الاستماع لنفس الأغاني، قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام نفسها، يبدو أنك مصاب بنوع محدد من الأمراض »
الثلاثاء, 16 أكتوبر 2018

الاستماع لنفس الأغاني، قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام نفسها، يبدو أنك مصاب بنوع محدد من الأمراض »

 

لقد بحثت دائماً عن الراحة في الأشياء المألوفة. أقوم بإعادة مشاهدة العروض التلفزيونية نفسها. أقوم بإعادة قراءة الكتب نفسها. أستمع لنفس قائمة الأغاني لعدة أشهر. لا يتعلق روتيني بالجدولة، بل يتعلق بوضع قائمة مختصرة من الأنشطة المألوفة؛ يبدو الأمر كما لو كنت أحاول الهروب من دماغي.

لا يُشخص فردان يعانيان من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) بنفس الأعراض بالضبط، لكن هناك بعض القواسم المشتركة. على سبيل المثال، لا يعاني الغالبية العظمى من البالغين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من فرط النشاط خارجياً، وإنما يعانون من فرط النشاط الداخلي.

في اللحظة التي يلمس رأسي الوسادة، يبدأ عقلي بالتشقلب والدوران. ترتقي الأفكار المتطفلة برؤوسها القبيحة في دماغي. أتذكرين عندما أبكيتِ تلك الفتاة الصغيرة في الصف السادس لأنك لم تتوقفي عن لكزها؟ أتذكرين عندما قلتِ (الهراء يحدث-shit happens) أثناء مقابلة العمل التي قمتِ بها؟ أم تذكرين عندما شربتِ الكثير من الشمبانيا في موعد غرامي ثم انفجرت باكيةً وأنت تشاهدين فيلم «مباريات الجوع» Hunger Games؟

ومع ذلك، في أغلب الأحيان، تكون أفكاراً كبيرة ونصف مخبوزة ليصبح عقلي كسيارة مهرج. أفكار بخصوص العمل، أفكار لكتاب جديد، أفكار عن رعاية الطفل الذي لم يوجد بعد. إن العالم مليء بالإمكانيات غير المحدودة للتأمل فيها، وليس لدى دماغي أي فكرة عن مكان وضع كل منها. إنها فقط مبعثرة في الأنحاء مثل الكرات في آلة اليانصيب.

 

في حالة الـ (ADHD)، يعاني الدماغ من نقص العمالة

 

مناغمة الأشياء مع العالم الخارجي مهمة عصيبة. يقول ويليام دودسون، طبيب بشري متخصص في حالات الـ ADHD في دنفر، كولورادو، في مقالته على موقع ADDitude إن العديد من الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يملكون حواس مرهفة، ما يجعل السيطرة على ما يحفزنا أمراً صعباً. أنا أكره الملصقات على القمصان. لا أحب أن يلمسني أحدهم بشكل مفاجئ. الموسيقى الصاخبة في الصباح توترني. أقلب هاتفي على وجهه ليلاً حتى لا أرى الضوء النابض على الشاشة أثناء شحنه. أقوم بضوضاء حولي حتى أهرب من صوت الأنشطة الليلية للبيوت. دقات الساعة كالجحيم، وأعيش في خوف من الجيران الساهرين بأصواتهم الجهورية العالية. حتى في فصل الشتاء، كنت أنام بجانب مروحة متجهة للحائط وتصدر الذبذبات، حتى اشترى لي زوجي آلة تصدر الضجيج الأبيض.

لقد طورت عادات جيدة. أتعاطى الدواء بانتظام، أقوم بعمل قائمة مهام  يومياً، مكتبي مكتظ بالملاحظات المعلقة، لا أعزف الموسيقى أثناء العمل -سأكتفي بالاستماع لها- ومروحتي العزيزة تساعدني في إخماد صوت دماغي الذي يتجادل مع نفسه، أحتفظ بصفحات من فوقها صفحات بشأن مشاريع متداخلة. ليس غريباً أن يواجه الأفراد المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه صعوبات في تصور مهمة كاملة من بدايتها إلى النهاية. ألتقطُ خيطاً واحداً، وأستمر به قليلاً، ثم ألتقطُ خيوطاً أخرى على طول الطريق، وقبل أن أدرك، ينتهي بي الأمر وأنا ممسكة بكرة متشابكة من الخيوط. مع تقدمي في السن، طورتُ من صبري لأتمكن، في بعض الأحيان، من استخلاص خيط من الكرة.

قبل أن أتعلم كيفية إدارة وقتي، كانت تظهر المواعيد النهائية للمشاريع أو العمل من العدم؛ وبعد إحدى عشرة ساعة، كنت أجد الدافع لإخراج المنتج النهائي في وقت قياسي. كنت أشعر في كثير من الأحيان أن الأرنب هو من يحاول اللحاق بالسلحفاة، وهي تجول بلا هدف، تتخللها لحظات مفاجئة  من الطاقة المتفجرة.

لقد تعلمت التحكم بميزة شائعة، لكن غير بديهية، للـ ADHD تسمى (التركيز المفرط – hyperfocus). أجلس للعمل الساعة 8:30 صباحاً، وفجأة أجد الساعة 3:45 مساءً. عادة، يحدث ذلك للأشخاص الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة فقط عندما يقومون بشيء يستمتعون به. لذلك، فهذه علامة جيدة على أنني أحب عملي. بالطبع، هذا يعني أيضاً أنني أشعر أن بيتي قد ضربه إعصار، وأيضاً غالباً ما أنسى تناول الغداء.

عندما أخرج من حالة التركيز تلك (The Zone)، فإن كل أفكاري غير المهمة تطفو مجدداً على السطح. في الدماغ الطبيعي، يحتوي مسار المكافأة على «فريق تنفيذي» مدمج في النواة المخططة داخل الدماغ، مما يساعد في تنظيم التدفق المستمر للأفكار والعواطف وإيداعها في أماكنها المناسبة. بعض العناصر يستوجب المعالجة الفورية، وبعضها يمكنه الانتظار، والكثير منها يذهب مباشرة إلى سلة المهملات. يرسل الفريق العنصر الأكثر أهمية في جدول الأعمال إلى قشرة الفص الجبهي للفت الانتباه.

أما في دماغ المصاب باضطراب فرط الحركة، فإن الفريق يعاني من نقص الموظفين. يذهب كل شيء -بما في ذلك القمامة- إلى كومة واحدة كبيرة يتساوى فيها مستوى الأهمية. كتب دوسون أن المنشطات تعمل كمساعد لتقديم الدعم للفريق التنفيذي، مما يساعد النواة المخططة على اختيار المهمة الأكثر أهمية، بدلاً من نصف دزينة في المرة الواحدة.

ومع ذلك، توجد ميزة واحدة مصاحبة لحالات ADHD وهي: التعرف على الأشياء التي يرغبون في القيام بها والأشياء التي لا يرغبون في القيام بها.

يمثل الدافع رد فعل كيميائياً. كتبت إلين ليتمان، حاصلة على الدكتوراه في علم النفس السريري في نيويورك، أن مسار المكافأة في أدمغة المصابين باضطراب فرط الحركة غير متوازن. يتطلب الأمر الكثير من الدوبامين لجعلنا نشعر بالسعادة والرضا. متلازمة نقص المكافأة (RDS)، وهو مصطلح صاغه كينيث بلوم الحاصل على الدكتوراه، يجعل من الصعب للغاية استحضار قوة الإرادة اللازمة للقيام بالمهام الاعتيادية -حتى المهمة منها- إذا لم تحصل على دفعة كبيرة من الدوبامين. سلوك البحث عن التفرد أمر شائع.

قد يصبح بعض الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من رجال الإطفاء، أو قائدي سيارات متهورين، كما يمكنهم حتى اللجوء للمخدرات بحثاً عن الإثارة. ترتبط متلازمة RDS بالتسويف والإدمان، وكلاهما من السمات الشائعة لدى مرضى الـ ADHD. قد يسميه البعض نقص الإرادة، ربما هم على حق -بطريقة ما- لكن هذا الأمر مراده كيمياء الدماغ، وليس الكسل.

لصياغة الأمر ببساطة، نحن كالحمار، والدوبامين كالجزرة. وهو الجزرة الوحيدة.

بالطبع، ليس كل دماغ يعاني من اضطراب فرط الحركة مدمن للأدرينالين. كتبت ليتمان أن الأشخاص مفرطي الحساسية ممن يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه قد يعيشون في حالة مستمرة من الحمل الحسي الزائد. مع وجود الكثير من التحفيز ولكن ما من طريقة لتقسيمه، قد يلجأ هؤلاء الأشخاص لتجنب الحشود أو الأماكن الصاخبة؛ يلجأ الكثير منهم لألعاب الفيديو، حيث يحصلون على كميات عالية من الدوبامين وأيضاً يمكنهم التحكم في كمية المدخلات الحسية.

يبدو أنني أنتمي لكلا المعسكرين. سأقفز بكل سرور من منحدر، أو أقوم بعملية التنفس الصناعي، أو أركب الأفعوانية، أو زيارة أماكن جديدة، أو قيادة عربة رباعية الدفع على الطريق السريع. لكن عندما يحين الوقت لاستعادة السيطرة على مستوى التحفيز، فأنا أستخلص نفسي وأبحث عن المتعة في الأنشطة المألوفة والمريحة. التجارب الجديدة خلال هذه الفترة ــ كمشاهدة هذا الفيديو على اليوتيوب، أو محاولة طلب شيء جديد وممتع للعشاء، أو حتى سلك طريق مختلف للمنزل! ــ تصبح أقل ودية، ما يزيد الشعور بالتيه والتوتر. لكي أحصل على دفعة الدوبامين والهروب من الفوضى، أقوم بمشاهدة فيلم سيد الخواتم مراراً وتكراراً بينما ألعب كاندي كراش. أو أستمع إلى نفس قائمة الأغاني التي تحتوي على 20 أغنية. أو أقوم بعزف مقطوعات مألوفة على البيانو. أو أقوم بقراءة روايات هاري بوتر للمرة الثانية عشرة.

تجعل سيكولوجيا الـ ADHD من هذا السلوك أمراً منطقياً. يقول الطبيب النفسي نيد هالويل، مؤسس مراكز هالويل ومؤلف كتاب «Driven to Distraction»، «يجد الأشخاص المصابون بمتلازمة ADD طرقاً مختلفة لتهدئة الذات. يمكن المساهمة بذلك في إيجاد عمل روتيني والقيام بتكراره مراراً وتكراراً. إنهم يتطلعون إلى تغيير حالتهم الداخلية».

«أسمي هذا بـ»الشعور بالحكة» في صميم الـ ADHD. بعض الطرق الأكثر تكيفاً للتخلص من تلك الحكة هي وجود منفذ إبداعي، أو تمرين بدني، أو اللجوء إلى العلاقات الوثيقة. أما الطرق اللا تكيفية فتتمثل في الأنشطة القهرية، والمقامرة، والمخدرات، وتصفح الإنترنت، وألعاب الفيديو، إلى آخر هذا النوع من تلك الأشياء.

تؤيد ساندي نيومارك هذا القول، وهي حاصلة على الدكتوراه في الطب، ومؤسسة مركز الطب التكاملي للأطفال، ومؤلفة كتاب «ADHD من دون أدوية: دليل للعناية الطبيعية للأطفال الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة». تقول ساندي «يعاني الكثير من الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أيضاً من اضطراب في المعالجة النفسية.. إن كان هذا الاضطراب من النوع الذي يجعلهم حساسين للغاية (أو شاردين)، فقد يكون ذلك سبباً وراء البحث عن أنشطة مألوفة…أستطيع أن أفهم كم سيكون هذا مهدئاً لهم». في حالتي، استمر هذا السلوك معي حتى في حياتي كبالغة، وهو أمر غير مألوف في اضطراب فرط الحركة.

الشيء المهم الذي يجب تذكره، بالنسبة للمصابين باضطراب فرط الحركة على وجه الخصوص، أن كل مهرب هو أيضاً مدخل.

يقول هالويل «تترك أحد الأماكن، فقط لتدرك أنك دخلت مكاناً غيره. فعندما تشاهد التلفاز، فأنت تهرب للعالم الخاص بالعرض التلفزيوني. وعندما تركب أحد الألعاب في مدينة الملاهي، فأنت تهرب للتشويق الذي يتملكك من ركوب اللعبة. أما عندما تهرب إلى المخدرات، فأنت تدخل للعالم الذي تخلقه لك المخدرات. أنت لا تهرب إلى أي شيء».

على الرغم من الشعور بالفوضى، نتفوق نحن الأشخاص الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة في الأشياء التي نستمتع بها. لدينا قدرة مميزة على توجيه طاقاتنا إلى مهن إبداعية، كالكتابة، الصحافة، الموسيقى، التصميم، التدريس، والعمل الحر.

نميل باستمرار إلى الهروب من الملل والسعي وراء ما يجعلنا سعداء. بوجود العادات الصحية السليمة والدعم والتواصل الجيد، قد يقودنا هذا لحياة رائعة.

أحب أن أرى عالماً حيث يسعى الجميع فيه وراء سعادتهم بدلاً من السعي وراء ما يعتقدون أن عليهم القيام به. في ذلك، أعتقد أننا أصحاب أدمغة الـ ADHD قد رأينا ذلك.

هذا الموضوع مترجم عن Medium

 

 

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
الاستماع لنفس الأغاني، قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام نفسها، يبدو أنك مصاب بنوع محدد من الأمراض »