سرقوا أمواله وأخفوا أسرته وأولاده منذ عام كامل.. كيف تحاول الصين محو مسلمي الإيغور من الوجود؟

عدد القراءات
1,156
عربي بوست
تم النشر: 2018/11/07 الساعة 13:08 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/11/07 الساعة 13:08 بتوقيت غرينتش
مجموعة من مسلمي الايغور

تخيَّل فقط كيف سيكون الحال لو أنَّ قواتٍ مسلحة اقتحمت منزلك، وألقت القبض على من تحب، ووضعتهم في معسكرات اعتقال، وأخذت أطفالك بعيداً. هذا ما حدث لعائلة تورغونجان (44 عاماً)، الذي التقيت به في زيارة إلى تركيا لإجراء مقابلةٍ صحافية مع لاجئين من أقلية الإيغور المسلمة.

كان تورغونجان يملك محلاً للمجوهرات وكان يسافر بانتظام بين تركيا والصين على مرِّ أربع سنوات. وفي إحدى هذه الرحلات في منتصف العام الماضي 2017، ألقي القبض على أفراد عائلته دون أي تفسير وجُمِّدت حساباته البنكية.

وقال تورغونجان: "ليس لديَّ ما أخسره، بعد أن اعتقلوا زوجتي بلا سبب، ولا أعرف مكان طفلَّي الصغيرين التوأم وولدي المراهق. كل ما نريده هو السلام والأمن والديمقراطية والحرية. يُقدِّم أمثالي ممَّن يعيشون خارج الصين وفقدوا التواصل بأفراد أسرهم تضحياتٍ هائلة من أجل السلام".

انهار تورغونجان وانتحب بينما كان يحكي قصته. كانت هذه واحدة من بين الكثير من عائلات الإيغور التي فرقها القمع المستمر الذي تنتهجه بكين في شينجيانغ (تركستان الشرقية).

وفي شهر أغسطس/آب الماضي، أصدرت لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة تقريراً قالت فيه إنَّ نحو مليون إيغوري قد احتجزوا في مراكز لـ "مكافحة الإرهاب" في الصين، وإنَّ مليوني إيغوري قد أُجبروا على حضور "معسكرات إعادة التأهيل بهدف التلقين السياسي والثقافي".

وقد نفت الحكومة الصينية هذه الاتهامات بشدة ووبخت اللجنة آنذاك. ولكن بعد شهرين فقط من ذلك، بدا وكأنَّها قد قنَّنت معسكرات الاعتقال هذه.

 

إذ غيَّرت الصين تشريعاً محلياً في شينجيانغ للسماح بإضافة "تعليم أيديولوجي مناهض للتطرف" في معسكرات إعادة التأهيل.

وذكرت بعض منظمات حقوق الإنسان أنَّ المحتجزين في هذه المعسكرات يُجبَرون على تعلم لغة الماندرين الصينية، وتلاوة مدائح للحزب الشيوعي الصيني وحفظ قواعد تُوجِّه سلوكهم "السليم"، بينما يعيشون في ظروف قاسية ويعانون سوء المعاملة النفسية والجسدية.

هذا هو أحدث تكرار للسياسات الاستيعابية التي تبنَّتها الحكومة الصينية وحفزتها الأيديولوجية المركزية العرقية للحزب الشيوعي الصيني. وسبقتها هيمنة عرقية الهان –التي تُعَد أكبر جماعة عرقية في الصين– التي سُجِّلت في كتابات ماو تسي تونغ، الأب المؤسس لجمهورية الصين الشعبية، ومورست بصيغٍ مختلفة طوال العقود السبعة الماضية.

 

وفي إطار هذه الممارسات، تبذل الحكومة الصينية محاولاتٍ منهجية لمحو ثقافة الإيغور وأصولهم العرقية في شينجيانغ. فإلى جانب "معسكرات إعادة التأهيل" للبالغين، ثمة معسكرات ومدارس لأطفال الإيغور، حيث يُفصَلون عن عائلاتهم ولغتهم ودينهم وثقافتهم. وتنشر وسائل الإعلام الحكومية الصينية بانتظام صوراً ومقالات إخبارية تصور أطفال الإيغور وهم يرتدون ملابس مثل أطفال عرقية الهان، ويدرسون الماندرينية ويتعلمون ثقافة الهان.

وقد جاوزت الحكومة الصينية المدى في سياساتها الاستيعابية، ووصلت إلى حد انتهاك خصوصية منازل الإيغور. ففي 2016، أصدرت الحكومة مبادرة "أسرة واحدة" التي أُجبِرَت بموجبها عائلات الإيغور على استضافة كوادر من الحزب الشيوعي الصيني في منازلهم 5 أيام على الأقل كل شهرين.

وتشن الدولة الصينية كذلك حرباً شديدة على هوية الإيغور الدينية، وأعلنت رسمياً أنَّ الإسلام "مرضٌ أيديولوجي". وهدمت الحكومة الكثير من المساجد، ومنعت الملابس الدينية، حتى إنها منعت القرآن نفسه. وأجبرت المسلمين على التخلي عن طريقة الدفن الإسلامية وقبول تقليد حرق جثث الموتى الصيني، الذي توسِّعه الدولة بسرعة في شينجيانغ.

 

وأصدرت الحكومة أيضاً توجيهاتٍ قانونية تستهدف السلوك الديني على وجه التحديد؛ إذ تحدد لائحة إيغور شينجيانغ ذاتية الحكم المتعلقة لإدارة الشاملة للنظام الاجتماعي عدداً من التدابير التي ينبغي أن تضطلع بها المؤسسات المحلية في الدولة، بما في ذلك "إدارة الشؤون الدينية" و "إجراء تعليم مناهض للطوائف الدينية".

وقد أدى تنفيذ هذه السياسات إلى وصف الأنشطة اليومين للمسلمين بأنها متطرفة، مثل اختيار تناول الأكل الحلال، أو رفض الزواج بالصينيين التابعين للهان، أو استخدام تحيات إسلامية.

وقد تعلَّلت الحكومة الصينية بثلاثة اتهامات لقمعها الهائل ضد الإيغور: التطرف، والإرهاب، والانفصالية.

 

تبدو التهمة الأولى موجهةً ضد أي شخص يعبّر بفخر عن هويته الإيغورية. وإلى جانب الملايين الذين أرسلوا إلى "معسكرات إعادة التأهيل"، فإنَّ شخصيات إيغورية بارزة قد اعتقلت أو اختفت على مرِّ السنوات القليلة الماضية: فالعالم الإسلامي محمد صالح حاجم، والاقتصادي إلهام توكستي، وعالم الأنثروبولوجيا رحيل داود، ومغنيا البوب عبد الرحيم حياة وأبلاجان أوت، ولاعب الكرة عرفان هزيم، كل أولئك ليسوا سوى أمثلة قليلة.

لا شيء "متطرف" في أن يكون المرء من الإيغور وأن يفتخر بذلك. ومثلما أنَّ الهان قادرون على الإبقاء على تقاليدهم والاحتفاء بهويتهم، ينبغي أن يكون الإيغور قادرين على الشيء ذاته. لا شيء متطرف في المطالبة بالحقوق الثقافية والدينية.

ثم هناك خطر "الإرهاب". صحيحٌ أنَّ شينجيانغ شهدت بعضاً من حوادث العنف، لكنَّ التظاهر العلني ليس إرهاباً. وليس من الصعب أن نفهم أنَّه عندما يتعرض الناس للقمع، حين تُنتهك هويتهم، وعندما يُحرمون من ممارسة دينهم وثقافتهم، وحين يُعتقل أفراد أسرهم بسبب هويتهم فحسب، سيُسفر ذلك حتماً عن الغضب العام والإحباط وسوء الظن.

 

وبعيداً عن ذلك، وقعت بعض حوادث العنف المتفرقة في وطننا الخاضع لحماية شرطية مشددة، وانضم بعض الإيغور إلى منظمات إرهابية في الخارج.

لكنَّ مما لا يمكن إنكاره أيضاً أنَّ الأغلبية العظمى من الإيغور قد اختاروا عدم العنف حتى في مواجهة العنف المتزايد من الدولة تجاههم. وصحيحٌ أنَّ أمن الدولة مهم لأي بلد، لكن من غير المقبول والسخيف الزعم أنَّ الإرهاب متأصلٌ في عِرق أو دين.

وقد اتهم الإيغور أيضاً بالانفصالية، لكنَّهم لا ينوون الانفصال عن الصين. إنهم يرون وطنهم أرضاً محتلة لم تكن أرضاً صينية في الماضي. ويكافحون ضد الاستعمار الصيني وأيديولوجية الدولة الصينية المتمركزة حول عرقية الهان لإرساء السلام والحرية والديمقراطية في المنطقة.

يريد كل الإيغور، وأنا من بينهم، السلام والحرية والديمقراطية في تركستان الشرقية. لكنني أخشى أنَّ ذلك لن يتحقق ما دامت الحكومة الصينية مستمرة في سياسات الإبادة الثقافية والقمع في تركستان الشرقية.

 

– هذا الموضوع مترجم عن موقع Al-jazeera القطري.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
رقية توردوش
ناشطةٌ إيغورية ورئيسة مجتمع الإيغور في كندا سابقاً
تحميل المزيد