على الغرب أن يتوخى الحذر بشأن فرض عقوبات على السعودية وليس بسبب المخاوف المتعلقة بارتفاع أسعار النفط
الأحد, 18 نوفمبر 2018

على الغرب أن يتوخى الحذر بشأن فرض عقوبات على السعودية وليس بسبب المخاوف المتعلقة بارتفاع أسعار النفط

ما مدى أهمية المملكة العربية السعودية بالنسبة للاقتصاد العالمي؟ وهل تحوز الرياض مصير الاقتصاد العالمي بين يديها؟

لا تعد هذه التساؤلات أكاديمية بالنظر إلى الشكوك العميقة حول الكيفية التي ستتطور من خلالها قضية جمال خاشقجي في الأيام القادمة، وكيف يمكن أن تستجيب الحكومات الغربية إذا ظهرت أدلة موثوقة على أن مقتل الصحافي السعودي المنشق لم يكن مجرد «خطأ» ارتكبه عملاء «مارقون»؛ بل كان، في الواقع، بأمر واضح من وليّ العهد محمد بن سلمان الذي يتمتع بالصلاحيات كافة.

هدد دونالد ترمب بعواقب «وخيمة للغاية» في ظل تلك الظروف. ومن جانبها، أوضحت الحكومة السعودية، الأسبوع الماضي، أنها لن تتقبل بشكل سلبي العقوبات الغربية أو أي شكل آخر من أشكال العقاب.

وصرحت وزارة خارجيتها في بيان يتسم بالتحدي: «تؤكد المملكة أنها سترد باتخاذ إجراء أقوى من أي إجراء يُتخذ ضدها. إن اقتصاد المملكة يلعب دوراً مؤثراً وحيوياً في الاقتصاد العالمي».

لم يُذكر النفط على وجه التحديد، لكن الأمر لا يحتاج إلى الذكر.

كان الحظر النفطي الذي تزعمته السعودية عام 1973، عندما أوقفت دول الخليج بيعه إلى دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا واليابان رداً على الدعم الغربي لإسرائيل، أحد أبرز الصدمات الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

إن هذا الحظر منقوش في ذاكرة السياسيين والموظفين المدنيين من هذه الفئة العمرية المعيّنة، لكنه محفورة أيضاً في الذاكرة الشعبية الموروثة للجيل الحالي. أدى الحظر السعودي إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بواقع أربعة أضعاف، ودفع التضخم في الأسعار الاستهلاكية لتصل إلى رقم يتألف من رقمين (أكثر من 10 وأقل 100) كما أقحمت الولايات المتحدة وبلدان بجميع أنحاء أوروبا في حالات من الركود الحاد. ويزعم البعض أنها حتى حتى ساعدت على تدمير مصداقية الحكومات الوسطية اليسارية في سبعينيات القرن الماضي، ما مهَّد الطريق أمام الثورة الليبرالية الجديدة خلال العِقْد التالي.

إذن، هل سنعود إلى سبعينيات القرن الماضي؟ وما مقدار الخلل الاقتصادي والسياسي الذي يمكن أن يتسبب فيه حظر النفط السعودي في الوقت الحاضر بالفعل؟

من المؤكد أن يكون ذلك مؤلماً، لكنه سيكون أقل بكثير من الماضي، على أفضل تخمين.

تطورت سوق الطاقة العالمية بشكل ملحوظ خلال نصف القرن الماضي. وتمتلك الدول الغربية احتياطيات استراتيجية من النفط ومجموعة واسعة من الموردين. وأبرزت السنوات الأخيرة قُدْرة السوق على التكيف في مواجهة وقف المعروض والتحول في الطلب.

أدت الزيادة الأخيرة في أسعار النفط عام 2010، عندما بلغت الأسعار 125 دولاراً للبرميل، إلى حفز قطاع إنتاج النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة. ونمت الصناعة بسرعة كبيرة، لدرجة أن إنتاج الطاقة المحلي اليوم هو تقريباً 90% من الاستهلاك الأميركي . قبل عقد من الزمان، كانت الولايات المتحدة لديها واردات يومية صافية تبلغ 10 ملايين برميل من النفط والمنتجات النفطية. في عام 1973، كان العدد 6.4 مليون، واليوم أصبح 2.3 مليون فقط.

في الواقع، تفوقت الولايات المتحدة هذا العام، بفضل الصخر الزيتي، على السعودية كأكبر منتج للنفط الخام في العالم.

عندما انهارت أسعار النفط عام 2016، وانخفضت إلى 30 دولاراً، توقفت السعودية عن دعم الأسعار العالمية عن طريق تعديل الإنتاج فترة طويلة، وذلك على وجه التحديد لأنها تأمل أن يساعد السعر المنخفض في دفع منتجي الصخر الزيتي الأميركي المُثقلين بالديون إلى الإفلاس؛ ومن ثم استعادة حصة السوق العالمية لصالح السعودية على المدى الطويل. كانت تلك الاستراتيجية فاشلة، واستمر إنتاج الصخر الزيتي الأميركي.

صحيح أن المملكة المتحدة وأوروبا الغربية لا تزالان تعتمدان بشدة على الطاقة المستوردة؛ ومن ثم فهما معرضتان بشكل خاص لقفزة مفاجئة في أسعار النفط العالمية. لكن الحصة الأوروبية من مصادر الطاقة المتجددة باعتبارها مصدراً للاستهلاك النهائي للطاقة شهدت ارتفاعاً سريعاً؛ إِذْ بلغت 17% في عام 2016. من المرجح أن يؤدي الارتفاع الكبير في أسعار النفط إلى تسريع هذا التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري (تماماً كما شجع الحظر المفروض عام 1973 على الغرب تدابير للحفاظ على الطاقة مثل وضع حدٍّ أقصى للسرعة على الطرق السريعة للولايات المتحدة في إدارة نيكسون بواقع 50 ميلاً في الساعة). مرة أخرى، في حين أن هذا يمكن أن يكون مفيداً على المدى المتوسط ​​بالنسبة للغرب، فإنه لن يكون في مصلحة الاقتصاد السعودي.

كان سعر النفط آخذاً في الارتفاع منذ منتصف العام الماضي (2017)، وهو الآن قريب من أعلى مستوى له خلال 4 سنوات عند 80 دولاراً. اقترح أحد كُتاب الأعمدة في الصحف السعودية أنه في حالة مواجهة عقوبات غربية صارمة، قد تخفض الرياض إنتاجها البالغ نحو 10 ملايين برميل في اليوم بنسبة الثلثين، ما يعيد السعر العالمي إلى 100 دولار، أو ربما حتى إلى مستوى قياسي بـ400 دولار للبرميل.

مع ذلك، لم يكن هناك الكثير من التهديدات تلوح أمام حدث الاستثمار التجاري «دافوس الصحراء» في الرياض الأسبوع الماضي. بدلاً من ذلك، فإن رجال الأعمال السعوديين الذين تحدثتُ إليهم كانوا حريصين على رؤية التحالفات الغربية وهم يائسون؛ لكي تتبدد الأزمة الحالية.

السبب واضح. إن العمل الحربي الاقتصادي مثل قطع النفط بشكل مبالغ فيه من شأنه أن يدمر الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها محمد بن سلمان في «رؤية 2030». لن يتحقق حلم ولي العهد بمدينة ذات تكنولوجيا عالية في الصحراء بتكلفة 500 مليار دولار، دون الاستفادة من الخبرات الغربية، ما يعني التدفق الحر للمعرفة والأفراد والاستثمار. لن تصبح السعودية وجهة سياحية، كما تأمل القيادة الحالية بشدة، إذا تفككت العلاقات مع الغرب تماماً. وستكون المملكة العربية السعودية نفسها هي الخاسر الأكبر اقتصادياً في أي مواجهة.

هناك بالتأكيد أسباب تدفع الغرب إلى التعامل بحذر مع المملكة العربية السعودية، بدءاً من التعاون بين الدول في الاستخبارات المرتبطة بالإرهاب، وصولاً إلى الاعتبارات المتعلقة بالاستقرار الجيوسياسي. لكن المخاوف من تكرار الحظر النفطي الذي وقع في سبعينيات القرن الماضي، لا ينبغي إدراجها على رأس القائمة، مهما كان ذلك طافياً في الذاكرة الشعبية.

 

– تُرجم هذا المقال عن مدونة صحيفة The Independent البريطانية.

 

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
حادثة غزة كانت عملية عسكرية إسرائيلية فاشلة لا محاولة اغتيال
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
على الغرب أن يتوخى الحذر بشأن فرض عقوبات على السعودية وليس بسبب المخاوف المتعلقة بارتفاع أسعار النفط