العودة وخاشقجي.. عدم التطبيل جريمة لا تغتفر

عدد القراءات
4,485
عربي بوست
تم النشر: 2018/11/02 الساعة 16:00 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/06/12 الساعة 11:32 بتوقيت غرينتش

من المعلوم لدى الخاص والعام أن حملة الاعتقالات والاغتيالات التي طالت رموزا فكرية في السعودية مثل اعتقال سلمان بن فهد العودة وثلة من العلماء والدعاة، وكذا اغتيال الصحفي جمال خاشقجي ليس بالأمر الجديد في تاريخ السعودية، ولكن هذه الأحداث التي سبقت هذه الحملة وتفاعل الرأي العام العالمي معها سلّط الضوء على مدى إتساع الهوة بين القيادة السياسية والقيادة الفكرية في عصرنا الحالي.

فمع بزوغ فجر الإسلام كان هناك توافق عجيب بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية صوّرها القرآن الكريم تصويرا فريدا ودقيقا في قوله تعالى: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ"، هذا التوافق جعل من السلطتين خادمتين للصالح العام في دولة الإسلام فأعطى هذا التناغم حضارة لا تغيب عنها الشمس، وجعل للمنطقة العربية آنذاك دورا مركزيا في حضارة الإسلام كونها منطقة الإشعاعين الرباني المتمثل في الوحي المحمدي، وكذا الإشعاع الحضاري المتمثل في رقي وازدهار المادي حضارة الإسلام الذي أسفر عن شهود حضاري كان له لمسته التي لا تنكر في الحضارة العالمية.

ولكن سرعان ما بدأت معالم الفصام والخصام بين السياسي والمثقف والسلطة بعدما بدأت مشكلة الخلافة تلقي بظلالها على الحياة العامة، ففي الوقت الذي كانت القيادة السياسية تعقد مجالس السمر مع الندماء والشعراء، كان العلماء يعقدون مجالس العلم مع عامة الناس يعلمونهم دينهم ويرشدوهم في دنياهم، ورغم وجود من يتزلف للحكام من العلماء إلا أن العامة كانت تولي وجهها قِبل من يحتك بها ويعايش قضاياها، وربما كان هذا من عوامل التفاف الناس حول أصحاب المذاهب الأربعة، إذ أنهم كانوا يمارسون دورهم كمثقفين محاولين إيجاد الحلول لمشاكل مجتمعاتهم بعيدا عن بلاطات الحكام على الرغم من تزلّف الحكام لهم حينما رأوا أن أن أثر سيطهم وشعبيتهم ينافس هيبة السلطان ومخافته في قلوب الناس، ولهذا السبب لم تشتهر المذاهب الأربعة إلا بعد وفاة أصحاب المذاهب أنفسهم حينما تولى تلاميذهم مناصب الفتوى والقضاء.

إلى هذا الحد لم يكن تطبيل العلماء والمثقفين للحكام بضاعة رائجة إلا لدى طائفة من الشعراء، وكان العلماء والحكام يسيران في طريقين متوازيين لا يكاد يسجّل لهما تلاق ذو بال، ولعل فتنة خلق القرآن تمثل نقطة الصدام بين العالم -كمثقف- والسلطة الحاكمة، هذه الفتنة التي كانت على شاكلة حملة الاعتقالات كالتي نراها اليوم أو أشد، وطالت الكثير من العلماء الذين أخذوا بالعزيمة ورفضوا القول بخلق القرآن، وإن كان الإمام أحمد بن حنبل (رحمة الله عليه) أشهر رموزها إلا أنها طالت عددا من العلماء ممن عاصروها كالفضل بن دكين وحمد بن نوح العجلي وغيرهم، والغريب أن هذه الفتنة ألقت بظلالها على علماء ما بعد المحنة، فبعدما كان التطبيل لها ولأنصارها مطلبا سياسيا من السلطة الحاكمة، صارت تهمة بعد ذلك يكيد بها الحساد للعلماء ليهيجوا عليهم الحكام كما حدث مع الإمام البخاري الذي اتهم بالقول بخلق القرآن، ونفي بسبب ذلك وتوفي غريبا طريدا سنة 256.

بعد ذلك صار التطبيل للحاكم علامة على ضعف دولة الإسلام، فكلما كثر المطبلون كلما ازدادت دولة الإسلام انقساما وتشرذما، وموقف القيادة الفكرية كان منقسما ، فمنهم من كان يتزلف للحاكم بغية أن ينال المناصب والمكاسب ، وبين معارض ينأى عن مجالس الحكام وصحبتهم، ومنهم المحايد لا يبدي تطبيلا وفي ذات الوقت لا يظهر معارضة، ولكن التطبيل وصل مداه في الأندلس مع ملوك الطوائف الذين قسموا دولة الأندلس إلى أكثر من 20 دولة كحال العالم العربي اليوم، ولم يبدوا على ذلك لا حزنا ولا تأسفا، بل الأدهى والأمَر أننا نجد الملك يطرب عند سماع قول المطبّل:

كيف لا يطرب وهو لا يسمع إلا صدى غروره وتسلّطه ولا يرى من بطانته إلا التقديس؟ إن هذا الوضع لا يختلف كثيرا عن المشهد الذي نراه اليوم في السعودية وغيرها، وحملة الاعتقالات والاغتيالات التي طالت عددا من العلماء والدعاة والصحفيين في السعودية تدل على أن ذنبهم الوحيد أنهم لم يدقّوا الطبول فاعتبر ذلك جريمة فكر، في مشهد يقترب كثيرا من صورة العالَم التي استشرفها جورج أوريل في روايته 1984، واللافت أن هذه الحملة قد طالت وجوها أثبتت حضورها في الحراك الفكري الذي ظهر في بلاد الحرمين إبان السنوات الأخيرة، إذ تميز هؤلاء العلماء والدعاة بجدة الطرح وحسن العرض، بالإضافة إلى غزارة وجودة في التأليف، ولأن التحول الذي يشهده بلد الحرمين خلال الفترة الأخيرة لا يحتمل أي شكل من أشكال المقاومة والمعارضة لأن فيه من الضعف ما يكفيه ليحد من مصداقيته ومقبوليته لدى الرأي العام داخل السعودية وغيرها.

وعلى شاكلة التطبيل في فتنة خلق القرآن فإننا اليوم نراه اليوم يتحوّل من القضية إلى ضدها، ففي الوقت الذي يحرّم فيه الجهاد في فلسطين بحجة ضلال فصائل المقاومة فإننا نجد مباركة لعاصفة الحزم على الرغم من أن المستهدف بها شعب مسلم بالأساس، وبعدما كانت قيادة المرأة للسيارة أمر غير جائز بحجة أن ذلك يفتح عليها باب الفتنة، فإن الوضع ينقلب فجأة من النقيض إلى النقيض فيصبح أمرا داخلا في دائرة المباحات، خاصة وأن ولي الأمر أجاز ذلك فلا شك أنه لا يجيز إلا ما فيه مصلحة للأمة، وفي هذه اللحظة يصل التطبيع إلى مداه حين يتنازل الفقيه عن دوره الفكري للقيادة السياسية فيعطيه الضوء الأخضر للفتوى في مسائل الدين، لينحصر بعد ذلك دور الفقيه في المباركة والمصادقة.

إن أكبر أزمة تعانيها القيادة الفكرية هي خيانة الأفكار، والضحية بطبيعة الحال هي هذه الشعوب العربية التي كلما راهنت على منقذ لها أو مصلح فيها وجدت منه خيانة تجعلها تجر أذيال الحسرة والأسى، فإن وجدت منه إخلاصا وتفانيا التفت حوله، ولكن السلطة السياسية كعادتها تتدخل بنرجسيتها لتجر ما تبقّى من مثقفين مخلصين إلى حبل المشنقة، لتنصب بعد ذلك أشباه مثقفين لتبرير جرائمها وتمرير أجندات مخططات من نصبوها وضمنوا لها البقاء في السلطة في مقابل إسكات كل صوت يعرض هذه السلطة، ولكن التاريخ لا يرحم وإلى الله المشتكى والمعاد.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

زين الدين لشخب
طالب دكتوراه
تحميل المزيد