هل ستسعى الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إحداث انقلاب داخل القصر الملكي ضد محمد بن سلمان؟
الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

هل ستسعى الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إحداث انقلاب داخل القصر الملكي ضد محمد بن سلمان؟

في الوقت الذي يتعرض فيه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لضغوط متزايدة في أعقاب حادثة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، لدى صناع السياسة في واشنطن ولندن أولوية أخرى على جدول اهتماماتهم، تتمثل في الإبقاء على آل سعود، وهي الأسرة الحاكمة التي تمثل حليفاً عسكرياً واقتصادياً استثمرتا فيه الكثير. ومع ذلك، إذا لم يكن بالإمكان الإبقاء على محمد بن سلمان، فمن المرجح أن تعمل المملكة المتحدة والولايات المتحدة على ضمان نقل السلطة إلى أحد أقاربه لحفظ ماء الوجه.

وقد سبق أن أشارت بعض التقارير إلى أن أفراد العائلة الحاكمة قد بدأوا بالفعل في مناقشة إمكانية استبدال ولي العهد. لكن هناك أيضاً سابقة لا يعرفها الكثير، لعب فيها الغرب دوراً في الإطاحة بزعيم سعودي من سدة الحكم.

التشجيع على حدوث انقلاب داخل القصر الملكي

تظهر الملفات البريطانية التي رفعت عنها السرية أن بريطانيا قد دعمت سراً في السابق انقلاباً داخلياً في المملكة العربية السعودية شمل أسلاف محمد بن سلمان من آل سعود. حدث الانقلاب في وقت بعيد يرجع إلى عام 1964، إلا أن أصداءه المخيفة طالت الوقت الحاضر. فقد ساعدت ولي العهد في ذلك الوقت الأمير فيصل للإطاحة بأخيه الأكبر الملك سعود، الذي حكم البلاد منذ عام 1953 وكان مدعوماً من قبل البريطانيين للإبقاء على حكم آل سعود.

كان فيصل قد صار، تماماً كما صار محمد بن سلمان الآن، هو القوة الحقيقية في السعودية في أواخر حقبة الخمسينيات، وكان يدير الحكومة. لكن في ديسمبر/كانون الأول من عام 1963، حاول الملك سعود إعادة تأكيد سلطته من خلال نشر القوات والأسلحة خارج قصره في الرياض. استمرت المواجهة المتوترة مع القوات الموالية للأمير فيصل حتى عام 1964، عندما طلب الملك سعود من الأمير فيصل إقالة اثنين من وزرائه واستبدالهما بأبناء الملك.

بيد أن الحرس الوطني، الذي كان قوامه في ذلك الوقت 20,000 جندي مسؤول عن حماية العائلة المالكة، قدم الدعم الحاسم للأمير فيصل. في ذلك الوقت شغل الأمير عبد الله منصب قائد الحرس الوطني، وهو الذي أصبح لاحقاً ملكاً حتى وفاته في عام 2015، ثم خلفه على العرش السعودي أخوه غير الشقيق، الملك سلمان، والد الأمير محمد بن سلمان.

من كان القوة الدافعة حينئذ وراء الحرس الوطني السعودي؟ في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، لم تكن هذه القوة سوى بريطانيا، التي كانت لها بعثة عسكرية في البلاد بعد طلب سعودي في عام 1963. تظهر الملفات التي رفعت عنها السرية أن اثنين من المستشارين البريطانيين للحرس الوطني، العميد كينيث تيمبرل والعقيد نايجل بروماج، وضعا خططاً لتحقيق رغبة عبد الله الصريحة في «حماية فيصل» و «الدفاع عن النظام» و «احتلال بعض النقاط» و «منع الجميع من الدخول إلى محطة الراديو باستثناء أولئك الذين يدعمهم الحرس الوطني».

كفلت تلك الخطط البريطانية الحماية الشخصية للملك فيصل، بهدف ضمان نقل السلطة الكاملة إليه، وهو ما حدث بالفعل عندما أُجبر الملك سعود على التنازل عن العرش.

الحفاظ على مُلك آل سعود

دعمت بريطانيا انقلاب القصر الملكي السعودي عام 1964 لسببٍ محدد: كانت بريطانيا تنظر إلى الملك سعود على أنه غير كفء، ومعارض لإدخال الإصلاحات السياسية الضرورية لحماية آل سعود من الإطاحة بهم. كتب فرانك برانشلي، القائم بالأعمال في السفارة البريطانية في جدة، أن «رمال الزمن تتحرك باستمرار لغير صالح النظام السعودي»، وكانت الثورة القومية الجارية في اليمن المجاور، تشكل آنذاك العامل الرئيسي في هذا التحوّل الخطير، إلى جانب تدخل القوات المصرية هناك، في تحديها لسلطة السعودية في الجزيرة العربية.

ولاحظ برانشلي أنه على النقيض من سعود، «كان فيصل يدرك أنه يجب عليه أن يدخل الإصلاحات بسرعة إذا ما أراد للنظام السعودي أن يستمر. ورغم ما يواجهه من معوقات تحيطه من كل الجهات، بسبب نقص الكفاءات الإدارية المدربة تدريباً جيداً، لم يدخر جهداً في كفاحه من أجل تسريع عملية التطور لتجنب الثورة على النظام السعودي».

 شهد  الدعم البريطاني للحرس الوطني السعودي (SANG)، الذي شمل التدريب وصادرات الأسلحة تطوراً كبيراً وواسعاً بعد عام 1964. وتضم السعودية اليوم العشرات من الخبراء العسكريين البريطانيين الذين يقدمون الاستشارة التقنية للحرس الوطني السعودي SANG، إلى جانب مشروع كبير يساعدهم في مجال «الاتصالات».  ولا يزال دور الحرس الوطني السعودي يركز بشكلٍ كبيرٍ على تعزيز «الأمن الداخلي» – والذي يعني بشكل أساسي الحفاظ على ملك آل سعود.

تشارك الولايات المتحدة في برنامج أكبر لتدريب و «تحديث» الحرس الوطني السعودي – بقيمة أربعة مليارات دولار – ومن المرجح أن تلعب الولايات المتحدة اليوم دوراً مشابهاً للدور الذي اضطلعت به بريطانيا في عام 1964.

أصداء في اليمن

إن أصداء الماضي تكشف لنا أنه في منتصف الستينيات، تواطأت بريطانيا مع السعوديين في الحرب التي دارت رحاها في اليمن والتي لم تكن أقل وحشية من الحرب الحالية. وقد أطاح انقلابٌ شعبيٌ في سبتمبر/أيلول من عام 1962 قادته القوات الجمهورية، بحكم الإمام محمد البدر، الذي بقي في السلطة لمدة أسبوع واحدٍ بعد وفاة والده، الذي كان حاكماً إقطاعياً مستبداً حكم البلاد منذ عام 1948.

على إثر ذلك لجأت قوات الإمام إلى التلال وأعلنت تمردها، وسرعان ما شنت بريطانيا والسعودية حرباً سرية لدعم هذه القوات المتمردة، استمرت طوال عقد الستينيات.

راودت السلطة البريطانية مخاوف من أن تشكل الحكومة الجمهورية الشعبية في اليمن، المدعومة من مصر تحت حكم عبد الناصر، تهديداً مصيرياً لنظام آل سعود، وستنتشر لتعم باقي المشيخات الإقطاعية الأخرى في الجزيرة العربية التي تسيطر عليها بريطانيا.

مع انتهاء الحرب عام 1969، بلغ عدد القتلى 200 ألف تقريباً.  وما أشبه اليوم بالبارحة، إذ لم تعر لندن ولا الرياض آنذاك، حياة البشر اهتماماً كبيراً، مقارنة باهتمامها بالسياسة رفيعة المستوى.

عزز الانقلاب الداخلي المدعوم من بريطانيا الذي حدث عام 1964 من دور العقيدة الوهابية في البلاد. ففي مارس/آذار عام 1964، أصدرت القيادة الدينية في السعودية (العلماء) فتوى تجيز نقل السلطة إلى الأمير فيصل بموجب الشريعة الإسلامية؛ وبعد ذلك بيومين، تنحى الملك سعود عن العرش.

وتعليقاً عما سينتج من هذا الانقلاب، أشار السفير البريطاني في ذلك الوقت، كولين كروي، إلى أن «إحدى النتائج التي قد تشكل خطراً على المدى البعيد» فيما يتعلق بنقل السلطة إلى الملك فيصل، «هو دخول العلماء في الصورة، ومن ثم قد يطالبون بمقابل لقاء هذا الدعم». وقد أثبتت التنبؤات التي وردت في تعليقاته صحتها، إذ إن التحالف بين الوهابية وعائلة آل سعود المالكة استمر من حينها في الترويج للتطرف، بما في ذلك دعم الجماعات الإرهابية في العديد من المناطق حول العالم.

الصديق والحليف

أدانت الحكومة البريطانية مقتل خاشقجي، وأيدت إجراء تحقيق حوله. غير أنها لا تزال تصف الرياض بـ «الصديق والحليف»، ولا تزال تؤكد على «الشراكة الاستراتيجية المهمة» التي تشمل الأمور العسكرية والتجارية. ولكن ما مدى إمكانية استمرار زعيم سعودي لطَّخ يديه بالدماء في التظاهر أمام الجمهور الغربي بأن الأمور في المنطقة تشهد تحسناً؟

قد تفضل كل من لندن وواشنطن تكرار ما حدث في 1964: أي أن يقلدوا السلطة لـ «سعودي» آخر. بيد أن ما هو الأفضل للسعوديين والعالم سيكون مختلفاً تماماً، وهو كما قالت مضاوي الرشيد مؤخراً،  السماح للشعب بأن يتمتع بحق المشاركة في الحكومة وصنع القرار، بما يتضمنه ذلك من حرية التعبير، في عملية تحول تدريجي للمملكة العربية السعودية نحو نظام ديمقراطي.

وفي هذا السياق، ستحتاج لندن وواشنطن إلى إحداث ثورة في طريقة التفكير المتبعة، لكي تصبحا جزءاً من الحل عوضاً عن أن تظلا جزءاً من المشكلة.

  • هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني.      

 

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
نتنياهو يدفع ثمن عدوانه على غزة
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
هل ستسعى الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إحداث انقلاب داخل القصر الملكي ضد محمد بن سلمان؟