لم تقدم الشرطة التركية دليلاً واحداً على موته والسعودية صامتة.. عن احتمالية أن يكون خاشقجي لايزال حياً
الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018

لم تقدم الشرطة التركية دليلاً واحداً على موته والسعودية صامتة.. عن احتمالية أن يكون خاشقجي لايزال حياً

يوم الثلاثاء الماضي 2 أكتوبر/تشرين الأول، دخل مواطنٌ سعودي يُدعَى جمال خاشقجي قنصلية دولته في مدينة إسطنبول التركية ليستخرج مستنداً روتينياً لإتمام زواجه الوشيك من امرأةٍ تركية. انتظرت خطيبته خروجه من القنصلية، لكنه لم يخرج -على الأقل ليس بالشكل المعتاد- ومنذ ذلك الحين والجميع في الشرق الأوسط يتساءل عن مصيره. وفي يوم السبت 6 أكتوبر/تشرين الأول، ذكرت وكالة أنباء رويترز ومؤسسات صحفية أخرى أن خاشقجي قُتِلَ داخل القنصلية، وأشارت تقارير صحفية إلى أن جثته قد قُطِّعَت إلى أجزاء وهُرِّبَت في عدة طرود. فيما قال السعوديون إنه غادر القنصلية بحريةٍ تامة.

رأيت خاشقجي منذ شهرين بصحةٍ جيدة يتناول فطوره من السلمون البنديكت في لندن. كان خاشقجي، بخلاف كل المنفيين السعوديين، مشهوراً بأخذ الحيطة تجاه المكان الذي يظهر فيه علناً ليس لأنه، حسب قوله، يخشى الاغتيال بل لأنه في الأماكن التي يرتادها العرب عندما يرونه يقاطعونه أثناء تناول فطوره. كان يرتدي بدلةً فاتحة اللون بدون رابطة عنق، وعندما وقف لاحظت أنه طويل القامة ذو رأسٍ كبير تبدو فوق كتفيه كيقطينةٍ بيضاء شاحبة.

كان خاشقجي معارضاً. لكن معارضة النظام الملكي السعودي تأخذ أشكالاً ربما تدهش الليبراليين في الغرب. فقد دعا بعض المعارضين السعوديين لإلغاء نظام الحكم الملكي في السعودية أو علمنة السعودية حتى تشبه الدول الغربية. اتجه خاشقجي إلى الأوساط الغربية وأصبح كاتب عمود لدى صحيفة The Washington Post الأميركية، وكوَّن علاقاتٍ جيدة في لندن والعاصمة الأميركية واشنطن، لكنه لم يكن يحلم بتحويل العاصمة السعودية الرياض إلى أيٍّ منهما. عارض خاشقجي حكامه باعتدال، وخلال حديثنا أكَّد ولاءه للملك وأقر بأن آل سعود ينبغي أن يحكموا المملكة إلى الأبد. لكنه كان معترضاً على سياساتٍ معينة طبَّقها وليُّ العهد أو كان يستعد لتطبيقها، بطريقةٍ غير حكيمة في رأيه.

قال خاشقجي: «حاول وليُّ العهد محمد بن سلمان أن يمارس الحكم كمستثمر. وهذه مشكلة». شكَّكَ خاشقجي في قدرة محمد بن سلمان أو أيِّ شخصٍ آخر على انتقاء شركاء اقتصاديين ناجحين لوضع خطة اقتصادية بقدرٍ كاف من التبصُّر لتبرير المشاريع العملاقة بالنطاق الجاري تنفيذها به حالياً. وانتقد بالتحديد المراكز المالية والجامعات التي أنشأتها المملكة السعودية دون أن تعرف ما إذا كانت هناك شركاتٌ تُشغِّلها أو طلابٌ يستخدمونها، حسب قوله، وأضاف خاشقجي أنه من الأفضل اتباع منهج التحرُّر الاقتصادي الذي يعني السماح للأشخاص العاديين أصحاب المشاريع الصغيرة، والأعمال في السوق، بتوظيف استثماراتهم.

وَصَفَ خاشقجي السعودية بصورتها الحالية بأنها «تجربة هندسة اجتماعية» من المؤكَّد أن تُسبِّب «اضطراباً اجتماعياً»، وقد فضَّل معظم هذا الاضطراب. إذ أنَّ دولةً تعتمد على النفط، وتدفقاً منحدراً من أموال الرفاه المدعومة بالنفط تجاه السعوديين، لن يستطيعا إقامة صلب الدولة إلى الأبد، ومن ثمَّ فستكون معظم التغييرات جيدة. لكنها ستكون مأساوية أيضاً. وقال خاشقجي: «حالياً ثمَّة سعوديون يعتمدون على دخولٍ ثابتة، ويعيشون في منازل مكوَّنة من 6 غرف، يتحملون تكلفتها فقط لأنهم معتادون على الكهرباء والمياه الرخيصة». ومع سقوط الدعم، بدأ السعوديون يدركون ببطءٍ أنَّ معظم ثرواتهم كانت خيالية، وأنَّ عليهم أن يعملوا ليحافظوا على مستويات راحتهم الحالية. سيضرب هذا الإدراك المواطنين بقوة، كحفنة رمال أُلقِيَت في وجوههم.

وقال خاشقجي: «ستجد أنَّ حجم معارضة محمد بن سلمان صغيرٌ لو قِسته بعدد من يعارضونه علناً». ولم يعتبر خاشقجي نفسه من رموز المعارضة، ورفض المفهوم القائل بأنَّ أيَّ ناقدٍ يُعدُّ بالتعريف معارضاً لعائلة آل سعود. لكنه ظنَّ أنه، بصفته سعودياً مخلصاً، كان عليه أن يقدِّم نقداً رقيقاً، لكن مستمراً وعلنياً في الوقت ذاته، بشأن سياسات السعودية الاقتصادية، وقمع المعارضة، والحرب في اليمن.

إنَّ أحد الردود على هذا النقد الموجَّه بانتظام هو القول بأنَّ الولاء لحُكم ملكي ذي سلطة مطلقة ليس له إلا صورة واحدة، ألا وهي الطاعة التامة، أما خاشقجي فقد عصى. خدم خاشقجي البلاط الملكي من قبل، حين عمل مستشاراً للأمير السعودي تركي الفيصل، المدير العام السابق للاستخبارات العامة السعودية، في الفترة التي عمل بها سفيراً في الولايات المتحدة. لكن في عام 2017، حين صار محمد بن سلمان ولياً للعهد، رفض خاشقجي طلب الحكومة بأن يتوقف عن الحديث العلني، وفضَّل الفرار إلى المنفى على أن يخاطر بزجِّه في السجن. والآن، سيتوجَّب على السعوديين الآخرين الذين فرُّوا، إلى لندن وإسطنبول وسائر عواصم العالم، والذين يملك بعضهم ثرواتٍ كبيرة، أن يقرِّروا ما إذا كان فرارهم الاختياري إلى المنفى قد يُعدُّ خيانةً، وما إذا كانت الدولة السعودية، لو كانت قد قتلت خاشقجي، سوف تصل إليهم أيضاً في نهاية المطاف. صحيحٌ أنه ليس منهم من يتحلى بمستوى شهرة خاشقجي، لكنَّ الكثيرين سوف يتردَّدون في تناول فطورهم على الملأ.

صدمتني أنباء مقتل خاشقجي ببشاعةٍ تثير الريبة. وأعتقد أنه لا توجد طريقة غير بشعة لوصف تحليل جثة حديثة، لو كان هذا ما حدث حقاً. لكنَّ تركيا لم تقدِّم دليلاً بعد؛ لا قطرة دم، ولا فيديو مُشوَّش تظهر فيه سيارةٌ سوداء تُوضع في صندوقها حمولة ثقيلة (أُثيرت خلافاتٌ مؤخراً بين تركيا والسعودية، أشدها بسبب دعم تركيا لقطر، عدوة السعودية، وللإسلاميين الذين يعارضون النظام الملكي السعودي). لذا فإنَّ التفاصيل الدقيقة للتقارير البشعة تبدو غريبة، إذا وضعنا في الاعتبار أنَّ التفاصيل غير البشعة المتاحة حالياً قليلة. الاحتمال الآخر، وهو أشد الاحتمالات المتفائلة التي يأمل فيها أصدقاء خاشقجي، هو أنه قد خُطِفَ وأُسِرَ لكنه ما زال على قيد الحياة، ربما في الرياض.

سألت خاشقجي عمَّا إذا كان يعتبر الحياة في واشنطن مريحة، وأمضينا بضع دقائق في الحديث عن مطاعمنا ومتنزهاتنا المفضلة فيها. لكنه كان يُجاريني فقط. وقال أخيراً: «أفتقد الوطن. إنَّ أسرتي -التي ما زالت في السعودية- لا تستطيع السفر. أنا وحيد». لقد أراد العودة، ولم يُظهِر أيَّ تلميحٍ إلى أنه يخشى أنه إذا عاد فقد يُخدَّر ويُشحَن في صندوق، أو يُمزَّق إرباً. وربما يعاود الظهور وهو حي وبصحةٍ جيدة. لكنَّ احتمالية أنَّ حياة جمال خاشقجي ستنتهي نهايةً سعيدة، تتضاءل بسرعة.

– هذا الموضوع مترجم عن مجلة The Atlantic الأميركية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
من يومهم وهم الحلفاء الأوفياء.. كيف بدأ التحالف بين قطر وتركيا من العهد العثماني؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
لم تقدم الشرطة التركية دليلاً واحداً على موته والسعودية صامتة.. عن احتمالية أن يكون خاشقجي لايزال حياً