جمع أدلة علي فسادهم فوجدوا جثته متحللة قرب منزله .. شبيه خاشقجي الذي قتله موسوليني في إيطاليا
الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

بمَ تخبرنا جريمة قتل ارتكبها موسوليني حول خاشقجي ومحمد بن سلمان؟

في الأسابيع التي تلت مقتل جمال خاشقجي من قبل عملاء سعوديين في إسطنبول، طُرح سؤال متكرر: كيف يمكن لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أن يكون على هذا القدر من التهور حتى يأمر بهذا الاغتيال المروع الذي ارتُكب بكل حماقة ووقاحة؟

أعتقد أن الإجابة هي أن الديكتاتوريات -بطبيعتها- متبلدة الذهن وغبية. يعيش المستبدون في فقاعة من تملق الذات والقدرة على الإفلات من العقاب، مما يؤدي إلى سوء تقدير كبير من جانبهم عندما يضطرون إلى العمل خارج تلك الفقاعة.

إن القتل المتعمد الذي جرى بدم بارد لجمال خاشقجي من قبل السعوديين يتشابه بشكل مدهش مع قتل الزعيم الاشتراكي الإيطالي جياكومو ماتيوتي على يد السفاحين الفاشيين تنفيذاً لأوامر من بينيتو موسوليني.

بعد ظهر يوم 10 يونيو/حزيران 1924، كان ماتيوتي يسير في روما عندما أمسكت به مجموعة من الفاشيين وأدخلوه في سيارة. وبعد مرور شهرين، عُثر على جثته المتحللة على بُعد حوالي 12 ميلاً من مكان الاختطاف.

قبل عدة أيام من اختطافه، كان ماتيوتي قد ألقى خطاباً شجاعاً يندد فيه بالغش والعنف اللذين انتشرا على نطاق واسع على أيدي الفاشيين خلال الانتخابات الوطنية قبل شهرين. وكان من المقرر أن يلقي خطاباً آخر في افتتاح البرلمان في اليوم التالي لاختفائه.

صدمت أنباء مقتل منتقد بارز للفاشية إيطاليا والعالم. فقبل اختفاء ماتيوتي وقتله، كان حلفاء إيطاليا الديمقراطيون على استعداد للاعتقاد بأنه على الرغم من صعود موسوليني العنيف إلى السلطة، إلا أنه كان عازماً على احترام قواعد وحريات الديمقراطية البرلمانية.

ولعدة أشهر، بينما كان يجري تحقيق رسمي في الحادثة، بدا استمرار موسوليني السياسي كرئيس للوزراء معرضاً للخطر، إذ تراكمت الأدلة على أن قتلة ماتيوتي كانوا جزءاً من فرقة اغتيال تعمل بناءً على أوامر مكتب رئيس الوزراء وتحت سيطرته.

نجا موسوليني من الأزمة بسبب ضعف وانقسام المعارضة السياسية، إذ أن فيكتور إيمانويل الثالث، ملك إيطاليا الذي دعا موسوليني لتشكيل الحكومة، لم يكن مستعداً للمخاطرة و»القفز إلى المجهول» من خلال المطالبة باستقالته.

كما أن تواطؤ الحلفاء الأجانب أنقذ موسوليني، بالإضافة إلى الرأي العام الدولي الذي تقبل التفسير غير القابل للتصديق بأن قتلة ماتيوتي هم فاشيون متطرفون تصرفوا تبعاً لنزواتهم اللحظية، «لتلقينه درساً»، وقتلوه عن طريق الخطأ.

في ذلك الوقت، وكما هو الحال الآن، كانت هناك مصالح نفطية قوية في هذه القضية -وهي دفعات مالية محتملة لشقيق موسوليني، أرنالدو موسوليني، وهو نظير شخصية جاريد كوشنر في هذه القصة- وساهمت تلك المصالح في التوصل إلى توافق في الآراء من أجل «تخطي» عملية القتل الوحشي هذه.

وفي ذلك الوقت أيضاً، جاء رد الفعل العالمي المرتعب لقتل ماتيوتي مفاجئاً، إذ أن العنف كان سمة ثابتة للفاشية. استخدم البلطجية الذين قتلوا ماتيوتي العنف والترهيب والاحتيال قبل ذلك، خلال انتخابات عام 1924 التي منحت موسوليني أغلبية في البرلمان. وأشاد العالم -ومعظم الإيطاليين المنتمين إلى الطبقة المتوسطة- بموسوليني لأنه منع حدوث ثورة في إيطاليا على غرار الثورة البلشفية، وكانوا مستعدين للتغاضي عما اعتبروه عنفاً غير ملحوظ، وافترضوا أنه سيتلاشى بعد أن يبدأ موسوليني في الانضمام إلى مصاف الساسة المحترمين، والتصرف مثلهم.

كانت إيطاليا لا تزال دولة شبه ديمقراطية، وهو ما ساعد على فضح جريمة القتل والأكاذيب التي انتشرت خلال محاولات التستر عليها. وقد رأى شهود عيان ماتيوتي وهو يُجبر على ركوب سيارة. كما رأى زوجان مسنان سيارة لانشيا الخاصة بالقتلة أثناء مراقبتهم لمنزل ماتيوتي في الأيام التي سبقت عملية الخطف وسجلا أرقام لوحة السيارة.

وجدت الشرطة مقاعد السيارة مغطاة بدماء ماتيوتي، الذي كان قد تعرض للطعن مراراً، وشُوهت جثته. وربط تحقيق أولي مستقل نسبياً القتلة بمكتب موسوليني، حيث قام أحد كبار مساعديه، تشيزاري روسي، بإدارة مكتبه الصحفي بالإضافة إلى إدارة «تشيكا فاشيستا Ceka Fascista»، وهي فرقة القتل الخاصة التي سميت على اسم هيئة الطوارئ الروسية لمكافحة الثورة المضادة والتخريب (تشيكا)، وهي السلف البلشفي لجهاز الاستخبارات السوفيتية K.G.B.

قُتل ماتيوتي قبل خطابه البرلماني بسبب تخطيطه وجمعه للأدلة لفضح الفساد المتمثل في التنازل عن امتياز نفطي كبير من قبل حكومة موسوليني لصالح شركة سينكلير أويل (Sinclair Oil) الأميركية.

أمر موسوليني بنقل القضية إلى محققين أكثر تعاوناً، خلصوا إلى أن قتل ماتيوتي لم يكن مقصوداً أو مخططاً له. وقد ساعد مرور الوقت، وارتباك الطبقة السياسية الإيطالية، والمصالح الذاتية للحكومات الأجنبية، وتواطؤ الصحافة الدولية في إبقاء موسوليني في السلطة.

يصف المؤرخ الإيطالي ماورو كانالي في كتابه الجديد الرائع، «اكتشاف إيطاليا La Scoperta dell’Italia»، كيف تلاعب الفاشيون بالصحافيين الأجانب خلال أزمة ماتيوتي. في ذلك الوقت، كانت اثنتان من أهم وسائل الإعلام في إيطاليا؛ وهما أسوشيتد برس ونيويورك تايمز، يترأسهما محلياً فريق مكون من أب وابنه؛ سالفاتور وأرنالدو كورتيسي، وهما إيطاليان مؤيدان للفاشية بحماس.

فرّ روسي، مساعد موسوليني الذي كان يدير فرقة القتل، إلى باريس. ولكي يتجنب استخدامه ككبش فداء في جريمة القتل، عرض على نيويورك تايمز وثائق تثبت تورط موسوليني. لكن الصحيفة رفضت العرض لأن روسي كان يريد 15,000 دولار في المقابل، ولأن الصحافيين كانوا مترددين في قبول فكرة أن موسوليني سفاح سياسي.

أبرم روسي صفقة مع صحيفة نيويورك ورلد، ونشر أرنالدو كورتيسي مقالاً مطولاً في نيويورك تايمز محاولاً إبعاد اللوم عن موسوليني وتشويه سمعة روسي. وجاءت مقالته تحت عنوان «سقوط اعترافات روسي في إيطاليا؛ لماذا فشلت اتهامات معاون سابق ضد موسوليني في جريمة ماتيوتي. دحض فكرة القتل العمد».

بعد ذلك بفترة قصيرة، كان معظم العالم سعيداً بالمضي قدماً والتعامل مع موسوليني، الذي شرع في تعزيز ديكتاتوريته. لم يكن الإفلات من جريمة القتل جيداً بالنسبة لموسوليني أو إيطاليا، فقد غذى إحساسه الخطير بالقدرة الكلية والتجبر. وبالرغم من ذكائه البالغ في تقدير خصومه الداخليين والتعامل معهم، فقد ارتكب العديد من الأخطاء الكارثية في السياسة الخارجية، واحدة بعد الأخرى. لقد قلل من شأن إنكلترا والولايات المتحدة إلى حد كبير، وفشل في الاستماع إلى مستشاريه بشأن عدم استعداد آلة الحرب الإيطالية، وصدّق خطابه الخاص حول كون إيطاليا دولة ذات «ثمانية ملايين حربة». ونادراً ما تكون نهاية الدكتاتور جيدة.

قد يعطينا هذا درساً حول السبب الذي جعل السعوديين على هذا القدر من الوقاحة في قتل خاشقجي بإسطنبول. ويجب على الكونغرس والصحافة العالمية تجنب الأخطاء التي ارتُكبت خلال قضية ماتيوتي.

لا يمكن لصحافي بدين في منتصف العمر مجابهة 15 عميلاً سعودياً في معركة ضارية، كما أنه لا أحد يُحضر طبيباً شرعياً ومنشار عظام لاستجواب أحد المعارضين السياسيين. إذا كان خاشقجي قد قُتل عن طريق الخطأ، يمكن للسعوديين تسليم جثته وسوف يظهر هذا في التشريح. إن عدم تسليم السلطات السعودية لجثمانه هو اعتراف فعلي بالقتل العمد

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
حادثة غزة كانت عملية عسكرية إسرائيلية فاشلة لا محاولة اغتيال
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
بمَ تخبرنا جريمة قتل ارتكبها موسوليني حول خاشقجي ومحمد بن سلمان؟