كانت ملابسي مبتلة دائماً وركبتي اليسرى موجوعة.. أنا كاتبة خطابات هيلاري كلينتون وهذا ما يجب أن تتعلمه من حياتي
الجمعة, 19 أكتوبر 2018

كانت ملابسي مبتلة دائماً وركبتي اليسرى موجوعة.. أنا كاتبة خطابات هيلاري كلينتون وهذا ما يجب أن تتعلمه من حياتي

لا أتذكر من اقترح الأمر، لكني أتذكر صدى ضحكاتي. فأنا لم أحب يوماً السير راجلة. كنت دائماً ذاك الشخص الذي يستخدم السلالم الكهربائية وأرصفة المشاة المتحركة في المطارات، فهذا سبب وجودها. جربت ممارسة التزلج أثناء دراستي الثانوية، لكن كان هذا قبل عشر سنوات، وقبل اكتسابي ما يقارب 18 كيلوغراماً. ورغم انتشار لافتات النوادي الرياضية حول مكتبي في العمل، «توجد صالة رياضية في الطابق الحادي عشر، فقط لأجلك!»، «انضم إلى مبادرة الوجبات الخفيفة الصحية!»، لم أفكر في إيجاد وقت لتحسين صحتي.

بدلاً من ذلك، كنت أعمل لساعات طويلة باعتباري كاتبة خطابات لإحدى المنظمات النسوية المهتمة بالصحة، قلبي كان محموماً مثل كاتب يدق بأنامله على الآلة الكاتبة، وقد تزايد معدل ضرباته مع تفكيري حول حقيقة ارتفاع عدد الولايات الأميركية التي سنّت قوانين مقيدة للإجهاض خلال العام الماضي، بنسبة أكثر من العقد الماضي بأكمله. وجاء انفصالي ليحتل المقدمة في قائمة هذه المعضلات. خوض ماراثون لم يكن الحل الأمثل لهذه التعقيدات، لكني شعرت فجأة بالحاجة إلى إثبات مقدرتي على تحقيق الأمر.

وجدت نفسي في إحدى عطلات السبت النادرة وأنا أتعرق من الحيرة في وسط متجر للأحذية الرياضية، قست أكثر من حذاء رياضي قبل لجوئي إلى موظف المبيعات السيئ الحظ صارخةً: «لا أعلم كيف عليَّ أن أشعر عند ارتدائي تلك الأحذية، فأنا لست عداءة!». أخيراً، تخلصنا -أنا والبائع- من المأساة الكائنة، ابتعت حذاء رياضياً بألوان مناسبة وهرعت خارج المتجر.

اقترحت صديقتي عليَّ أن أبدأ بالركض في سباقات النصف ماراثون -حوالي 20 كيلومتراً- ثم أنتقل من هناك. كان الأمر مأساوياً، تعرقت من أماكن في جسدي لم يخطر في ذهني يوماً أنها قد تتعرق، كل خطوة بدت كعمل شاق، مهما كان الطريق الذي أسلكه، فقد كانت كل الطرق مزدحمة بعدائين من عيار المشاركين في المسابقات الأولمبية، أغلبهم لم يخفِ دهشته عند إدراكهم أن سبب ذاك الصوت الذي يأتي من خلفهم هو أنا، ألهث لالتقاط أنفاسي. لم أجد متعة الركض التي قرأت عنها في مواقع العالم الافتراضي. عندما حققت أول كيلومتر، راسلت صديقتي سعيدة وأشعر بنشوة الانتصار، كتبت صديقتي: «هذا جيد، لا يزال أمامك 19 كيلومتراً».

حاولت أن أتوصل إلى أيهما أفضل -من وجهة نظر شخص مرهق تماماً- أن أتقيأ أم أن أجهش بالبكاء.

نظراً لوجودي الدائم داخل حملات سياسية مشحونة ومنظمات غير هادفة للربح، كانت مرحلة البلوغ بالنسبة إليّ تتمحور حول العمل لمدة 80 ساعة أسبوعياً، والنوم عند الحاجة فقط، دون أي مراعاة للاهتمام بالنفس أو خلق توازن بين العمل وحياتي، فقد شعرت دوماً بالأنانية عند استقطاع وقت لنفسي، وهو وقت لن يؤثر في إنقاذ العالم أو انتخاب المرشح الأفضل للرئاسة.

وفي إحدى الليالي، خُضت نقاشاً مع نفسي حول طلبي لوجبة العشاء من مطعم Seamless، أو احتساء كوب ثالث من آلة صنع القهوة، قررت إما أن أبدأ الآن أو لن أبدأ أبداً. بدلت ملابسي في حمام المكتب ورحلت تاركة ورائي مقالات نصف مقروءة عن عيادات الإجهاض التي تتطلب انتظاراً يصل إلى 72 ساعة في ولاية ميسوري، وغلق مراكز الصحة النسوية في ولاية تكساس. عند ركضي على طريق الغرب السريع، شعرت بالأنانية، ولكني شعرت في نفس الوقت بالحرية.

بدأت أتطلع لهروبي اليومي من المكتب، وانتقلت من الشعور بالحرج من إخبار زملائي بالأمر إلى الإفصاح عنه لكل أصدقائي، وتمسكت بالركض أكثر عند تحققي من مساندتهم لي، ففي أكثر من مناسبة كان مديري يتساءل: «أليس عليك الركض اليوم؟، اخرجي من هنا!».

لم يكن العمل الأمر الوحيد الذي تركته خلفي عندما بدأت الركض، فخلال سنوات المراهقة التي مارست خلالها التزلج على الجليد، كنت مهووسة بشكل غير صحي حول كل سعرة حرارية أتناولها في أي وجبة، بينما الآن، أتخيل الوجبة التي سأتناولها عند الانتهاء من العدو. عندما أنهيت أول 16 كيلومتراً من الماراثون، تعرفت على منتج GU، وهو هلام سميك حلو يتناوله العداؤون لضمان حصولهم على التغذية الكافية. وجدت نفسي أمارس رياضة تركز على تناول ما يكفي من الطعام؛ لأتوقف عن عدّ السعرات الحرارية والتمتع بوجبتي.

أحببت حقيقة أنه في حالة تمكني من ركض 4 كيلومترات هذا الأسبوع، سوف أتمكن من ركض 5 كيلومترات في الأسبوع القادم، مثلما أحببت من قبل انتهائي من المشاريع الموضوعة في قائمتي للأشياء التي يجب أن أقوم بها. تحقق أمر سحري عند وصولي لتحدي الـ6 كيلومترات، فقد توقفت عن التفكير في كل خطوة، ربما حدث ذلك جراء إيقاع خطواتي على الأرض، هرمون الأندروفين، أو التدريب. مهما كان الأمر، فقد تحول العدْوُ إلى وقت أحلام اليقظة، والتخطيط لحياتي خلال الخمس سنوات القادمة، أو مجرد الاستمتاع بالموسيقى.

عند مواجهتي لانقطاع وحي الكتابة، بدلاً من التقوقع أمام الكمبيوتر دون رجاء، تركت المكتب وذهبت للعدو، عند وصولي إلى قمة تل حديقة Brooklyn Prospect، وجدت نفسي أقول: «لماذا لا أجرب هذه الطريقة». الركض قام بتحرير جزء من عقلي لم أكن أستخدمه من قبل، هو مثل فك صمام ضغط. أتذكر قول والد أحد أصدقائي -الذي اعتاد المشاركة في الماراثونات- لي بجدية خالصة: «أحل العديد من مشاكل العالم عندما أعدو»، بدلاً من اعتباره مخبولاً هززت رأسي موافقة.

عندما اقترح ترمب محاسبة النساء اللاتي يقمن بالإجهاض، حققت أسرع كيلومتر في مسيرات ركضي.

صبيحة أول نصف ماراثون لي، استيقظت في الفجر وركبت القطار إلى Central Park، عند وقوفي إلى جانب مئات النساء على خط البداية، استجمعت شجاعتي وأطلقت ساقي للريح مثل طلقة، بعد ثلاثة كيلومترات، شعرت بألم شديد في ركبتي اليسرى، وبدا وجهي شديد الاحمرار مثل ثمرة شمندر، فقد ارتكبت خطأ عداء مبتدئ، عندما ركضت بسرعتي القصوى في بداية الماراثون، تنحيت جانباً وبدأت أفكر، ما الحل الأفضل؟ أن أتقيأ ام أجهش بالبكاء.

مرت سيدة في منتصف العمر ترتدي تي شيرت مكتوباً عليه «أقوى من السرطان» من جانبي، توقفت لمساعدتي. استمرت في مساعدتي حتى تمكنت من الهرولة وإنهاء السباق. لم يكن ذاك الماراثون رائعاً، لكنني تمكنت من إنهائه. بعد ارتمائي بين يدي أصدقائي من التعب، وشربي غالونين من المياه على الأقل، قررت الاشتراك في الماراثون القادم، إنهائي هذا السباق يجعلني قادرة على خوض أي شيء آخر.

تبين أن التدرب على خوض ماراثون كامل، مثله مثل التدرب على نصف ماراثون، هو أطول فقط، الركض كان يزداد صعوبة أحياناً، مثلما حدث في اليوم الذي عدوتُ فيه مسافة 32 كيلومتراً وسط الأمطار الغزيرة، في ذلك اليوم صار الالتهاب أمراً اعتيادياً، وأيضاً حك الجلد، يا إلهي، الاحتكاك بشع. لكنه قدم لي راحة من الضغط، والإحباط، وخيبة أملي جراء هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات النصفية. قطع خط نهاية هذا السباق -تقريباً 42 كيلومتراً-  والانتخابات كانت خلفي بصورة رسمية، كان أفضل شعور لي، بشكل ما صرت مغرمة بالركض.

شاركت في ماراثونَين لاحقاً أثناء عملي في الحملة الرئاسية للمرشحة هيلاري كلينتون، مع ارتفاع نسبة الاضطراب في حياتي وعملي -حينذاك لم يمكن فصلهما عن بعضهما البعض- العدو تحول إلى وسيلة نجاة بالنسبة إلي. كان فريق الحملة يقضي 12 ساعة متكدسين داخل المكتب، حتى شابهت رائحة بعضهم روائح علب التونة، وسط علب البيتزا الخالية وزجاجات الكولا الفارغة. كنت أركض حينذاك لمدة 40 دقيقة كل ليلة، كنت أندفع خارجةً من الباب وأنا أشعر بالقلق والاضطراب، وأركض لأستعيد سلامة عقلي. عندما اقترح ترمب معاقبة النساء اللاتي يقمن بالإجهاض، حققت أسرع كيلومتر في مسيرة ركضي، عندما تسربت شرائط فضائحه – أي ترمب- في هوليوود، عدوت باكية بينما أمر بجانب تمثال الحرية.

لم يختبر أي شيء مدى إيماني بالبشر مثلما فعلت انتخابات 2016 الرئاسية، ولم يجدد أي شيء هذا الإيمان سوى العدْو.

قالت كاثرين سويتزر، إحدى أولى النساء المشاركات في ماراثون بوسطن: «إذا كنت تفقد إيمانك بطبيعة البشر، اخرج وشاهد ماراثوناً». لم يختبر شيء إيماني بالبشر مثلما فعلت انتخابات 2016 الرئاسية، ولم يجدد هذا الإيمان سوى العدْو، فقد رأيت غرباء يشجعون العدائين وسط ثلوج ويسكونسن.

عند مشاركتي في سباق بولاية نيويورك -الولاية الأكثر تأييداً لهيلاري كلينتون- حاوطته من كل اتجاه لافتات مساندة للمرشحة هيلاري كلينتون، أعطتني سيدة تحمل لافتة لترمب شريحة برتقال بعد قطعي مسافة 25 كيلومتراً.

بعد انتهاء أسوأ يوم في حياتي – نوفمبر/تشرين الثاني 2016، نهاية الانتخابات الرئاسية الأميركية- في المرة الأولى التي شعرت فيها بإنسانيتي عندما جررت نفسي من السرير وذهبت للركض؛ إذا لم أجاهد نفسي وأقوم في ذلك اليوم، ربما فاتتني رسائل الأطفال من الحي في وسط مدينة بروكلين المكتوبة على الرصيف بالطباشير «استمري في النضال»، «قوة الفتاة!».

 جلب العَدْو لي أكثر من مجرد متنفس ومهرب من حياتي، فقد جلب لي المتعة، وساقين يعتريهما الألم باستمرار، وركبة يسرى موجوعة وملابس تحتاج إلى التجفيف، وبشرة سمراء بشكل دائم، لكنه علمني أيضاً العديد من الدروس المهمة في حياتي، اشرح سبب تعرقك عند عودتك للمكتب لزملائك، لا تحاول مراجعة بريدك الإلكتروني أثناء مشاركتك في سباق، لا تضع أغنية Singed, Sealed, Delivered ضمن الموسيقى التي تستمع إليها، إلا إذا كنت تريد أن تبكي على أطلال ذكرى رئاسة باراك أوباما، والأهم في كل ذلك، حتى إذا لم يمكنك الجري والهرب من مشاكلك، يمكنك بالتأكيد الجري خلالها.

هذا الموضوع مترجم عن مدونة Medium

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
كيف تجعل غرفة نومك مريحة وجميلة من دون تكلفة مادية؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
كانت ملابسي مبتلة دائماً وركبتي اليسرى موجوعة.. أنا كاتبة خطابات هيلاري كلينتون وهذا ما يجب أن تتعلمه من حياتي