هذا ما سيحدث للسعودية لو قاطع المسلمون كلهم فريضة الحج عقاباً لها

عدد القراءات
14,971
عربي بوست
تم النشر: 2018/11/01 الساعة 12:54 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/11/01 الساعة 17:00 بتوقيت غرينتش

ليست جريمة اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، أولى جرائم حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام السعودي، ولن تكون الأخيرة إذا لم يُردع الفاعلون الحقيقيون. وقد لوحظ طوال شهر منذ انفجار القضية نجاح هذا النظام في كسب تأييد أنظمة عربية له، وشراء صمت أخرى، وكيف بدا موقف حكوماتٍ غربيةٍ ديمقراطيةٍ مرتبكاً عندما وجدت نفسها مخيرة ما بين مصالح دولها وقيمها الكونية. ويدل مسار التحقيق حتى الآن على أن من يقفون وراء الجريمة يسعون، بكل جهدهم، إلى طي ملفاتها، قبل أن تكشف الحقيقة كاملة، وتسجل القضية ضد مجهول.

ما لفت انتباه العالم إلى الجريمة، وجعل منها قضية عالمية، ليس فقط أن ضحيتها صحافي معروف، وإنما بشاعة الفعل ومسرح الجريمة ووحشية المنفذّين وتستر السلطة التي يتبعون لها عليهم وحمايتها لهم. وحتى هذه كانت ستكون أشياء عادية لو أن الأمر تعلق بعصابة إجرامية محترفة، فعقل المجرم هو الشر بعينه. لكن أن تصدر كل هذه الأفعال عن أشخاصٍ ينتمون إلى نظام مؤتمنٍ على أقدس الأماكن التي يتوجه إليها المسلمون في كل العالم خمس مرات كل يوم في أثناء صلواتهم، فهذا مما أضفى على بشاعة الجريمة بعدها التراجيدي الذي أفزع كثيرين في العالم، وخصوصاً المسلمين الذين لم يستوعب كثيرون منهم بعد أن يكون هذا الفعل قد تم تدبيره على أعلى مستوى داخل النظام السعودي، أو على الأقل أن يجد من يحمي منفذيه من داخل هرم النظام نفسه.

فقد أقرّ النظام السعودي بمقتل خاشقجي داخل قنصليته في إسطنبول، وأكّد أن الجريمة كانت  مدبّرة عن سبق إصرار وترصّد، واعتقل أو أقال من مهامهم مسؤولين حكوميين وعسكريين وأمنيين كباراً متورّطين فيها، بينهم مستشار في الديوان الملكي بصفة وزير، والمسؤول الثاني في المخابرات السعودية، وربما قد تسقط غداً رؤوس أخرى أكبر تتم التضحية بها، ودائماً من أجل إبعاد التهمة عن الفاعل الحقيقي.

ومن دون السعي إلى استباق نتائج التحقيقات التي قد لا تظهر نتائجها أبداً، مثلما هو الأمر في كل جرائم الدول التي تحوّلت مع مرور السنين إلى ألغازٍ يستحيل فكّها، فالنظام السعودي، في هذه المرحلة من التحقيق، وحتى قبل الكشف عن النتائج النهائية لكل التحقيقات الجارية، يعتبر مسؤولاً سياسياً وأخلاقياً عن الجريمة البشعة، وقبل ذلك مسؤولاً قانونياً بسبب التحفظ على مرتكبيها وحمايتهم من كل محاسبةٍ أو عقاب، لأن بعض المتهمين الذين يُفترض أنهم يوجدون قيد الاعتقال، أو على الأقل يخضعون للتحقيق، حسب الرواية السعودية، ما زالوا يغرّدون بحريةٍ على حساباتهم على المواقع الاجتماعية.

إننا أمام نظام مستهتر، مستفز، مغرور بقوته المالية التي يستطيع أن يقمع بها كل من يعارضه ويشتري بها صمت كل من يزعجه. والرد الوحيد الذي يملكه كل واحدٍ منا بين يديه للضغط على هذا النظام هو "سلاح المقاطعة" الذي جرّبته شعوب المغرب وتونس ومصر على مواد استهلاكية، ونجحت في إيصال صوتها إلى أصحاب القرار، فلماذا لا يتم تجريب "سلاح مقاطعة" مع هذا النظام لكسر غروره، وإجباره على أن يرتدع بنفسه. والمقاطعة هنا يجب أن تكون رمزيةً، وتحمل رسالةً قويةً من خلال الامتناع عن الحج، ولو موسماً واحداً، لإبلاغ حكام السعودية رسالةً مفادها بأن من يؤتمن على أقدس مكان لدى المسلمين يجب أن تكون له من الأخلاق والورع والثقة والصدق والحرص على دماء المسلمين ما يجعله أهلاً لتحمل هذه الأمانة.

وكشعوب عربية وإسلامية، بيدها اليوم سلطة أخلاقية عظيمة، يمكنها أن تعاقب بها هذا النظام ورموزه الذين طغوا، وذلك بالدعوة إلى مقاطعة الحج، لبعث رسالةٍ قويةٍ لهذا النظام لعله يرعوي، فالمعروف أن فريضة الحج، وبحسب النص القرآني، ليست واجبةً إلا على من  استطاع إليها سبيلاً، وبالتالي فالامتناع عن أداء هذه الفريضة أو مقاطعتها، موسماً واحداً، لن يضر المسلم في شيء، وإنما سيكون في ذلك نفع كثير لمسلمين مقهورين داخل السعودية نفسها، معتقلين أو مقموعين أو خائفين، لإشعارهم بأن هناك من يفكّرون في مصيرهم وسلامتهم وحريتهم وأمنهم. كما أن خطوةً من هذا القبيل ستكون بمثابة رسالة تضامنٍ مع الشعب اليمني المغلوب على أمره، والذي يخضع، منذ نحو أربع سنوات، لحرب مجنونة ومدمرة، يقودها ضده النظام السعودي وحليفه الإماراتي. وإذا كان أحد مقاصد فرض الحج تحقيق المنفعة الخاصة للحاج، والمنفعة العامة لعموم شعوب المسلين الذين يحجّون إلى هذا المؤتمر الإلهي السماوي، لأن فيه منافع كثيرة لهم، فلا وجود اليوم لمنفعة أكثر إلحاحاً وأنبل من استعمال هذا الفريضة لإجبار النظام لسعودي على وقف حربه على اليمن التي دمرت بلداً إسلامياً، وتفتك يومياً بآلاف الأبرياء، أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ.

ليست الدعوة إلى مقاطعة فريضة الحج جديدة، فقد سبق لعلماء دين تونسيون أن دعوا إلى مقاطعة موسم الحاج الماضي، بسبب ارتفاع مصاريفه نتيجة الضرائب التي تفرضها السعودية على رسومه، وفي الوقت نفسها صرفها تلك الأموال لشراء السلاح الذي تقتل به اليمنيين. وبالعودة إلى التاريخ، وللتذكير فقط، ففي السنة 317 هجرية، سرق القرامطة الحجر الأسود، بعد أن اقتلعوه من مكانه في الكعبة، وغيبوه 22 سنة لم يحج فيها المسلمون إلى مكة، وعندما فشل القرامطة في توجيه المسلمين نحو الحج إلى كعبتهم التي أقاموها في بلدتهم في منطقة قطيف، شرق الجزيرة العربية، باعوا الحجر الأسود ليعود مرة أخرى إلى مكانه في الكعبة في مكة المكرمة، فعاد الناس، بعد أكثر من عقدين من المقاطعة، إلى الحج إليها.

مقاطعة الحج لا تعني مقاطعة الفريضة التي جعلها الله أحد أركان الإسلام الخمسة، وإنما مقاطعة النظام الذي يصعب اليوم على كل مسلمٍ يحجّ إلى مكة أن يأتمنه على سلامته، وهو فوق أرضه، بعدما فعله مع واحدٍ من أقرب مواطنيه إليه. والمقصود بالمقاطعة هنا ذلك الفعل الرمزي لإيصال رسائل سياسية وبأقل تكلفة، إلى نظامٍ مغرورٍ أثبتت أفعال رموزه أنه لا يرعوي. وكما يقول المتنبي: وَمن البَليّةِ عَذْلُ مَن لا يَرْعَوي/ عَن جَهِلِهِ وَخِطابُ مَن لا يَفهَمُ.

 

 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علي أنوزلا
صحافي وكاتب مغربي
تحميل المزيد