مضاوي الرشيد: ما الأسرار التي يعرفها جمال خاشقجي ليُخيف النظام السعودي بهذا الشكل؟
الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018

اغتالوه بنفس نهج إسرائيل في اغتيال القادة الفلسطينيين.. ما الأسرار التي يعرفها خاشقجي ليُخيف السعودية بهذا الشكل؟

مازال الغموض يكتنف اختفاء الكاتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي بعد مرور أسبوعٍ على زيارته قنصلية النظام السعودي في إسطنبول بتركيا للحصول على وثائق لإتمام زواجه من سيدة تركية.

لا تتعلق قضية خاشقجي بمجرد اختفاء ينتقد الحكومة، وربما قتله. ولكنها تتعلق بتصفية مُعارض منشق من داخل الأروقة المظلمة للبلاط الملكي في السعودية. لذا، فقد اكتسبت القضية أهميةً وغموضاً أكثر من أي قضية أخرى مشابهة لها.

وعلاوةً على ذلك، فإن الحادث لا يتعلق بمجرد نظامٍ قمعي نجح في تصفية منتقديه في الخارج أثناء شن حملة اعتقالات واسعة داخل البلاد. فالعديد من الأنظمة الدموية تقوم بمثل هذه الممارسات في جميع أنحاء العالم. في العالم العربي نجحت فرق الموت تحت قيادة الرؤساء وأولادهم السفاحين في استهداف المعارضين في الخارج.

أتقنت إسرائيل هذا الفن وبرعت به، فاغتالت العديد من القادة الفلسطينيين في باريس، ولندن، وبيروت، وتونس، ودبي.

 

لا يوجد دليل قاطع

ظهرت روايتان، لا تقدم أي منهما دليلاً قاطعاً على ما حدث للصحافي الذي أصبح -منذ عامٍ واحدٍ فقط- منتقداً صريحاً للنظام السعودي، خصوصاً ولي العهد محمد بن سلمان.

ذكرت الشرطة التركية أنَّ خاشقجي قُتل داخل القنصلية. وبالطبع، نفى السعوديون هذا الاتهام على الفور، بل اقترحوا السماح للشرطة التركية بالدخول إلى المبنى، وعرضوا فيما بعد إرسال فريق تحقيق للمساعدة في العثور على الصحافي المفقود.

قد لا نكتشف أبداً ما حدث لجمال خاشقجي، لكن قضيته ستظل فضيحة مروّعة للغاية تشوّه سمعة ولي العهد لفترةٍ طويلةٍ جداً.

ورغم كل الدلائل، يفرق كثيرٌ من المحللين الغربيين بين الجمهوريات العربية والمملكة السعودية، ويعتبرون أنَّ المملكة تتبع أسلوب الترغيب أكثر من الترهيب حينما يتعلق الأمر بمعارضيها. ويعتقدون أن استمالة المنشقين بدلاً من القضاء عليهم استراتيجية ملكية حكيمة تجاه المعارضة.

 

حالةٌ فريدةٌ

هذه الصورة المضللة لم تكن أبداً حقيقيةً في الماضي. فمن اختطاف المنشق السعودي ناصر السعيد في بيروت عام 1979 إلى اختفاء جمال خاشقجي، يثبت النظام السعودي أنه لا يرحم كغيره من الأنظمة الديكتاتورية في جميع أنحاء العالم. والفرق الوحيد هو أن السعوديين يفلتون من العقاب على جريمة القتل.

هناك 3 أسباب تجعل اختفاء خاشقجي حالة فريدة من نوعها:

أولاً، ليس خاشقجي معارضاً عادياً، فهو ليس شخصيةً مهمشة تحركه أيديولوجيةٌ وتمردٌ ضد المملكة. لم يكن خاشقجي ليبرالياً أو إسلامياً، فقد كان مدافعاً مُفوَّهاً عن المملكة بطريقة عذبة ومهذبة. تميزَّت دائماً تحفظاته على السياسات السعودية بالتسامح والموضوعية.

انتقد الرجعية الدينية ودعا إلى قدرٍ أقل من السيطرة الدينية والمزيد من الحريات الشخصية. لم يتخيل أبداً المملكة العربية السعودية دون حكام آل سعود، داعياً دوماً إلى مزيد من التسامح مع التنوع في البلاد وتقاليدها الدينية.

قدّم نفسه على أنه قوميٌّ سعوديٌّ يسعى إلى سعوَدة الاقتصاد، وخلق المزيد من فرص العمل للشباب السعوديين، وتقليل الاعتماد على الدعم الأجنبي.

تبنّى خاشقجي إصلاحات ولي العهد محمد بن سلمان الاجتماعية الأخيرة التي طال انتظارها، وأشاد بالمساواة المزعومة بين الجنسين التي جاءت مع السماح للنساء بقيادة السيارات. أصر خاشقجي دائماً على أنه ليس شخصيةً معارضةً بل صحافيٌّ يريد أن يواصل الكتابة.

لكن أصبح هذا صعباً حين تم منعه من الكتابة في وسائل الإعلام السعودية المختلفة. أصر على أن هذا أمرٌ لا يمكن تجاوزه، وفجأةً ظهر في واشنطن وبدأ في كتابة أعمدة الرأي في صحيفة واشنطن بوست، وهو امتياز يستمتع به عدد قليل من المعارضين السعوديين.

مقرب أكثر مما ينبغي من دوائر السلطة

ثانياً، كان خاشقجي مقرباً جداً للسلطة لعقود عديدة من الزمن. ربما يعني ذلك اطلاعه على الكثير من المعلومات. وكان لديه اتصال بالأمير تركي الفيصل، المدير السابق للمخابرات السعودية، عندما كان مستشاره في لندن وواشنطن، حيث كان الأمير سفير السعودية في كلا البلدين لفترةٍ وجيزةٍ.

لا بد وأن خاشقجي كان على دراية بقدر كبير من المعلومات، لكنه حافظ على هذه الأسرار دون أن يكشف عن أي معلوماتٍ حساسةٍ للعامة، حتى عندما عاد إلى واشنطن قبل عام ليعلن عدم رضاه عن التحول الأخير في الأحداث تحت قيادة محمد بن سلمان.

في السابق، كان مقرباً من الأمير الوليد بن طلال، الذي اختاره لرئاسة محطة تلفزيون العرب الجديدة في البحرين، وهو المشروع الذي استمر لمدة ساعتين قبل أن يتم إغلاقه إلى الأبد تحت ضغط من النظام السعودي.

كان خاشقجي موالياً موثوقاً به إلى أن أصبح محمد بن سلمان المتحكّم الوحيد في المملكة العربية السعودية عام 2015. وبدأت الأمور تسوء على خاشقجي مع تغيير أمير مدينة الرياض. فاختلف مع النظام السعودي وفضّل المنفى الاختياري في واشنطن.

 

لماذا اختار واشنطن؟

لكنّ واشنطن ليست بالمكان الذي يريد النظام السعودي أن يهرب معارضوه إليه. فهي عاصمة النقاد وجماعات الضغط، لذا يجب أن تظل خاليةً من الآراء النقدية المحترمة مثل آراء خاشقجي التي يمكن أن تؤثر على صُناع القرار والسياسيين الأميركيين حينما ينظرون إلى علاقاتهم مع المملكة العربية السعودية.

وفي ظل الدعم الكامل من ترمب للنظام السعودي، بات الأخير يخشى أن تشكك آراء خاشقجي في رواية المملكة المجيدة الجديدة تحت قيادة محمد بن سلمان. لسوء الحظ، اختار جمال خاشقجي العاصمة التي يريدها النظام السعودي أن تظل غارقةً تماماً في ضباب دعايته.

أعطت الكتابة في صحيفة The Washington Post خاشقجي جمهوراً كبيراً للغاية، فالقليل من المعارضين السعوديين يُمنحون ذلك بعد مغادرة بلدهم بوقتٍ قصيرٍ. ولا بد أنَّ الشهرة والاحترام اللذين حظي بهما خاشقجي قد أثارا ذعر النظام السعودي.

 

الذراع السعودية

أخيراً، لا يخلو اختفاء خاشقجي، وربما قتله، في إسطنبول، من الدلالات الكبيرة. منذ قمع الإسلاميين السعوديين في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اختار الكثيرون العاصمة التركية كوجهة أولى في بحثهم الطويل عن ملاذ آمن بعيداً عن الذعر المنتشر في وطنهم.

جذبت إسطنبول عدداً كبيراً من الإسلاميين من الدول العربية والخليجية. وقد وجد نشطاء الإخوان المسلمين والسلفيين والإسلاميين فيها ملجأً، وإن كان خطراً.

يرسل اختفاء خاشقجي في العاصمة التركية رسالة قوية إلى المعارضين المحتملين في المستقبل. تستطيع الذراع الطويلة السعودية الوصول إليهم هناك. هذا الترويع ضربة وقائية لنشر الخوف بين العديد من الناشطين الذين يفكرون في الفرار إلى إسطنبول.

إن وجود صدع علني بين تركيا والسعودية حول اختفاء خاشقجي ومقتله على الأراضي التركية سيكون موضع ترحيب من قبل العديد من الأنظمة في المنطقة، وفي مقدمتها أعداء السعودية اللدودين إيران وقطر. وقد يجد السعوديون أنفسهم قريباً دون العلاقات الدبلوماسية العادية مع تركيا، تلك العلاقات التي نجت حتى الآن، على الرغم من التوتر الكامن المتزايد بسبب الدعم التركي للقطريين منذ عام 2014.

إذا كان النظام السعودي قد قتل جمال خاشقجي، فسيتعين عليه التعامل مع تبعات ذلك، وهي تداعيات لا تسرّ صديقاً كما يبدو. بالإضافة إلى تصدع صورة النظام، سيصبح من المؤكد أنَّ محمد بن سلمان رئيس دولةٍ مارقةٍ تقوم بنشر استراتيجيات سفك الدماء خارج حدودها.

قد لا تصغي واشنطن لهذا، ولكن لابد أن تنتبه الحكومات الغربية الأخرى للتحول الدراماتيكي المقلق للأحداث.

 

هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني.

 

 

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
ما هي الخطوة التالية لآل سعود؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
اغتالوه بنفس نهج إسرائيل في اغتيال القادة الفلسطينيين.. ما الأسرار التي يعرفها خاشقجي ليُخيف السعودية بهذا الشكل؟