لعنة الفراعنة لم تصب سد النهضة.. إثيوبيا عيّنت مديراً جديداً بدل المقتول وآبي أحمد لن يقدم تنازلات لمصر لهذه الأسباب
الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018

لعنة الفراعنة لم تصب سد النهضة.. إثيوبيا عيّنت مديراً جديداً بدل المقتول وآبي أحمد لن يقدم تنازلات لمصر لهذه الأسباب

على نحوٍ مفاجئ، أعلنت هيئة الكهرباء والطاقة الإثيوبية بعد ظهر الأربعاء 3 أكتوبر/تشرين الأول 2018، تعيين المهندس كيفلي هورو مديراً جديداً لمشروع سد النهضة خلفاً للراحل سيميجنو بيكلي. كما قضى قرار الهيئة بتعيين المدير السابق المكلف المشروع، إفريم وولد كيدان، في منصب نائب المدير إلى جانب فكادو كيبد، ليكون للمدير الجديد نائبان اثنان، وفقاً لما ذكره إبراهام بليي الرئيس التنفيذي لهيئة الكهرباء والطاقة الإثيوبية.

من هو المدير الجديد لسد النهضة؟

تقول السيرة الذاتية للمهندس كيفلي هورو التي حصل عليها الكاتب، إنه تخرج ببكالوريوس الهندسة الكهربائية في جامعة أديس أبابا عام 1985، وحصل في عام 2015 على درجة الماجستير في إدارة المشاريع بتقدير «ممتاز» من جامعة سالفورد بالمملكة المتحدة، وبجانب ذلك نال شهادات متقدمة في الصيانة الكهربائية من إحدى الجامعات الألمانية عام 1998.

المهندس كيفلي هورو المدير الجديد لمشروع سد النهضة

أما حياته العملية، فقد بدأها فور تخرُّجه مهندساً بهيئة الكهرباء الإثيوبية عام 1985، حيث شارك في إعداد دراسات الجدوى والتصميم الأوليّ لمشاريع الطاقة، فضلاً عن إسهامه في تصميم الأعمال الكهربائية المتعلقة بمشروعات الطاقة.

بعدها ترقى هورو في أواخر التسعينيات، ليصبح نائباً لمدير مشروع سد جيجيل جي بي1، وخُصصت له كنائب مدير، مهام مراجعة تصميم الأعمال الكهروميكانيكية والهيدرولوجية والإشراف والمراقبة والتحكم.

فور انتهاء أعمال سد جيجيل جي بي1، تنقّل كيفلي هورو في عدد من أقسام هيئة الكهرباء الإثيوبية، ولكنَّ محطته الأبرز كانت في إدارة مشروع سد النهضة، الذي عمل به قرابة عامين من بداية 2011 حتى نهاية 2012، فقد كان مسؤولاً عن التفاوض على جدوى المشروع، ومفاوضات العقد النهائي، واستشارات التوظيف، إضافة إلى متابعة هياكل الصلب الهيدروليكية ومراجعة تصميم خط نقل وتفاوض العقد مع المقاول المصنع.

بعد ذلك، تولى منصب منسق شركة الكهرباء الإثيوبية مع البنك الدولي والبنك الإفريقي لتمويل المشاريع الممولة،  ليكون بمثابة نقطة الاتصال الرئيسية للبنكين مع الشركة.

أما آخر وظيفة شغلها الرجل حتى لحظة صدور قرار تعيينه مديراً لسد النهضة، فقد كان مستشاراً لشركة ELC Electroconsult S.p.A. وهي شركة هندسية إيطالية خاصة تعمل في مجال الطاقة والسدود. http://www.elc-electroconsult.it/

تعيين المدير الجديد جاء بعد فشل مفاوضات السد

من المثير للاهتمام حقاً أن تعيين كيفلي هورو مديراً جديداً لمشروع سد النهضة خلفاً للراحل سيمجنيو بيكيلي جاء بعد أسبوع واحد من إعلان وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، عن عدم توصل الدول الثلاث «إثيوبيا ، السودان، مصر» إلى اتفاق حول القضايا العالقة بالسد الإثيوبي الكبير، وكانت تصريحات عبد العاطي قد أعادت سد النهضة إلى الواجهة بعد أن تسببت تصريحات لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أواخر أغسطس/آب 2018، في صدمة كبيرة بالداخل الإثيوبي عندما تحدث عن الصعوبات الفنية والإدارية التي تواجه السد ؛ وذلك لأن الجميع كانوا يعتقدون أن العمل في المشروع يسير بصورة طيبة، خصوصاً أن وزارة الكهرباء الإثيوبية وبنك التنمية قد أعلنا في مايو/أيار 2018، أن الإنشاءات قطعت 66% .

غضب إثيوبي

رغم أن آبي أحمد اختار التحدث إلى الشعب الإثيوبي بكل شفافية ومصداقية، مفضِّلاً أن يبيِّن لهم الصعوبات التي تواجه المشروع وكيفية التغلب عليها، فإن كثيراً من المواطنين الإثيوبيين لم يعجبهم التصريح، فعبَّروا في شبكات التواصل الاجتماعي عن استيائهم من حديث رئيس الوزراء؛ بل إن البعض ربط تصريحات آبي أحمد بزيارة ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، إلى أديس أبابا وإعلانه عن استثمار الإمارات 3 مليارات دولار في إثيوبيا، من بينها مليارٌ وديعة مباشرة في البنك المركزي؛ لتخفيف مشكلة نقص النقد الأجنبي الذي تعانيه أديس أبابا.

ومبعث القلق الإثيوبي من زيارة رجل أبوظبي القوي يعود إلى العلاقة الوطيدة التي تربطه بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي؛ إذ كان يُعتقد أن الوديعة الإماراتية هدفت إلى إنقاذ السيسي من ورطة سد النهضة  بعد أن وقّع الأخير على إعلان المبادئ في الخرطوم عام 2015، وهو ما يعني موافقة مصر على قيام السد.

هل أصابت لعنة الفراعنة سد النهضة؟!

الإعلام المصري، الذي يُفترض أن يكون إعلاماً رصيناً نسبةً لتاريخه العريق، أخذ ينشر تحليلاتٍ أقل ما توصف به بأنها ساذجة، مثل القول إن «لعنة الفراعنة» حلّت بسد النهضة، و»اللي يجي جنب مصر ما يكسبش» إذ ربطت وسائل الإعلام المصرية بين تصريحات آبي أحمد ومقتل مدير مشروع سد النهضة السابق سيميجنيو بيكلي، في واقعة غامضة، قالت الشرطة فيما بعد إنها حادث انتحار.

كما ربط إعلام القاهرة بين حديث آبي أحمد والإضراب الذي نفذه عمال سد النهضة، أواخر الشهر الماضي (سبتمبر/أيلول 2018)، عدة أيام، قبل أن تقوم إدارة السد بالتفاوض معهم حول تحسين أوضاعهم الوظيفية، كما صرح بذلك المديرُ السابقُ المكلفُ المشروع إفريم ولد كيدان  وينبغي ألا ننسى كذلك أن الصحف المصرية وصفت رجل الأعمال المعتقل في السعودية محمد حسين العمودي بـ»أكبر ممول لسد النهضة»، في حين أنه قدّم تبرعاً قدره 88 مليون دولار لصالح المشروع، وربما كان يمكن أن يقدم مبلغاً مماثلاً يسهم في إكمال السد، لكنه حتماً ليس الممول الرئيس للسد، كما يقول الإعلام المصري.

تشكيك في رواية انتحار مدير السد، والحكومة غير متورطة

إذا عدنا إلى حادثة مقتل مدير السد السابق سيمجنيو بيكلي، نجد أن ما ذكره مفوضُ شرطة أديس أبابا، زينو جمال، بأن بيكلي انتحر لم يكن مقنعاً لكثير من المواطنين الإثيوبيين، الذين شككوا في صحة الرواية الرسمية للشرطة، خاصة أن تقريراً لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية ذكر أن الرجل كان في طريقه لعقد مؤتمر صحافي يردُّ فيه على الحديث المثار حول تأخُّر إنجاز السد وما يتردد عن وجود فساد في الطريقة التي يدار بها العمل في المشروع العملاق.

كما لا يمكن تجاهل حالة الحزن العميق والغضب الذي تفجَّر في الشارع الإثيوبي لحظة الإعلان عن مقتل مدير سد النهضة في ميدان ميسكل، الواقع في قلب العاصمة الإثيوبية وتقع بالقرب منه مباني وزارة الخارجية وجهاز الأمن  . ونشير إلى أن آبي أحمد نفسه أشاد بالرجل، وشهد بأنه خدم الوطن بكل إخلاص وتفانٍ، ونُذكِّر أيضاً بأن شهادة رئيس الوزراء عن سيمجنيو بيكي تتطابق مع شهادة معظم المواطنين الإثيوبيين عن الراحل الكبير.

فرضية تورّط الحكومة الإثيوبية نفسها في مقتل الرجل تبدو مستبعدة تماماً؛ لأنه لا مصلحة للدولة في قتله، فقد اتضح جلياً بعد جولة المفاوضات الأخيرة، أن إثيوبيا لم تقدم أية تنازلات لمصر في مطالبها بإبطاء فترة ملء بحيرة السد إلى 7 سنوات بدلاً عن الـ3 سنوات التي تتمسك بها أديس أبابا، فلو كانت الأخيرة قدَّمت تنازلاً أو أوقفت العمل في السد لكانت فرضية قتله منطقية باعتباره يعارض ذلك.

ولكن هناك احتمال آخر يردّده مراقبون إثيوبيون بأن السلطات الأمنية ربما رأت أن الكشف عن قتلة المدير السابق لسد النهضة قد يتسبب في فتنة إثنية بين القوميات الإثيوبية المختلفة، ففضلت إغلاق القضية بسيناريو الانتحار مع الإبقاء على الملف مفتوحاً للبحث عن الأسباب التفصيلية ودوافع انتحار بيكيلي.

صعوبات تواجه إثيوبيا

بطبيعة الحال تواجه إثيوبيا مشكلات جمّة يتمثل أبرزها في كيفية توحيد الجبهة الداخلية للبلاد، ترامناً مع الخطوات الإصلاحية الشجاعة التي تتخذها حكومة آبي أحمد، والمواءمة الصعبة بين الإصلاح وحفظ الأمن والاستقرار في بلد يزيد عدد مواطنيه عن 107 ملايين نسمة ينحدرون من 300 قومية مختلفة.

كما تشهد هذه الفترة انعقاد المؤتمر العام الـ11 لائتلاف «الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية» الحاكم الذي يعرف اختصاراً بـEPRDF وتواجهه في الوقت الراهن معضلة الحفاظ على التحالف بوضعه الحالي  في ظل التحولات المذهلة التي تشهدها البلاد بالتزامن مع وصول قادة أحزاب المعارضة، التي كانت بعضها مصنفة إرهابية، إلى البلاد استجابةً لنداء الإصلاح  والاستعداد للانتخابات المقبلة التي ينتظر أن تكون ساخنة جداً، بعد أن وعد آبي أحمد بأنها ستكون ديمقراطية.

وتعاني في الوقت ذاته مناطق في إقليم بني شنقول/ قماز الإثيوبي، الذي يقع فيه سد النهضة، من أعمال عنف أدت إلى مقتل عدد من المواطنين وتهجير المئات مما يفرض على الحكومة الفيدرالية سرعة التدخل لاحتواء الأمر قبل أن يتفجر ويشكل تهديداً لمنطقة السد.

لا يمكن لآبي أحمد إيقاف العمل في سد النهضة

إن الذين روّجوا إلى أن الحكومة الإثيوبية تخلّت عن سد النهضة أو أوقفت العمل فيه، لا يدركون كيفية اتخاذ القرار في إثيوبيا، فقرار خطير مثل هذا أشبه بالانتحار السياسي للحكومة الإثيوبية، فهو يتطلب موافقة أعضاء الائتلاف الحاكم بأحزابه الأربعة، وربما يخضع الأمر لاستفتاء شعبي لأن المشروع مشروع قومي لا خلاف حوله على الإطلاق، زيادة على أن الشعب الإثيوبي قام تمويله ذاتياً بعد أن نجحت مصر في 2014، باستصدار قرار دولي قضى بوقف التمويل العالمي لسد النهضة باعتباره محل خلاف ويؤثر على حصتها المائية .

ولكن حتماً تواجه المشروع الإثيوبي صعوبات فنية وإدارية، بعد أن أعفى رئيس الوزراء آبي أحمد شركة ميتيك Metec التابعة لوزارة الدفاع من تنفيذ الأعمال الكهروميكانية، بعد أن تأخرت في إكمالها عندما قال «لقد سلّمنا مشروعاً مائياً معقداً إلى أُناس لم يروا أي سد في حياتهم»
. وأسند العمل إلى شركة أخرى «لم يكشف عنها»، كما تتمثل المعضلة الثانية في مطالبة شركة ساليني الإيطالية وهي المقاول الرئيس للمشروع، حكومة إثيوبيا بدفع تعويض مالي قدره 338 مليون دولار  بسبب تأخر الأعمال الكهروميكانيكية المشار إليها أعلاه.

والمبلغ المذكور ليس كبيراً، لكنه قد يشكل تحدياً إضافياً لإثيوبيا التي تعاني من نقص في احتياطات النقد الأجنبي، مما يتطلب البحث عن تمويل إضافي أو حث المواطنين الإثيوبيين على المزيد من التبرع والاستثمار في سندات كهرباء السد ونلفت هنا إلى أن مكتب دعم سد النهضة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ظلّ مفتوحاً لتلقي التبرعات والمساهمات كما ينظم المكتب فعاليات متنوعة لصالح تمويل السد.  وتأكّد كاتب المقالة من مصادره الخاصة أن حملات الاستثمار في كهرباء المشروع متواصلة بالسفارات الإثيوبية بالخارج، إلا أن حكومة أديس أبابا ربما تحتاج إلى حملة علاقات عامة جديدة لتنوير الأفراد والمؤسسات الخاصة، بما يحدث من تطورات في أعمال السد، على ضوء الأحداث الأخيرة، حتى تقنعهم باستثمار المزيد من الأموال.

مؤهلات عالية للمدير الجديد في مجال الصيانة والأعمال الكهروميكانيكية

إذا ما عدنا إلى قرار تعيين كيفلي هورو مديراً للمشروع نجد إنه يأتي ضمن خطط تصحيح مسار السد الذي تعهد آبي أحمد بإكماله وتبنَّى قرارات حاسمة قضت بإبعاد شركة ميتيك التابعة لوزارة الدفاع، بعد أن تلكأت في تنفيذ المطلوب منها كما ذكرنا.

وبالنظر إلى السيرة الذاتية لهورو، يتضح أن اختياره لم يكن عبثاً، فهو خبير في مجال الطاقة الكهربائية، وأشرف من قبل على تنفيذ سد جيجيل جي بي1، كما أن لديه خبرة جيدة ومؤهلات أكاديمية رفيعة في مجال الصيانة والأعمال الكهروميكانيكية والأخيرة هي عقدة تأخر إكمال سد النهضة. مما يعني أن الحكومة الإثيوبية تراهن عليه لإصلاح الخلل الذي أقعد المشروع الحلم.

البحث عن حل وسط لمصر

الاجتماع الأخير لوزراء الري والمياه في الدول الثلاث أثبت أن الموقف الإثيوبي من السد لم يتغير حتى الآن، رغم قَسَم رئيس الوزراء الإثيوبي الشهير أمام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ولذلك على مصر البحث عن حل وسط للتفاوض مع الطرف الإثيوبي الذي يتضامن معه السودان، نظراً للفوائد التي ينتظر أن تحصل عليها الخرطوم بعد انتهاء السد، وهي الحصول على 800 ميغاواط من الكهرباء بسعر التكلفة، إضافة إلى تمكين السودان من استخدام حصته من مياه النيل بصورة مثلى وغير ذلك. أما حديث الإعلام المصري عن تعثّر العمل في سد النهضة، وتصويره كما لو كان «لعنةً أصابت المشروع» و»اللي يجي جنب مصر ما يكسبش»، ليس سوى هوس بالأوهام، واستخفاف بعقول الناس في القرن الـ21!

يقيناً، ستعمل حكومة آبي أحمد على مساعدة المدير الجديد للسد كيفلي هورو، الذي سيكون في سباق مع الزمن لتسريع العمل في إنشاءات المشروع، وإيجاد حلول للمشكلات التي تواجهه بعد أن قطع أكثر من ثلثي المشوار، فقد ذكرت السفارة الإثيوبية في بروكسل قبل 4 أشهر أنه تم إنهاء نحو 65% من مراحل إكماله.

والمشروع الحلم الذي لن تفرط فيه إثيوبيا يُتوقع أن ينتج من الكهرباء 6450 ميغاواط، وهو ما يفوق ثلاثة أضعاف إنتاجية السد العالي في مصر، الأمر الذي يجعل إثيوبيا أكبر مصدر للطاقة في إفريقيا، مع العلم أنها تصدر الكهرباء حالياً وقبل اكتمال سد النهضة لكل من السودان وجيبوتي  ويتوقع البنك الدولي أن تحصل إثيوبيا على مليار دولار سنوياً من تصدير الكهرباء بحلول عام 2023، إذا انتهت من مشروع سد النهضة والسدود الأخرى في موعدها. هذا إلى جانب المشروعات الزراعية الضخمة والاستثمارات المصاحبة التي ينتظر أن يتم تنفيذها حول منطقة السد الواقع بالقرب من الحدود السودانية، مما يساهم في تعزيز القوة الناعمة لإثيوبيا إقليمياً ودولياً.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
وسط هذه الأحداث البشعة التي دمّرت أعصابنا.. كيف يجب التعامل مع الأمر؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
لعنة الفراعنة لم تصب سد النهضة.. إثيوبيا عيّنت مديراً جديداً بدل المقتول وآبي أحمد لن يقدم تنازلات لمصر لهذه الأسباب