«حديقة الفساد».. هكذا حاربت أوكرانيا ناهبي المال العام ومصاصي دماء الشعوب
الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

«حديقة الفساد».. هكذا حاربت أوكرانيا ناهبي المال العام ومصاصي دماء الشعوب

عَرض فيديو مُصوَّر لقناة سي إن إن «حديقة فساد»، افتُتحت في عاصمة أوكرانيا «كييف». بأروقة على شكل قباب شبيهة بمستعمرات فضائية، ومعرض لوحات وأدوات تفاعلية، تقوم الحديقة بتوعية المواطنين بقضايا الفساد، وطرق انتشاره، ووسائل محاربته بطرق فعالة.

تماماً كما تتحمس «دوزيم» ووزارة الصحة المغربية للتوعية بأخطار السيدا، وطرق الوقاية والعلاج، فعلت أوكرانيا مع «سيدا المجتمع»، مرض فقدان مناعة الدولة: الفسااااااد.

بمساعدة من الاتحاد الأوروبي، ولأن حكومة أوكرانيا تعتبِر الفسادَ أكبرَ خطرٍ يُهدد الأمن القومي، افتتحت «حديقة الفساد» للتوعية بأخطار إرهابيي ربطات العنق، ناهبي المال العام، مصاصي دماء الشعوب، هادمي الماضي والحاضر والمستقبل.

 

تجد داخل الحديقة نماذجَ لسياراتٍ فارهة لمسؤولين فاسدين قُبض عليهم بتُهم مالية ثقيلة، ورسوماً توضيحية، وأرقاماً، ونِسباً مبسطة تشرح للعامة حجمَ الأموال المُهدَرة خلال عقود ماضية، وتكلفة فسادٍ حرَمَ المواطنَ من مشفى ومدرسة مجهزتين، وبنية تحتية آدمية.

يتوسط الحديقة تمثال لرغيف من ذهب، يُجسِّد عهدَ الرئيس الهارب سنة 2014 «فيكتور يانكوفيتش»، يرمز لعهد متَّسم بالنَّهب والبَذَخ، إلى جانب صورٍ من داخل قصر الرئيس السابق، المزوَّد بمعرض للسيارات القديمة وحديقة حيوان.

وأنت تتابعُ التقريرَ تتبادر إلى ذهنك فكرة تشييد حديقة للفساد في كل مدينة وقرية مغربية؛ ولأننا أصبحنا متخصصين في المهرجانات، فلنُرِح الثقافة من تفاهتنا لسنة وحيدة، ولنجعل سنة 2019 سنة «مهرجانات الفساد»، من طنجة إلى الكويرة (رغم كونها تحت السيادة الفعلية لموريتانيا… ما عليناش، ماشي موضوعنا!).

سنحتفظ بنفس قباب المستعمرات الفضائية، دلالة على أن الفاسدين ليسوا بشراً يأكلون ويمشون في الأسواق مثلنا، بل هم فضائيون من كوكب آخر. في العراق، يُطلق على أفراد من الجيش، يأخذون رواتبَ ولا يعملون لقب «الفضائيون».

داخل كل قبة صور ورموز للفساد والمفسدين، مما يشاهده الشعب ويراقبه، فالمغرب عكس أوكرانيا، لم يحجز أموالاً لمُفسدين، ولا عقاراتٍ لناهِبين. المغرب يفتح تحقيقاً عميقاً في كل حالة فساد، بينما تتكفل شرطة ماليزيا بجمع 270 ملياراً من أموال الفساد، بجولة تشبه جولات الشرطة الإدارية لمحاربة الباعة المتجولين «الأشرار».

لِتكُن داخل القباب صورٌ لسيارات الدولة وهي تذهب بالأُم للحمام، وبالأطفال للمدرسة، وبالعائلة للاستجمام، أو بالحاج لصلاة الجمعة.. تقبل الله!

لتكن صور بحار المغرب الشاسعة 3500 كيلومتر × 380 كيلومتر مياه إقليمية مزينة بصور حوت العنبر المغربي، وأخيه الحوت الأزرق، وابن عمه حوت الأوروكا، حتى يقتنع المغاربة أن ما يجري في بحار ناشيونال جيوغرافيك يسري على بحارهم، وأنها ليست فقط بحار سردين عاجبوراسو!

لنضع صور مناجم الذهب والفضة والبلاتين التي لا يستحوذ منها الشعب على سنتيم، مع أنها في أرضه وتحت ترابه. تراب تدافع عنه يا مسكين ساعة العُسرة، وينتفع به المحظوظون بعد الفرج.

لنضع صورَ مقالع رمال تزوِّد المغاربة برمال البناء المجانية بأعلى الأسعار، إلى جانب صور مَن يستغلُّون ويبيعون رمال البحر على اعتبارها صالحةً للبناء، مع أنها غير ذلك.

لننشر ونبسّط مضامين القانون الأساسي للماء 95-10، القاضي بأن الماء ملكيةٌ عامة إلى جانب قنينة «علي» بـ6 دراهم، وقنينة نفط خام بسعر 4 دراهم، حتى ندرك أن سُرَّاقنا أغنى من تجار نفط الخليج (برميل النفط بـ70 دولاراً ويحوي 161 لتراً).

في قسم الوسائط التفاعلية، ننشر نسب وحجم ثروات أغنياء المغرب، وكيف أن 7 عائلات مغربية تَبسُط سيطرة مباشرةً على ربع اقتصاد الوطن (105 مقاعد داخل مجلس الإدارة من مجموع 561 مقعداً لشركات مدرجة في البورصة).

سننشر صوراً لفنادق 5 ملايين لليلة الواحدة في مراكش، حتى يتفتَّح ذهن المواطن، فيعرف أن بمراكش أماكن أرقى من سقايات «شرب وشوف».

سنبسط معلومات تفيد أن مكتب الفوسفات أصبح شركة منذ 2009، يحق للمواطن طلب نصيبه من أسهمها، ونشرح كيف تنفخ فاتورة كهرباء المساكين كي تغطي «عجز» 50 مليار درهم من مكتب الكهرباء، أيام الفهري وزوجته ياسمينة، صاحبة أسطورة صكوك عقار إنفلونزا الطيور، وشقتي باريس الفاخرتين.

في معرض اللوحات رسوم لولائم زوار المغرب الكبار، أشقائنا الأفارقة، جنباً إلى جنب مع رسوم لقفف المواطنين الصغار، ولوحات لاحتفالات المسؤولين بتدشين «روبيني» تحت الأعلام الحمراء والخضراء، وتصفيقات الجحافل.

رقم 900 مليار سنتيم ظهر فجأة في حساب وزير، المفترض أنه موظف دولة، سيكون حاضراً في قبة الغرائب والعجائب، إلى جانب رقم صغير «زَلَقَ للدولة» لا يُذكر، 1700 مليار سنتيم أخذها المحتاجون المساكين تجار البومبات.

قبة «فعل الخير» ستُزين بصور إغاثة لاجئي بني ملال وزاكورة وفلسطين والنيجر، وقبة الإنجازات بصور «تيجي في» والقمر الصناعي، تتوسطها صورة امرأة تُنجب أمام مستشفى يُسمَّى ظلماً وعدواناً بـ «الجامعي».

 

أخيراً، وبالقرب من باب الخروج، سنبُثّ في نفوس المواطنين الأمل، وأنه لا يأس مع الحياة.

صور المغفور له بإذن القضاء «عليوة» ستُزيّن المخرج وهو جالس في مكتب استشارات محاربة الرِّشوة، إلى جانب صور أمهات الريف يلتحفنَ السوادَ ويُطنطنَّ، علَّ النائم يفيق قبل فوات الأوان.

 

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
«حديقة الفساد».. هكذا حاربت أوكرانيا ناهبي المال العام ومصاصي دماء الشعوب