محاط بأصدقاء محبطين ويشعرون بالكآبة دائماً؟ هكذا تستطيع أن تحمي حالتك النفسية منهم
الجمعة, 19 أكتوبر 2018

محاط بأصدقاء محبطين ويشعرون بالكآبة دائماً؟ هكذا تستطيع أن تحمي حالتك النفسية منهم

الأوقات الصعبة يمكن أن تُشكل مصدر إحباط واكتئاب للجميع، ولكن رُبما ليس بالنسبة لك. قد يشعر شريكك أنَّه غير سعيد حيال الوضع المادي غير المستقر في الأسرة، أو بسبب الخلافات المستمرة مع الأبناء أو الأصهار، أو زملاء العمل. وقد يحزن آخرون ممن هم في دائرة علاقاتك بسبب الأحداث التي تظهر في الأخبار؛ ورُبما يعتريهم الخوف من كون زعماء بلدهم لا يكترثون لهم ويتخذون قراراتٍ سيئة بإمكانها أن تؤثر في قدرتهم على الازدهار. وربما يحملهم نقل أخبار الفيضانات أو الأعصاير أو الزلازل أو حوادث هجوم ناري على الشعور بالحزن للضحايا، أو الشعور بالضعف والهشاشة إذا وقعت تلك الأحداث لهم شخصياً أو لأحد أفراد أسرهم. ويبدو أنَّ كل ما تتحدث عنه مع هؤلاء الأفراد مُشرَّبٌ بالسلبية والتشاؤم، لتُنهي المحادثة وأنتَ تتساءل كيف يمكنك أن تحافظ على حس التفاؤل بداخلك. يُشير بحثٌ جديد إلى طريقة مدهشة لحماية حالتك المزاجية من الانهيار بسبب سلبية الآخرين، بينما يساعدهم في الوقت نفسه على التعامل مع مشاعرهم السلبية.

 

وفقاً للوسي مكغويرك، الباحثة في جامعة ساوث ويلز في أستراليا، وزملائها (2018) فإنَّ الطريق إلى السعادة ربما يستلزم، للمفارقة، ألَّا تفكِّر في السعادة على الإطلاق. وتؤكد هي وزملاؤها الباحثون أنَّ العرف الاجتماعي الذي يعتبر السعادة أفضل طريقة لعيش حياة مُجزية له جانبٌ سلبي: «على الرغم من أنَّ وضع قيمة وأهمية للسعادة قد يكون أمراً مفيداً حين نشعر بالسعادة، فهل يمكن أن تكون هذه المناخات الثقافية هي ما يؤدي إلى تفاقم تجاربنا العاطفية السلبية؟» بعبارة أخرى، يُمكن لشعورك بضرورة أن تكون سعيداً أن يخلق في حد ذاته حالة من التعاسة، تضر بدورها بصحتك النفسية.

 

إنَّ كشف زيف أسطورة السعادة سيكون له تبعات على حالتك النفسية حين يكون الأشخاص من حولك مضغوطين ومكتئبين وغاضبين. فأنت تشعر بأنهم يؤثرون على مزاجك الجيد، ما يؤدي بدوره إلى شعورك بالامتعاض والقلق. وتقلق أيضاً من أنَّ عدم شعورك بالسعادة في ثقافةٍ تُقدِّر الشعور بالاغتباط أمرٌ سيئ. وعلاوة على ذلك، فافتقارك إلى التعاطف مع مشاعرهم بإمكانه جعل تجربتهم الداخلية أكثر إيلاماً. فهم يرغبون في أن يُصغَى لهم، لكنَّك لا تريد الاستماع.

 

استهدفت الدراسة التي أجرتها لوسي ومساعدوها اختبار المشكلات التي يعايشها الأفراد حين «تُصبح السعادة هوساً ثقافياً» (صفحة 755). وعلى حد تعبير المؤلفين، فإنَّ الترويج المُفرط للسعادة يُصبح بمثابة هزيمة ذاتية؛ فحين يتوقع الناس أن يكونوا سعداء، فهم في الحقيقة ليسوا كذلك. والنقطة الثانية هي أنَّه يمكن أن يصبح الناس مُتخوفين بشكلٍ مُفرط وبلا داعٍ حين يكونون في حالة مزاجية سلبية، فيشعرون بأنَّهم ليس بمقدورهم الارتقاء إلى «القيم الاجتماعية البارزة والمنشودة» (صفحة 756)، وبالتالي يشعرون بالفشل.

 

تعتقد الباحثة الأسترالية وزملاؤها الباحثون أنَّ السبيل إلى تجنب الضغط الاجتماعي للشعور بالسعادة طوال الوقت هو أن تكون قادراً على تجنب التوقع بالشعور بها. حين تقتنع أنَّ عليك أن تكون سعيداً؛ لأن المجتمع يُخبرك بضرورة أن تكون كذلك، فلا تسمح لنفسك بالشعور بالتعاسة بسبب الميل إلى اجترار الأحزان والتفكير في مواطن القصور لديك. ومن ثمَّ، ينبغي أن يساعدك تجنب التفكير على حماية نفسك من الشعور بالحزن بسبب حالتك المزاجية السلبية، أو الأشخاص في حياتك. اختبر المؤلفون هذا الافتراض في دراستين تبحثان العلاقة بين الترويج للسعادة، والاجترار الأفكار السلبية والعافية.

 

في الدراسة الأولى، استخدمت لوسي وآخرون تصميماً تجريبياً للتأثير في توقعات السعادة بين ثلاث مجموعات تضم حوالي 40 فرداً من طلاب السنة الأولى في مجال علم النفس. في مجموعة واحدة، أكمل المشاركون مهمةً من شأنها تحفيز الحالة المزاجية السلبية في سياقٍ يُؤكد أهمية الشعور بالسعادة في غرفةٍ مزينة بكتبٍ وملصقات تحفيزية، وبصحبة مُختبِرٍ مرح للغاية. قاد الباحثون المشاركونَ إلى الشعور بأنَّهم فشلوا من خلال إعطائهم مهمة مستحيلة بتكوين الكلمات من خلال تدبيل مواقع الحروف، ثم أخبروهم بأنَّهم كان عليهم أن يحققوا نتيجة أفضل. وفي المجموعة الثانية، أكمل المشاركون نفس المهمة المُرهِقة في غرفةٍ تحتوي على ديكورات مُحايدة.

أما في المجموعة الثالثة، كان المشاركون في غرفةٍ بديكورات محايدة أيضاً، ولكنَّهم لم يُدفعوا للشعور بأنَّهم فشلوا نتيجة إخبارهم بأنَّ المهمة كانت صعبة. وأعقبت مناورة الفشل/عدم الفشل مهمة اجترارٍ، حيث طلب فريق البحث من المشاركين القيام بتمارين تنفس تستغرق 5 دقائق مع مقاطعتهم 12 مرة وطلب توضيح ما كانوا يفكرون به. أشار المشاركون إلى أنَّهم عايشوا حالة اجترار عالٍ إذ قالوا إنَّهم كانت لديهم أفكاراً سلبية، ووجدت حالة اجترارٍ أعلى بسبب شعور بالفشل لدى بعض المشاركين الذين ذكروا أنَّ تلك الأفكار السلبية كانت متعلقة بلعبة تكوين الكلمات. وأكمل المشاركون أيضاً مقياس تقييم الحالة المزاجية قبل خوض التجربة وبعدها.

 

وكما توقَّع المؤلفون، كان المشاركون أكثر عرضة للدخول في حالة الاجترار مرتبطة بلعبة تكوين الكلمات، حين كانوا في الغرفة ذات الديكور المبهج وتحت تأثير الإيحاء إليهم بالشعور بالفشل أكثر من غيرهم في الغرفة المحايدة أو من كانوا في غرفة محايدة ولم يتعرضوا للإيحاء لهم بالشعور بالفشل. وبعبارةٍ أخرى، خلق التعرُّض لحالة أو موقف حيث تُعامل فيه السعادة باعتبارها العُرف الاجتماعي ثم الفشل في تحقيقها، لدى المشاركين شعوراً بالاضطراب لم يتمكنوا من تخطيه بنجاحٍ. وعلاوةً على ذلك، فالميل إلى الانخراط في الاجترار المرتكز على مهمة تكوين الكلمات كان بدوره مرتبطاً بالتصنيفات السلبية التي أعطاها المشاركون لتقديرات حالتهم المزاجية بعد المهمة.

 

استخدمت الدراسة الثانية نهجاً ارتباطياً حيث سجَّلت عينة مكونة من 227 شخصاً بالغاً عبر الإنترنت (متوسط أعمارهم 21 عاماً) التكرار والحدة التي عايشوا بها 4 مشاعر سلبية («متى تشعر بالاكتئاب/الحزن/القلق/الضغط، وكيف عايشت هذا؟)، والتوقعات اجتماعية المتعلقة بالمشاعر السلبية (على سبيل المثال، أعتقد أنَّ المجتمع يقبل الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب والقلق)، والميل إلى الاجترار، وقياس معياري لأعراض الاكتئاب. كما فُرضت ضوابط أخرى لاستبعاد دور القلق الاجتماعي بشكل عام، والرغبة في إعطاء ردود مقبولة اجتماعياً، بالإضافة إلى الشخصية.

 

أكدَّت نتائج الدراسة الاستقصائية ما خلصت إليه الدراسة التجريبية، موضحةً أنَّ الأشخاص الذين شعروا بضرورة أن يبدو سعداء وغير قلقين بسبب التوقعات الاجتماعية كانوا أيضاً أكثر عرضة للاجترار حين يعانون من المزاج السيئ. تلك التوقعات الاجتماعية، كما يرى المؤلفون، يمكن أن تتبدَّل بحيث إذا شعرت بالسعادة حين يكون متوقعاً منك أن تشعر بالحزن، فستشعر بأنَّ هناك خطباً ما. ومع ذلك، فإن الإلحاح على ضرورة أن تكون سعيداً بسبب التصورات الثقافية التي ترى أنَّ الناس «ينبغي» أن يكونوا سعداء تُقدم معياراً اجتماعياً له تأثير قوي على الناس أكثر من المعيار الذي يشير إلى أنَّ الناس ينبغي أن يكونوا تعساء وغاضبين ومُجهدين. وبعبارةٍ أخرى، حين تكون غير سعيد في ثقافة تُقدِّر السعادة أكثر من أي شيءٍ آخر، فالتعمق بالتفكير في شعورك السلبي سيؤدي، للمفارقة، إلى تفاقم شعورك بالتعاسة أكثر وأكثر.

 

وبالعودة إلى السؤال عن كيفية الحفاظ على شعورك بالسعادة حين لا يكون الآخرون من حولك سعداء، في ثقافةٍ تُشدد على ضرورة السعادة، تُشير الدراسة إلى أنَّك تبذل جهداً واعياً لتجنب اجترار مشاعرك الداخلية «المنحرفة» فيما يتعلق بالأشخاص من حولك. يتوجَّب عليك أيضاً السماح لنفسك بمشاركة الآخرين مشاعرهم السلبية دون الانغماس أو الانشغال أكثر من اللازم بأي مشاعر سلبية تواجهك. أما الخطوة التالية فهي التكيف مع تجربة الأناس الذين يعبرون عن تعاستهم واعتباره أمراً طبيعياً. أظهر لهم أنَّك تقبل مشاعرهم كما هي بدلاً من جعلهم يشعرون شعوراً سلبياً تجاه أنفسهم. كلما قللت، أو أي شخص آخر، من الانخراط في التفكير في المشاعر السلبية بطريقةٍ سطحية وغير فعَّالة، زادت حدة شعورك (وشعور من تهتم لأمرهم) بها ومعايشتها.

 

ـ هذا الموضوع مترجم عن مجلة Psychology Today الأميركية.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
كيف يمكن لترامب بيع أسلحته للسعودية الآن؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
محاط بأصدقاء محبطين ويشعرون بالكآبة دائماً؟ هكذا تستطيع أن تحمي حالتك النفسية منهم