هكذا اقترح سياسي بريطاني معاقبة السعودية بشأن اغتيال جمال خاشقجي في السفارة السعودية
الإثنين, 10 ديسمبر 2018

اغتيال جمال خاشقجي عمل وحشي.. ويجب أن لا تفلت السعودية من عواقب فعلتها

كان اغتيال جمال خاشقجي مقززاً وبالغ الغرابة، حتى إنني سمعت حججاً غريبة للدفاع من جانب المملكة العربية السعودية في الأيام القليلة الماضية. يقول البعض إنه ليس من الممكن أن يكون الأمر برمته متعمداً؛ لأنه لا يمكن لأحد في كامل قواه العقلية أن يأتي بمؤامرة واضحة لهذه الدرجة.

في البداية سقط كاتب الواشنطن بوست السعودي ضحية لخدعة واضحة؛ لكي يغادر الولايات المتحدة معرضاً  نفسه للخطر؛ إذ تقدم بطلب إلى القنصلية السعودية في واشنطن للحصول على وثيقة تُثبت أنه كان مطلقاً؛ لأنه كان يرغب في الزواج من خطيبته التركية. وقيل له – بشكل غامض – إنه لا يمكن الحصول على هذه الوثيقة إلا من القنصلية السعودية في إسطنبول.

حُدد له موعد في القنصلية يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول. في ذلك اليوم أرسل السعوديون فريقاً مكوناً من 15 قاتلاً من بينهم ثلاثة من الحرس الشخصي لولي العهد. كما أرسلوا أخصائي الطب الشرعي البارز – والخبير في تقطيع الجثث – صلاح الطبيقي. ويبدو أن خاشقجي تعرض لتعذيب وحشي بعد فترة وجيزة من دخوله إلى القنصلية، وتشير بعض الروايات إلى أنه تم تشويه جسده والتخلص منه، إما في الغابات المجاورة لإسطنبول أو في مضيق البوسفور.

منذ اختفاء خاشقجي، قدم السعوديون سلسلة مثيرة للشفقة من القصص المفبركة. ففي البداية، قالوا إنه خرج من المقابلة بصحة جيدة. وبعد أيام من تصاعد الضجة الدولية، غيروا قصتهم بشكل كبير، قائلين إنه فارق الحياة في «مشاجرة بالأيدي». وفي آخر نسخة من قصتهم، قيل إن جثته أُخرجَت من القنصلية في سجادة ملفوفة. لكنهم لم يظهروا الجثة بعد، وسيتعين عليهم إما إظهارها أو تقديم معلومات حول أين يمكن العثور على رفاته.

يُسيء هذا الوضع المعقد برمته إلى جميع معايير السلوك المتحضر، لدرجة أن بعض المتابعين للقصة أشاروا إلى أن السعوديين لا يمكن أن يكونوا قد خططوا لها بهذه الطريقة، وأنه كان هناك بعض التصرفات الفوضوية أو الخاطئة، أو أنه قد يكون هناك بالفعل «عناصر مارقة» وراء عملية القتل.

للأسف، أخشى أن هناك تفسيراً آخر للمسرحية الكبرى التي جرت في القنصلية – وهي أنها لم تكن حادثة غير متعمدة، بل كانت مقصودة تماماً. يبدو لي من المعقول أن هناك قدراً مقصوداً من المبالغة  في الرعب الذي أحاط بهذه الجريمة، وفي هذا السياق، يبدو من المرجح أن الدولة السعودية – أياً كان المسؤول في نهاية المطاف – قد قلدت خطط فلاديمير بوتين، ومحاولة قتل سيرجي ويوليا سكريبال.

عندما أرسل بوتين اثنين من سفاحي الاستخبارات العسكرية إلى سالزبوري، وأمرهما بوضع غاز الأعصاب «نوفيتشوك» على مقبض باب، مهدداً بذلك صحة الشعب البريطاني، كان ينقل إشارة عملاقة إلى الغرب – لكنه أيضاً كان يبعث برسالة إلى جميع معارضيه في كل مكان في الخارج. مهما كنت، وأينما كنت، يمكننا أن نصل إليك – وسنفعل أي شيء في سبيل ذلك، غير عابئين بالحماية التي تعتقد أنك تتمتع بها.

كانت تلك هي الرسالة المقصودة من خلال عملية سالزبوري الوحشية، وبالطبع، بذلنا في المملكة المتحدة قصارى جهدنا لتنظيم استجابة من المجتمع الدولي. حتى الآن، تم طرد 153 جاسوساً روسياً حول العالم – وهو أكبر عرض للتضامن الدبلوماسي على الإطلاق.  

لكني أتذكر خيبة أمل حكومة المملكة المتحدة، حتى في أعقاب الزيارة السعودية الناجحة، عندما لم تطرد السعودية العملاء الروس كما فعلت 27 دولة أخرى. وعلى الرغم من أن المسألة قد أثيرت مراراً وتكراراً منذ ذلك الحين – بل لقد أثرتها بنفسي مرة أخرى، خلال زيارة قمت بها مؤخراً لمقابلة ولي العهد – إلا أننا لم نصل إلى أي اتفاق. قال السعوديون إنهم قلقون للغاية من إلحاق الضرر بعلاقاتهم مع روسيا.

وعلى نفس المنوال من الملاحظ أن فلاديمير بوتين لم يجد في نفسه الرغبة حتى الآن في انتقاد المملكة العربية السعودية بسبب مقتل خاشقجي، وهو حدث يبدو أنه يلقي باللوم فيه على واشنطن. يبدو أن هناك تشابهاً في الأحداث بين ما جرى في سالزبوري وجريمة خاشقجي: مؤامرات ترعاها الدولة لإعدام معارضيها على أرض أجنبية، بقصد  إرسال تحذير علني مرعب إلى كل صحافي مغترب أو منشق يجرؤ على معارضة النظام.

 لا يمكن أن يصبح هذا نمطاً متكرراً، لا يمكننا السماح بذلك. نعم، علاقاتنا مع روسيا والمملكة العربية السعودية مختلفة جداً بالطبع. فلدينا شراكات تجارية وأمنية حاسمة مع السعودية، ويمكن القول إن ولي العهد – خادم الحرمين الشريفين – لا يزال يمتلك القدرة على إصلاح بلاده بطريقة يمكن أن تكون ذات فائدة كبيرة للعالم الإسلامي.

لكن يجب على المملكة المتحدة والولايات المتحدة أن تقودا دولاً أخرى لمحاسبة السعودية بشكل مناسب. يجب أن يتم تقديم الجثة. ويجب نشر الشريط الصوتي لعملية القتل الذي يقال إنه بحوزة السلطات التركية  – إن وجد. لا يمكن السماح بترقيع العدالة أو حرمان خاشقجي وعائلته منها على سبيل احترام الحساسيات السعودية. وينبغي على المملكة المتحدة أن تستعد لمعاقبة المتورطين في القتل الوحشي لهذا الصحافي أو السماح بحدوثه، لا سيما أن الصحافيين يتعرضون لعمليات القتل في أنحاء العالم بمعدلات غير مسبوقة.

والآن حان الوقت، أخيراً، لوضع أقصى قدر من الضغط على السعودية لتقوم بدورها من أجل إنهاء الحرب في اليمن. ففي مواجهة الكارثة الإنسانية المتزايدة، يجب على ولي العهد محمد بن سلمان المضي قدماً في الخطة التي اقترحها مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث: تسليم الحوثيين جزءاً من الحكومة وتخليص اليمن من النفوذ الإيراني في نفس الوقت. ويجب أن تبدأ المحادثات، حتى من دون وقف إطلاق النار.

لدى ولي العهد السعودي فرصة ليكون الأب الروحي للسلام، وينقذ بلاده من خطر الهجمات الصاروخية، وهذا هو الوقت المناسب بالنسبة له للتحرك. ترتبط بريطانيا والمملكة العربية السعودية بمصالح مشتركة وعلاقات ودية تاريخية. لكن في لحظات كهذه، مهمة الصديق هي أن يقول الحقيقة، والحقيقة هي أن قتل خاشقجي كان عملاً وحشياً، ونحن في بريطانيا نرفض أن نغض الطرف عنه.

بوريس جونسون هو واحد من السياسيين البريطانيين البارزين، الذي يعالج تقلبات الحياة بكتاباته التي لا يمكن كبحها. بدأ صعوده في صحيفة التلغراف، كمراسل للاتحاد الأوروبي ومحرر مساعد لاحقاً. منذ ذلك الحين، عمل كمحرر، وعضو في البرلمان، ورئيس بلدية لندن، وهو المحور الأساسي حملة بريكست، ومؤخراً وزير الخارجية. والآن هو خارج الحكومة، يستأنف تأملاته الصاخبة مرة أخرى على صفحات التلغراف.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Telegraph

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
ترمب غاضب ويهدد بمعاقبته وسُمعته باتت مشوّهة.. هل انتهى عهد محمد بن سلمان قبل أن يبدأ؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
اغتيال جمال خاشقجي عمل وحشي.. ويجب أن لا تفلت السعودية من عواقب فعلتها