بعد طرد السفير وقطع العلاقات التجارية بين كندا والسعودية .. من ينتصر في هذا الصراع؟
الجمعة, 19 أكتوبر 2018

بعد طرد السفير وقطع العلاقات التجارية بين كندا والسعودية .. من ينتصر في هذا الصراع؟

يُعد طرد السفير الكندي بالمملكة العربية السعودية، إلى جانب تجميد العلاقات التجارية بين البلدين، تطوراً مثيراً في شهر أغسطس الهادئ بطبيعته.

غضب السعوديون مما اعتبروه تدخلاً في سيادتهم، بعد أن كتبت وزارة الخارجية الكندية يوم الجمعة في تغريدة: «تشعر كندا بقلق بالغ إزاء الاعتقالات الإضافية لنشطاء المجتمع المدني وحقوق المرأة في السعودية، ومن بينهم سمر بدوي. نطالب السلطات السعودية بالإفراج عنهم فوراً وجميع الناشطين السلميين الآخرين في مجال حقوق الإنسان».

لم يكن انتقاء الكلمات حكيماً على وجه الخصوص؛ لأنه يبدو وكأنه أمر، مع افتراض أن السعودية ستفعل بطريقة ما ما تقوله كندا، وهذه ليست طريقة جيدة للحفاظ على العلاقات الودية.

وتتفاخر كندا بعدم التصرف على طريقة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبينما افتقرت التغريدة إلى أسلوب ترمب الحماسي، إلا أنها افتقرت أيضاً إلى الحنكة السياسية.

المنظور الكندي العالمي

يختلف نهج كندا تجاه الخليج قليلاً عن النهج الذي تتبعه المملكة المتحدة والولايات المتحدة، اللتان تربطهما مصالح أوسع في الشرق الأوسط وترتبط بشكل وثيق مع مصالح أوتاوا.

بالنسبة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فإن علاقتهما مع الخليج عميقة وطويلة الأمد لدرجة أن المخاوف بشأن حقوق الإنسان أو السياسات غير المتسقة ليست كافية لعرقلتها. مثل هذه المخاوف لن تثار في المحافل التي من شأنها أن تحرج ​​شركاء الخليج علناً، ولكن يفضل تركها لكبار المسؤولين للتعاطي معها بهدوء، خلف الأبواب المغلقة.

ومع ذلك، فإن هذا النهج لا يتلاءم بشكل جيد مع كندا. تعد حقوق الإنسان أحد الركائز الأساسية من المنظور الكندي العالمي، على الرغم من أنها تُطبق بشكل انتقائي. فقد كانت حكومة ستيفن هاربر المحافظة، في بعض الأحيان، تركز بشدة على سجل الصين في مجال حقوق الإنسان. أما حكومة جاستين ترودو الليبرالية فهي صامتة بشكل ملحوظ، ولكن عندما يتعلق الأمر بالخليج يحدث العكس تماماً.

اندلعت المواجهة بين القيم الأساسية لكندا ومصالحها الدفاعية من خلال صفقة بيع مدرعات خفيفة إلى السعودية مقابل مليارات الدولارات. وأثار الاتفاق معارضة شديدة في كندا مما دفع كل من هاربر وترودو إلى الدفاع مراراً عن الصفقة، وسط مخاوف بشأن السجل السيئ لحقوق الإنسان في السعودية.

وعلى الرغم من أن مثل هذه الجادلات تحدث في لندن وواشنطن أيضاً ، فمن غير المرجح أن يواجه أي منهما ضغوطاً ضد بيع معدات ليس لها دور قتالي مباشر. سيحتل هذا مرتبة متدنية على مقياس الأمور المثيرة للجدل، بالمقارنة مع قضية المعدات العسكرية البريطانية والأميركية التي تسهل الحرب الكارثية بقيادة السعودية في اليمن.

التجارة الثنائية

بالنظر إلى أن الكنديين حساسون للغاية تجاه القيام بصفقات دفاعية مع دول الخليج، فإن أي خلاف مع المملكة حول حقوق الإنسان يجب أن يلعب دوراً محلياً لصالح ترودو. حيث يمكنه أن يلمع سيرته في مجال حقوق الإنسان وأن يبدو قوياً أمام دائرته الانتخابية الأساسية. ويمكن أيضاً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الاستفادة من الموقف على الصعيد المحلي، مدعياً أنه وقف في مواجهة البلطجة الكندية.

على ما يبدو فكلا الطرفين فائز، إلا أن الوضع ليس كذلك، لا يمكن لكندا أو السعودية الخروج من هذا الإخفاق مع الكثير من العرفان. قد يعتقد السعوديون بأنهم يستطيعون الاستمرار دون الحاجة لأوتاوا، فالعلاقات التجارية الثنائية ليست قوية أو مرتفعة بشكل خاص، وهناك الكثير من الدول الأخرى التي يمكن القيام بأعمال تجارية معها. المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة يشكلون أكثر من تعويض عن خسارة كندا كشريك في الدفاع.

لكن صورة المملكة تتشوّه على نحو متزايد بسبب اتهامات حول انتهاجها سياسة خارجية غريبة وغير متوقعة، حيث يعدّ طرد السفير والتهديد بإنهاء العلاقات التجارية بناءً على تغريدة -بغضّ النظر عن مدى حساسيتها- هو رد فعل مبالغ فيه.

إذا تأثرت العلاقات التجارية بمجرد تغريدة، فمن المحتمل أن يتقلص طابور المستثمرين الصغير الذين يتطلعون إلى القيام بأعمال تجارية مع الرياض. السعودية في حاجة إلى الاستثمار الأجنبي بعد معاناة تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج والتراجع الكبير في الاستثمار الأجنبي المباشر.

من غير الواضح ما الذي سيحدث الآن، سوف تكون هناك حاجة إلى اعتذار من قبل كندا لكي تعود العلاقات إلى طبيعتها، واحتمالية حدوث ذلك متروكة لترودو.

الإصلاحات المحلية

بالأحرى يظهر هذا الخلاف غير المقبول أن وليّ العهد السعودي لن يتقبل أي تدخل في برنامجه الخاص بالإصلاح المحلي. لم يساعد نهج كندا الشجاع بانتقاد الإصلاحات الاجتماعية في المملكة في تحسين الأمور، لكن الفكرة العامة أصبحت واضحة: الإصلاحات ستتم وفق طريقة بن سلمان، بالسرعة التي يحددها، وفي الوقت الذي يختاره.

ربما تعلّم ولي العهد دروساً من الحكام المستبدين الذين فتحوا الأبواب أمام الإصلاحات، ثم أسقطتهم تلك الإصلاحات، كما حدث في الاتحاد السوفييتي.

في شهر مارس/آذار، ذكرت أن الإصلاحات الاجتماعية التي قام بها بن سلمان تستحق الثناء، ولكن على الرغم من ذلك فإن التغيير الذي يتم إجراؤه مهما كان الثمن لا يعتبر تغييراً على الإطلاق. هذه العبارة أصدق من أي وقت مضى الآن. ولسوء الحظ، فإن التقدم الجدير بالثناء الذي أحرزته الرياض في مجال حقوق المرأة قد تشوَّه بسبب احتجاز الناشطات. إن دخول كندا في النقاش لا يغير حقيقة أننا يجب أن نشعر بالقلق إزاء الجوانب القبيحة لمشروع الإصلاح السعودي.

من مصلحة كل من واشنطن ولندن البقاء بعيداً عن هذا الخلاف، لكن يجب مراقبة مسار هذه الأزمة عن كثب.

جميع الدول تستحق أن تعامل بشيء من الاحترام. لكن على الرياض أن تفهم أن رد الفعل المبالغ به يوحي بالضعف وليس القوة.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اتفاقيات أوسلو.. لماذا فضّل رابين منظمة التحرير الفلسطينية على الجانب السوري؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
بعد طرد السفير وقطع العلاقات التجارية بين كندا والسعودية .. من ينتصر في هذا الصراع؟