لم يستدعِ السفير السعودي ولم يكتب حتى تغريدة على تويتر.. ما الذي ينويه ترمب لمحمد بن سلمان؟
الأربعاء, 12 ديسمبر 2018

تجاهله ولم يستدعِ السفير السعودي ولم يكتب حتى تغريدة على تويتر.. ما الذي ينويه ترمب لمحمد بن سلمان؟

نادراً ما ينتظر الرئيس دونالد ترمب معرفةَ الحقائق قبل إصدارِه الأحكام. لكن حين تعلق الأمر باختفاء الكاتب السابق في صحيفة واشنطن بوست، جمال خاشقجي، الذي يُزعَم أنه قُتِلَ في القنصلية السعودية بمدينة إسطنبول التركية، فقد كان ترمب متحفظاً بشكل غريب.

بينما تمثلت ردة فعل نائب الرئيس، مايك بنس، في شجب «العنف ضد الصحافيين«، قائلاً إن «العالم الحر يستحق إجابات» ، فيما حذر الجمهوريون في الكونغرس من أن العلاقات مع السعودية سيُعاد النظر فيها. ودعمت وزارة الخارجية فتح تحقيقات في اختفاء خاشقجي.

 

لكن لم تصدر عن الرئيس عبارات غاضبة، ولم يُستدعَ السفير السعودي لطلب توضيحات. لم يصل الأمر حتى إلى مستوى تغريدة على تويتر.

 

كما تلقى الرئيس في المكتب البيضاوي، الثلاثاء -بعد قبوله استقالة السفيرة الأميركية إلى الأمم المتحدة نيكي هالي- أسئلةً من الصحافيين عما إذا كانت قد تحدَّث إلى السعوديين عن الأمر.

 

وأجاب: «لا، لم أتحدث إليهم بعد، لكنني سأفعل في وقتٍ ما».

 

في وقتٍ ما؟ رجاء افعل ذلك سيدي الرئيس، إن لم يكن عبئاً كبيراً. لقد اختفى الصحافي السعودي، الذي كان يعيش في ولاية فيرجينيا، الأسبوعَ الماضي، وقد نشرت صحيفة واشنطن بوست السبت الماضي أن المسؤولين الأتراك يعتقدون أنه قُتِل في مدينة إسطنبول داخل القنصلية السعودية، حليفتنا المفترضة.

وأضاف ترمب: «لا أعرف شيئاً الآن. أعرف فقط ما يعرفه الجميع: لا شيء» كما لو كان أقوى رجل في العالم والمدعوم بأجهزة استخبارات ضخمة، هو مجرد متلقٍّ سلبي من مستمعي «فوكس نيوز».

 

إن كان هذا يعني شيئاً، فهو أن فضول ترمب قد خفَتَ منذ الاثنين. فبالرغم من أنه صرَّح يومها بقوله: «لا أحد يعرف أي شيء عن الأمر (أي اختفاء الخاشقجي)»، لكنه على الأقل أوضح حينها أنه «قلِق» وقال: «لا يعجبني الأمر» (لقد كان أكثر وضوحاً وإسهاباً في جوابه عن السؤال التالي المتعلق بسياسات تايلور سويفت).

أحقاً لا يعرف ترمب شيئاً؟ أم أنه لا يريد أن يعرف؟

 

لو كان صحيحاً ما قاله المسؤولون الأتراك لنظرائهم الأميركيين، حول أن جثة خاشقجي -أحد منتقدي الحكومة السعودية- قد مُزِّقت وأُخرِجت من القنصلية في صناديق ليجري ترحيلها خارج تركيا قطعةً قطعةً، فإن هذا يوضح أن ترمب قد استغفلَه نظامٌ سعودي طالما أغدَقَ ترمب عليه المودة.

 

فقد وصف منذ أسبوعين فقط في الأمم المتحدة الملكَ سلمان بأنه «شخص عظيم»، ومدح «الإصلاحات الجريئة الجديدة» في المملكة. وقد سمحت إدارتُه مسبقاً بَيعَ معدات عسكرية أميركية بمليارات الدولارات إلى السعوديين. وقال ترمب في مارس/آذار: «تجمعنا حقاً صداقة عظيمة». وقد قال مقارناً العلاقة الحالية بسابقتها التي كانت «بالغة التوتر تحت إدارة أوباما» إن «العلاقة الآن على الأرجح في أفضل حالاتها على الإطلاق، وأعتقد أنها لن تزداد إلا متانةً».

 

لكن اختفاء خاشقجي يكشف بوضوح عن اللاأخلاقية المُطلَقة للسياسة الخارجية التي يتبعها ترمب، وهي سياسة صفقات تليق بمطور عقاري، لا قوة عظمَى. فإذا تودَّدَ إليه القادةُ أحبَّهم، بغض النظر عما يقومون به. أما إذا انتقدوه فإنه ينبذهم، ولو كانوا حلفاء.

 

لقد اشترت الحكومة السعودية صداقتَها مع ترمب عبر صفقة عسكرية واستثمارات أجنبية وبذخ في احتفالات استقباله عند زيارته للمملكة عام 2017، إضافة إلى العناية بالاهتمامات الشخصية لترمب. (وبالتأكيد لم يضر الإنفاق السعودي السافر في فنادق ترمب) ولذا عرَّف ترمب السعوديين باعتبارهم أصدقاءَه، بعد أنْ داعبَ هذا غرورَه.

 

وطَّد ترمب علاقته مع كثير من الفاعلين السيئين.

 

ففي الأمم المتحدة، وصف ترمب ديكتاتورَ مصر عبدالفتاح السيسي بأنه «صديقَه العظيم«، رغم أن حكومة السيسي كانت قد ألقت لتوها القبضَ على ابنَي الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، في خطوة لحقت حملةً قمعيةً واسعة.

 

وفي الأمم المتحدة أيضاً، امتدَح ترمب «شجاعةَ» الديكتاتور الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وقد أخبر مؤيديه مؤخراً أنه وكيم قد «سقطا في الحب»، بغض النظر عن أن كيم لم يقم سوى بالقليل من الخطوات الملموسة باتجاه نزع السلاح النووي، وأن بعض التقارير تقول إنه شن حملةً قمعية ضد السلوكيات «غير الاشتراكية»، بما في ذلك قصات الشعر غير المعتمَدة.

 

والأبرز مِن كل هذا أن ترمب قد فضَّل تبنّي رأي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ما تقوله الاستخبارات الأميركية، وقد ترددَ في الانضمام إلى بريطانيا الحليفة حين اتهمَت حكومةَ بوتين بالقيام بهجوم كيماوي داخل الأراضي البريطانية.

 

إلا أن مقتل خاشقجي، لو تأكد هذا، سيكون اختباراً لحدود لا أخلاقية ترمب. نعلم أن حقوقَ الإنسان ليست حجر الأساس في سياسته الخارجية، لكن هل يمكن حتى أن تظهر في الواجهة؟

 

لقد أدارَ ترمب وجهه بالفعل حين قامت المملكة العربية السعودية باختطاف رئيس الوزراء اللبناني، وافتعال مواجهة مع قطر، والتسبب بمذابح في الحرب الأهلية اليمنية. وفي أغسطس/آب المنصرم، وبعد أن أسفر هجوم صاروخي سعودي عن قتل العشرات من أطفال المدارس، أجاب مسؤول أميركي على أسئلة الصحافيين عن الدور الأميركي في الهجوم قائلاً: «حسناً، أيُّ فرقٍ يُحدِثه هذا؟».

 

بالمثل، فإن مِن العدل أن نتساءل عما إذا كانت ممارسات ترمب بتصنيف الصحافيين «أعداءَ الشعب» قد شجعَت أولئك الذين تقول التقارير إنهم قتلوا خاشقجي، وأولئك المسؤولين عن الحملات القمعية المتجددة على الصحافة حول العالم. لقد أورَدَت لجنة حماية الصحفيين تقاريرَ عن زيادة بنسبة 50٪ في حالات قتل الصحافيين هذا العام، رغم أنه ما زال هناك 3 أشهر حتى نهايته.

 

«أيُّ فرقٍ يُحدِثه هذا؟».. الكثير!

 

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية.

 

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
تجاهله ولم يستدعِ السفير السعودي ولم يكتب حتى تغريدة على تويتر.. ما الذي ينويه ترمب لمحمد بن سلمان؟