتمثل في إيران وروسيا على وجه الخصوص.

القبس الإلكتروني

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
علي باكير
باحث ومحلل سياسي
تحميل المزيد