عمرها 22 عاماً وتسبب لهم الذعر.. لماذا تخشى إسرائيل هذه الشابة الأميركية تحديداً؟
الجمعة, 19 أكتوبر 2018

عمرها 22 عاماً وتسبب لهم الذعر.. لماذا تخشى إسرائيل هذه الشابة الأميركية تحديداً؟

في شهر مارس الماضي، وَصَفَنَا الكاتب أندرو سوليفان بأننا «متعصبان صهاينة بقدرٍ شبه جنوني». لقد كانت سبَّة رخيصة. لم يكن حريّ به أن يستخدم كلمة «شبه» في عبارته.

 

وخلافاً لهذا، فإننا بكل سعادة نقر بالذنب في هذه التهمة التي وجهها إلينا.

 

بيد أنه حتى الصهاينة المجانين يمكنهم توجيه النقد إلى السياسات الإسرائيلية، والقصة المتعلقة بلارا القاسم تضرب مثالاً على هذا.

 

لارا القاسم، الطالبة الأميركية ذات الأصول الفلسطينية والبالغة من العمر 22 عاماً، وصلت إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، 2 أكتوبر/تشرين الأول، بتأشيرة صادرة من إسرائيل من أجل دراسة الماجستير في الجامعة العبرية في القدس. لكنها لم تتمكن من أن تضع قدمها خارج المطار.

 

اعتقل مسؤولو الأمن الإسرائيليون لارا بسبب عضويتها السابقة في المجموعة الطلابية «طلاب من أجل العدالة في فلسطين»، التي تدعم مقاطعة الدولة اليهودية وتصفية الاستثمارات فيها واتباع سياسة العقوبات ضدها (كانت لارا رئيسة فرع المجموعة في جامعة كاليفورنيا). والآن تنتظر لارا جلسة استماع لترحيلها، بالرغم من جهود الجامعة العبرية ومجموعة أخرى من كبار الأكاديميين الإسرائيليين؛ كي يُسمح لها بدخول إسرائيل.

 

قال جلعاد أردان، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، إنها تستطيع دخول البلاد شريطة تخليها عن دعمها لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.

 

تعتبر لارا أحدث المنضمين إلى قائمة تطول من الزائرين إلى إسرائيل الذين واجهوا الترحيل أو المضايقات بسبب آرائهم السياسية.

 

في أبريل/نيسان، استجوبت كاثرين فرانك، وهي أستاذة في جامعة كولومبيا، ورُحِّلَت من إسرائيل بعد أن واجهت اتهامات (تنكرها الأستاذة كاثرين) بأنها من قادة منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام، وهي منظمة أخرى تؤيد المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.

 

وفي أغسطس/آب، تعرضت سيمون زيمرمان -وهي ناشطة أميركية يهودية تعيش في إسرائيل ومن مؤسسي مجموعة IfNotNow، وهي مجموعة تطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية- للتوقيف على الحدود الإسرائيلية لأكثر من 3 ساعات وخضعت لاستجوابٍ حول آرائها السياسية، بما في ذلك رأيها في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

 

وفي نفس الشهر، اعتُقل الكاتب المعروف بيتر بينارت، وهو صهيوني يساري، في مطار بن غوريون -كان في طريقه لحضور حفل بلوغ ابنة أحد إخوته، وهو تقليد يهودي يعرف بـ»بات متسفا»- واستجوب استجواباً مكثفاً حول آرائه السياسية. وقالت الحكومة الإسرائيلية إنه كان «خطأً إدارياً».

 

ليس اليساريون فقط هم من يُعتقلون. ففي يوليو/تموز، قال ماير كوبلو، رئيس هيئة جامعة برانديز، وهو محب للأعمال الخيرية يؤيد إسرائيل، إنه خضع لاستجواب عنيف في المطار بعد أن عثر المسؤولون الأمنيون في أمتعته على كتيب يحمل عنوان «This week In Palestine» (هذا الأسبوع في فلسطين) (فقد خرج في جولةٍ تعليمية إلى الضفة الغربية خلال رحلته).

 

لدى الإسرائيليين أسباب وجيهة لأن يروا في حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات صورة مبطنة من التعصب. إذ إن مقاطعة أعمال اليهود لها أصول سيئة على نحو خاص، تعود إلى ألمانيا النازية. فضلاً عن أن نفس النشطاء المهووسين للسعي لمعاقبة إسرائيل وعزلها لاحتلالها الضفة الغربية، نادراً ما سيكون لديهم نفس الشغف -إذا وُجِد من الأساس- تجاه الاحتجاج ضد الصين على احتلال التبت، أو ضد روسيا على احتلال القرم وشرق أوكرانيا.

 

وإنه لصحيح كذلك؛ لأن مجموعة «طلاب من أجل العدالة في فلسطين» حصلت على تمويلات ومساعدات أخرى من مجموعة تسمى «مسلمون أميركيون من أجل فلسطين«، التي يرتبط بعض قادتها بعلاقات مع مجموعات حظرتها وزارة الخزانة الأميركية لعلاقاتها مع حركة حماس الإرهابية. تسعى المجموعة لإنهاء احتلال إسرائيل «واستعمارها لجميع الأراضي العربية» بجانب «الترويج لحقوق اللاجئين الفلسطينيين من أجل العودة إلى منازلهم»؛ وهي لغة طالما ارتُئيت رمزاً مرادفاً لتفكيك الدولة اليهودية.

 

لدى إسرائيل، مثل جميع البلاد، الحق في حماية حدودها وتحديد من يُسمح له بالدخول والخروج. لكن إسرائيل أيضاً دولة تفتخر بأنها تتبنى الديمقراطية الليبرالية؛ وهي حقيقة تقطع شوطاً طويلاً في تفسير الدعم المستمر لإسرائيل بين الأميركيين اليهود وغير اليهود على السواء. إذا كانت الليبرالية تعني شيئاً، سيكون هذا الشيء متعلقاً بالتسامح الكبير مع الآراء التي نجدها حمقاء، وخطيرة، ومتناقضة مع آرائنا.

 

لقد صارت القضية حول مثل هذه الليبرالية في يومنا هذا براغماتية وذات ارتباط بالمبادئ. ومن الناحية العملية، لا يحقق طرد الزوار الذين يؤيدون حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات أي شيء يجعل إسرائيل أكثر أمناً. لكنه يعزز من تحامل هؤلاء الزوار (إضافة إلى مؤيديهم) على إسرائيل تعزيزاً شديداً، وكذلك يؤكد وصفها بأنها دولة بوليسية تمييزية. إذا كانت الحكومة الإسرائيلية مستاءة -ولديها الحق في ذلك- عندما تُفرض مقاطعةٌ من جانب الجامعات الأجنبية على الأكاديميين والمؤسسات الإسرائيلية، فإن أقل ما يمكنها فعله هو ألا تكرر سلوكهم غير الليبرالي.

 

لا يحقق اعتقال أشخاص مثل لارا القاسم فائدة كبرى لإسرائيل سوى أنه يبعث على اتجاه مثير للقلق بين الشباب الأميركي اليهودي، الذي يشعر بنفور متزايد من إسرائيل بسبب سياساتها المتشددة.

 

غير أن مسألة المبادئ في مواجهة السياسات الموتورة تحمل الأهمية الأكبر. لم تكن رؤية تيودور هرتزل لتأسيس دولة يهودية تعني تأسيس «دولة عرقية» قائمة على خيالات على شاكلة أفكار ستيفن بانون، بل كان يعني تأسيس مجتمع منفتح وتعددي. لا تزدهر المجتمعات الليبرالية من خلال طرد النقاد، بل من خلال التغاضي عن أفكارهم واستيعابها، ومن ثم إزالة أثره الضار.

 

فالمجتمعات التي تتجنب نقادها أو تطردهم لا تحمي نفسها بذلك. بل إنها تعلن عن وجود نقاط ضعف لديها. فهل الدولة اليهودية -التي تفخر ببراعتها وإبداعها وقدرتها على التكيف- لديها هذا القدر من الخوف من طالبة دراسات عليا من فلوريدا، تبلغ من العمر 22 عاماً؟

 

ها هي طريقة أفضل لإسرائيل كي تواجه منتقديها من الشباب، بمن فيهم هؤلاء الذين يدعمون المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات: ادعوهم إلى زيارة إسرائيل. بلا قيود، ولا مرافقين ولا محاضرات. ولعلهم سيجدون أن دوافع انحيازهم تترسخ في عقولهم. لكننا نظن أن عدداً ليس بقليل من بينهم -وهم هؤلاء القادرون على الإبقاء على عقولهم منفتحة وتقدير تعقيدات الحياة والسياسات في المنطقة- قد يجد أن آراءه قد تغيرت.

 

وكلما طالت مدة احتجاز لارا القاسم، تصير هذه الإمكانية أبعد عن التحقق.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
الأمر قد يصل للإطاحة بمحمد بن سلمان.. ما الذي يجب أن تفعله السعودية قبل فوات الأوان؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
عمرها 22 عاماً وتسبب لهم الذعر.. لماذا تخشى إسرائيل هذه الشابة الأميركية تحديداً؟