لن يصبح أفضل لاعب في العالم حتى يركز في هذه الأمور.. محمد صلاح أشبه بسيارة خارقة تنقصها عجلة
الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018

لن يصبح أفضل لاعب في العالم حتى يركز في هذه الأمور.. محمد صلاح أشبه بسيارة خارقة تنقصها عجلة

عند مشاهدة محمد صلاح وهو يقوم بالإحماء قبل المواجهة أمام مانشستر سيتي، تندهش من الخلل البادي عليه بالتحديد. عادةً ما تكون رؤية نخبة الرياضيين عن قربٍ صادمةً، فكأنها لحظةٌ من النفوذ إلى باطن سلالةٍ أرقى من البشر. على سبيل المثال، عند مشاهدة مهاجم توتنهام الإنكليزي هاري كين وهو يتدرَّب على التسديد قبل مباراته في دوري الأبطال باستاد سان سيرو الإيطالي منذ أسبوعين، تُذهِلك مدى براعة كين المدهشة في المهارة الأساسية المطلوبة لتوجيه الكرة بدقةٍ داخل أضيق المساحات.

ولكن لا ينطبق هذا على صلاح. فعوضاً عن هذا، كان يتعثَّر ويزلُّ ويخطئ ويصيب اللوحات الإعلانية. في النهاية هزَّ كتفيه وسار مبتعداً، غير منزعج. ولكن صلاح يختلف عن أيِّ لاعبٍ آخر في أمورٍ كثيرةٍ. وقد كان مختلفاً عن أيِّ لاعبٍ آخر الموسم الماضي كذلك، أثناء فترة سطوع نجمه الجنونية حين بدا من المحال له أن يخطئ المرمى. وكان مختلفاً عن أيِّ أحدٍ آخر على أرض ملعب أنفيلد ظهيرة يوم الأحد 7 أكتوبر/تشرين الأول، إذ كان رجلاً يبدو محتفظاً بقدرته على اختراق المساحات بسهولةٍ حتى مع استمراره في إهدار الفرص، وكأنه من الأعيان المبذِّرين للأموال.

في نهاية هذه المباراة الفاترة، المشحونة في بعض أوقاتها والتي انتهت بالتعادل السلبي، كان صلاح من أواخر اللاعبين الذين غادروا أرض ملعب أنفيلد. ورأينا مصافحةً بينه وبيب غوارديولا في دائرة منتصف الملعب، لم تكن تعزيةً، ولم تكن تعاطفاً. ومع اقترابه من نفق اللاعبين، تباطأ صلاح في مشيته ونَظَرَ مِن حوله، يبدو على وجهه السأم.

كان أداءً يصيبك بالذهول من صاحب لقب أفضل لاعبٍ في الموسم الماضي. هذا هو الرجل الذي جارى ليونيل ميسي في إحراز الأهداف لمدة سنةٍ واحدةٍ، لكنه الآن قد أحرز أربعة أهدافٍ في آخر 16 مباراةٍ شارك فيها، وهدفاً واحداً في آخر سبعٍ، وصفراً من الأهداف في آخر أربعٍ. فلا شك في أن التهامس بانتقاد صلاح سوف يستمر، في ظلِّ ردود فعلٍ متباينةٍ، بعضها تعاطفٌ مع لاعبٍ يبدو فقط أنه يمرُّ بكبوةٍ، وبعضها تسليمٌ بأن الموسم الماضي لن يتكرَّر مجدداً، وبعضها الآخر يرى أن ما نشهده هنا هو أكبر خدعةٍ مصريةٍ منذ لعنة مقبرة توت عنخ آمون.

المستوى المتذبذب بالتأكيد ليس بشيءٍ غير مسبوقٍ. ولكن حالة صلاح الغريبة أكثر إثارةً للاهتمام إلى حدٍّ كبيرٍ. سيكون من الخطأ أن نفترض أنه أدَّى مباراةً سيئةً. بل كانت مباراةً عجيبةً، مباراةً متناقضةً كاد يصل فيها إلى مبتغاه لكنه فشل. من الخطأ أن نقول إن صلاح كان مختفياً أو إن أداءه كان باهتاً. بل على العكس، كان ظاهراً بوضوحٍ، ويزرع نفسه في بؤرة كلِّ هجمةٍ واعدةٍ من ليفربول، ولكن هنا كان يفقد تركيزه، ويصير رجلاً عاجزاً عن تذكُّر ما يجيد فعله حين يفعل ما يفعله.

ولكن على الجانب الآخر، فإن صلاح لاعبٌ فريدٌ من نوعه من شتى النواحي. فهناك عدم توازنٍ في موهبته، كأنه سيارةٌ خارقةٌ ذات عجلةٍ متقلقلةٍ على أحد جانبيها. فليس من المفترض أن يكون اختراق المساحات وخداع المدافعين بهذه السهولة. ولكن صلاح يجعل الأمر يبدو كنزهةٍ في الحديقة. فلو كانت قدرته التهديفية حاضرةً لأحرز هاتريك في لقائه أمام تشيلسي. وفي هذا اللقاء، أطاح الكرة بعيداً في أولى تسديداته بعد مرور 4 دقائق، بعد أن خلق لنفسه مساحةً من خلال اندفاعه -السهل بالنسبة له- وراء إيميريك لابورتي.

وفي الدقائق الأولى من الشوط الثاني وجد مساحةً شاسعةً على نحوٍ غريبٍ في وسط منطقة الجزاء المزدحمة، لكنه وجَّه تسديدةً بمشط القدم نحو الحارس إيدرسون مباشرةً. وبعدها ركض صلاح ليلحق بتمريرة آندي روبرتسون الطويلة، وعدَّل وضعه، ونظر إلى أعلى، ومال بجسده ثم أطلق الكرة فوق العارضة بأميال، وليس فوق العارضة فقط بل كانت التسديدة بعيدةً عن القائم كذلك، تسديدةً فظيعةً بكل المقاييس.

هذه هي مفارقة صلاح. إذ كان مرةً أخرى أفضل مهاجمي ليفربول. ولكن يقتصر ملخص لمساته في اللقاء على سلسلةٍ من الأخطاء والعثرات، فتراه لاعباً صاروخياً ثاقباً حتى يكون في مواجهة المرمى، حينها يصبح رجلاً ذا قدمين من الخشب.

قبل بداية اللقاء، كانت هناك موجةٌ ساريةٌ من الترقُّب حول مدرَّجات أنفيلد الرمادية الصاخبة. ففي أيامٍ كهذه تعمّ الضوضاء أرجاء مناطق الوقوف المكسوة في بهاءٍ بالرايات والأعلام، باعثةً قوَّة مدرجات الطبقة الواحدة بأكملها كالسهم نحو أرض الملعب.

ولكن كان الواقع مختلفاً بعض الشيء في هذا الحدث. فبالنسبة إلى مواجهةٍ في الدوري الإنكليزي الممتاز بين قوتين هجوميتين من أعتى القوى بين جميع الفرق، كانت مباراةً مملةً خاليةً من الهجمات. ومع مرور الشوط الثاني المختنق، كان ليفربول بأمسّ الحاجة إلى انطلاق أحد لاعبيه من منتصف الملعب لاختراق الخطوط الأمامية. وكان جوردان هيندرسون يندفع نحو الأمام بعزمٍ ولكن دون أية خطورةٍ تُذكَر، فكان يهبد قدميه مستقيم الظهر كقائد مشاةٍ يسير بين صفوف جيشه.

وقبل إطلاق الحكم صافرته بست دقائق، بدا أن اللحظة الحاسمة قد جاءت. إذ سقط البديل الذي شارك متأخراً، ليروي ساني، أثناء مراوغته الدفاع على الجانب الأيسر من منطقة الجزاء. ووضع رياض محرز الكرة على علامة الجزاء، ووقف مركِّزاً، وسار متأنياً نحو الكرة، ثم أطاحها بعيداً فوق المرمى حتى أوشكت أن تصيب الصف العلوي من المدرجات. كان تنفيذاً مريعاً لضربة جزاءٍ، أداءً شبيهاً بوقفةٍ احتجاجيةٍ عبثيةٍ لرجلٍ واحدٍ ضد الواقع اليومي لهدف فوزٍ في الدقيقة الـ85 ظهيرة يوم الأحد عند اقتراب غروب الشمس، ورحلةٍ طويلةٍ إلى الديار ثم العمل صباح الغد.

من هنا نأمل أن يواظب صلاح على المحاولة. فمع أن فكرة تغلُّبه على لوكا مودريتش وكريستيانو رونالدو وليونيل ميسي ليفوز بالكرة الذهبية لأفضل لاعبٍ في العالم بدت وهميةً بعض الشيء، يظلُّ صلاح لاعباً هجومياً مبدعاً صنع 3 أهدافٍ في الدوري الممتاز منذ فبراير/شباط الماضي. لكن الغرابة هي أن تشعر بأنه رجلٌ يعمل وفقاً لقواعده الرياضية الخاصة، ما زال يجد المساحة على طريقته، ويلعب وفق توقيته الخاص، ويرى المرمى نصب عينيه.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
لن يصبح أفضل لاعب في العالم حتى يركز في هذه الأمور.. محمد صلاح أشبه بسيارة خارقة تنقصها عجلة