مُناوِر محترف أربك العالم والسعودية.. كيف سيخرج أردوغان من أزمة خاشقجي وهو الرابح الأكبر؟
الإثنين, 10 ديسمبر 2018

الزعيم التركي المراوغ يتفوق على السعوديين في قضية خاشقجي

خبرة أردوغان في التعامل مع قضية القتل إعلامياً تُربك الخصوم العرب.

فضلاً عن إعلان الحرب الشاملة على آل سعود، من الصعب أن نتصور طريقةً أكثر فاعلية بالنسبة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لإلحاق هذا القدر من الضرر بمركز خصومه السعوديين على الساحة العالمية؛ تفوق براعته في تناول قضية جمال خاشقجي.

فمنذ لحظة اختفاء الصحافي بعد دخوله القنصلية السعودية في إسطنبول مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2018، أثبت أردوغان أنه مناوِرٌ محترف فيما يتعلق بالتعامل مع التغطية الإعلامية العالمية. صُممت التسريبات المتتابعة، التي ظهرت للعلن تدريجياً والتي تكشف عن المصير المروع لخاشقجي -الذي يُعتقد أنه عانى في أثناء موته- بمهارة بالغة؛ لإرباك السعوديين وإحراجهم لأقصى درجة.
وغني عن القول -نظراً إلى الأكاذيب الفجة والمعلومات المغلوطة المضللة الصادرة عن الرياض- أن السعوديين بالكاد نجحوا في تنفيذ ما أرادوه.
فبعد أن أصروا في البداية على أن خاشقجي غادر القنصلية بإرادته، ذكرت الرواية السعودية للأحداث مجموعة من التوضيحات والدلائل غير المقنعة بالمرة؛ بدايةً من الاقتراح القائل بأن خاشقجي، البدين الذي لا يتمتع بلياقة بدنية، قد قُتل في مشاجرة بالأيدي مع مسؤولين سعوديين، وصولاً إلى آخر ما ورد والذي يفيد بأن خاشقجي كان ضحية عملية استخباراتية «مارقة».

 

كان الهدف الأساسي للسعوديين، منذ البداية، هو حماية ولي عهدهم بالغ السطوة، محمد بن سلمان، الرجل النشيط كثير المشاغل البالغ من العمر 33 عاماً، والذي يقوم حالياً بالإشراف على البرنامج الإصلاحي الأكثر طموحاً، المضطلع به في تاريخ المملكة.
وفي المقابل، فإن هدف أردوغان هو التدمير النهائي العاصف بسمعة ولي العهد.

 

وبالحكم على الوضع الراهن، فإن أردوغان هو الرابح؛ إذ إنه مهما حاول السعوديون التحكم في سرد رواية مقتل خاشقجي، فقد قوَّض الرئيس التركي الماكر، جهودهم في كل مرة، والذي ببساطةٍ ما زال يُصدر المزيد من الادعاءات البشعة حول الكيفية التي ربما لقي بها الصحافيُّ السعوديُّ حتفه.
يعرف أردوغان جيداً كمَّ الاضطهاد الذي يمكن أن يتعرض له الصحافيون في العالم الإسلامي، وذلك بعد ترؤسه حملة إجراءات قمعية واسعة النطاق اتُّخذت ضد أي صحافي تركي أو منظمة إعلامية لديها ما يكفي من الشجاعة لانتقاد حكمه الاستبدادي.

وبناءً على ذلك، فهو يحظى بسيطرة شاملة مُسلَّمٍ بها تقريباً على وسائل الإعلام التركية الرئيسية، التي تُعدّ أداة قيّمة للغاية في هجومه المتواصل دون هوادة على منافسيه السعوديين.

في الواقع، يبدو أن أردوغان ومؤيديه في الصحافة التركية قد نجحوا في إقناع العالم كله بأن خاشقجي تعرض لأفظع أعمال القتل والذبح منذ اللحظة التي دخل فيها المُجمَّع السعودي في إسطنبول.

لكنهم  كانوا أقل رغبة في الإفصاح عن الأدلة الفعلية. لمحت وسائل الإعلام التركية، بقوة، إلى وجود تسجيلات صوتية ومرئية، حصلت عليها -بلا شك- من أجهزة التنصت التي زرعتها في مبنى القنصلية المخابرات التركية. ووعد أردوغان، بالفعل، بتقديم «التفاصيل الكاملة» حول وفاة خاشقجي.

 

لكن، عندما ألقى الزعيم التركي خطابه الذي طال انتظاره، الثلاثاء 23 أكتوبر/تشرين الأول 2018، أمام أعضاء البرلمان من حزبه الحاكم، لم يرِد ذكر الأشرطة الصوتية والمرئية الدامغة التي يُقال إنها بحوزة السلطات التركية. ولم ترِد أيضاً أي إشارة مباشرة إلى ولي العهد السعودي، الذي أشار الأتراك، بشكل غير رسمي، إلى أنه شارك مباشرة في إعطاء الإذن باغتيال الصحافي.

بدلاً من ذلك، سعى الزعيم التركي إلى زيادة الضغط على الرياض من خلال ادعاء أن موت خاشقجي كان «جريمةً سياسيةً»، خطط المسؤولون السعوديون لها مسبقاً.
يبقى أن نرى فحسب إلى متى يمكن أن يواصل أردوغان محاضرته في إدارة وسائل الإعلام المميزة والمُنفَّذة بمهارة وذكاء حاد. يَعِد السعوديون الآن بإجراء تحقيقهم الخاص بشأن تلك القضية، كما فصلوا بالفعل عدداً من المسؤولين رفيعي المستوى المتهمين بالضلوع في مؤامرة الاغتيال.

وبالطبع، كلما واصل الأتراك نشر التفاصيل المحيطة بمقتل خاشقجي، زاد احتمال مواجهتهم اتهامات بكونهم أكثر اهتماماً بالانتقام والثأر من السعوديين -وولي العهد على وجه الخصوص- من اهتمامهم بإيجاد حلٍّ لهذا الفعل الإجرامي البشع.
ففي النهاية، تناسِب فكرة إضعاف المملكة العربية السعودية -منافس تركيا الرئيس في فرض النفوذ على العالم الإسلامي السُّني- بشكلٍ كبير، طموح أردوغان، الساعي منذ أمدٍ طويل لجعل أنقرة هي المركز لخلافة إسلامية جديدة.
وبعد أن دمر، بشكل فعال، الآفاق العلمانية المؤيدة للغرب والتي تصورها كمال أتاتورك عندما أسس الدولة التركية الحديثة، يتعهد أردوغان بنشر طريقة الحكم الإسلامي القمعية التي فرضها على بلاده؛ في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

ولتحقيق هذه الغاية، موَّل عملية تشييد شبكة من المساجد في البلقان، واختار لنفسه موقع المؤيد المتحمس لجماعة لإخوان المسلمين، التي تولت لفترة قصيرة السلطة في مصر حتى أطيح بها في عام 2013.

وبعد الأحداث الأخيرة في إسطنبول، سوف يشعر أردوغان وأنصاره بالتأكيد أنهم خَطَوا خطوة مهمة نحو تحقيق هدفهم. تشهد صفوف المقاعد الفارغة خلال افتتاح «مبادرة مستقبل الاستثمار» في السعودية -أو ما يسمى مؤتمر «دافوس الصحراء»- على الإقصاء الدولي الذي تتعرض له الرياض في أعقاب قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي.
ومع ذلك، فإن من المستصوب ألا يقضي أردوغان على منافسيه الإقليميين حالياً. تُعدّ العائلة المالكة السعودية عُصبة مرنة وقادرة على التكيف، ولديها سجل موثوق من التغلب على الشدائد والمحن البالغة؛ يتبادر إلى الذهن، على سبيل المثال، محنٌ مثل: اغتيال الملك فيصل عام 1975، وهجمات 11 سبتمبر/أيلول. وبغض النظر عمّا لحق بهم من أضرار بسبب الأحداث الأخيرة في إسطنبول، ينبغي لأردوغان أن يفهم أن هناك احتمالية كبيرة بأن العائلة المالكة السعودية سوف تسود وتكون لها الغلبة مرة أخرى.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
تقرير وكالة الاستخبارات المركزية يُعقد الاستجابة الأميركية لقضية مقتل خاشقجي
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
الزعيم التركي المراوغ يتفوق على السعوديين في قضية خاشقجي