هل تعاني من الاكتئاب أو خرجت لتوك من علاقة عاطفية مؤلمة؟ هكذا يمكن أن تتعالج عن طريق الأحلام؟
الأربعاء, 15 أغسطس 2018

هل تعاني من الاكتئاب أو خرجت لتوك من علاقة عاطفية مؤلمة؟ هكذا يمكن أن تتعالج عن طريق الأحلام؟

عندما ألقي محاضرة جامعية عن الأحلام، أسأل عادة الحاضرين إذا كان يرغب أحدهم في سرد حلم لأفسّره على الفور. فيما يلي نموذج مكرر لطالب سأسميه (كايل). يخبرنا أنه رأى حلماً يركض فيه داخل موقف سيارات تحت الأرض متجهاً ناحية سيارته، ولم يكن يعرف سبب الركض، لكنه أراد أن يصل إلى سيارته. وعندما وجدها، حاول تشغيلها لكن كلما أدار مفتاح تشغيل السيارة، لا يحدث شيء. وبينما هو على هذا الحال، إذ بهاتفه الجوال يُصدر جرساً ويستيقظ بعدها.

تطلعت ملياً في وجه كايل، وقلت: «أعلم يقيناً ما يعنيه حلمك يا كايل، إنه عن الوقت  لأكون أكثر دقة، إنه عن عدم وجود وقت كافٍ للقيام بالأشياء التي تريد فعلها في حياتك». علت وجه كايلي علامات الموافقة والارتياح للتفسير، وبدا باقي الطلبة مقتنعين. ثم أوضحت لهم الحقيقة، قائلاً: «لدي اعتراف يا كايل؛ بغض النظر عن أي حلم يقصه أحدهم، فإنني أقدم نفس التفسير ويبدو دائماً ملائماً».

حمداً لله فقد تحلّى كايل بروح رياضية ولم يأخذ الأمر بنية خاطئة.

شرحت لهم أن سبب إجرائي لهذا التمرين هو إظهار خطأ اعتقاد سيجموند فرويد القائل بأن الأحلام هي وسيلة عقلنا اللاواعي للتعامل مع الأفكار التي قمعها عقلنا الواعي. سيطر هذا الاعتقاد غير العلمي على الطب النفسي وعلم النفس لقرن كامل. يمكنني من خلال «تفسير» حلم أحد الطلاب إثبات خطورة التفسيرات العامة التي تبدو شديدة الخصوصية، رغم أنها لا تحمل أي دلالة علمية.

أدرك أن كل ذلك يبدو تراهات؛ لكني لا أعتبر محاولة تفسير حلمك بمفردك أو مشاركته مع شخص ما مضيعة للوقت، بل على النقيض، فأنا أعتبر هذا أمراً مفيداً؛ لأن الأحلام لها وظيفة. في حقيقة الأمر، تدوين أحلام اليقظة ومشاعرك وهمومك له فائدة كبيرة للصحة النفسية، وينطبق ذات الأمر على الأحلام. مع ذلك، فإن طريقة التحليل النفسي المبنية على نظرية فرويد غير علمية ولا تحمل أي فكرة قابلة للتكرار أو موثوقة أو منهجية لفك تشفير الأحلام.

وللإنصاف فإن علم الأعصاب كان مجالاً وليداً حين فكر فرويد في الأحلام، ولم يصل العلم وقتها إلى القدرة على تفسير الأحلام. لدينا اليوم نظرية تفسيرية موثقة مبنية على رصد علم الأعصاب لحركة العين السريعة والتي تعد مرحلة النوم الرئيسية والتي تحدث الأحلام خلالها. وبناء على ذلك، أصبح لدينا الآن نظريات علمية مجربة تفسر كيف نحلم أو ما تعنيه أحلامنا.

يمنح علم الأعصاب الفرصة للرد على أكثر الأسئلة إثارة في علم النوم: لماذا نحلم؟

استنتج زميلي روبرت ستيك غولد بجامعة هارفارد بعض الأدلة الأولية بتصميم تجربة لتحديد إلى أي مدى تعتبر أحلامنا استرجاعاً دقيقاً لآخر ما عشناه من تجارب يقظة، كان لديه 29 شاباً على مدار أسبوعين ولكل منهم سجل تفصيلي للنشاطات النهارية ومخاوفهم العاطفية. وطلب منهم تدوين أي حلم يتذكرونه بمجرد استيقاظهم ثم استدعى حكاماً خارجيين تتلخص مهمتهم في مقارنة تقارير أنشطة استيقاظ المشتركين مع تقارير أحلامهم.

اكتشف ستيك أن فقط  1- 2% من بين 299 تقريراً كانت عبارة عن استرجاع لأحداث اليقظة السابقة، وبالتالي فإن الأحلام ليست ببساطة إعادة تشغيل مسائية للتسجيل المصور خلال اليوم. لكن الباحثين وجدوا أمراً واحداً يربط تقارير اليقظة بالأحلام الليلية: وهي العواطف. فقد تجسدت المواضيع العاطفية والمخاوف التي عانى منها المشاركون خلال النهار بقوة وبشكل واضح في أحلامهم بنسبة تتراوح بين 35 و55%.

إن كان هناك خيط خفي يتسرب من حياتنا باليقظة إلى أحلامنا سيكون الهموم العاطفية، وخلافاً لافتراضات فرويد اكتشف العلماء أن الأمر يحدث دون رقابة ولا تمويه. مصادر الحلم واضحة للجميع ولا تحتاج إلى مفسر. يقال إن الوقت كفيل بشفاء كل الجراح؛ لذلك قررت منذ بضع سنين اختبار صدق هذه الحكمة العتيقة؛ تساءلت ماذا لو كانت الجملة تحتاج إلى تعديل، ربما لا يداوي الوقت الجراح بل يداويها الوقت الذي نقضيه في النوم.

قمت بتطوير نظرية مبنية على الأنماط المجمعة لنشاط الدماغ ورسالات الدماغ الكيميائية خلال (حركة العين السريعة) فترة الحلم أثناء النوم، ومن هذه النظرية جاءت تنبؤات محددة: يقدم نوم حركة العين السريعة نوعاً من العلاج بين عشية وضحاها. تقضي الأحلام على الغصة المؤلمة بل وحتى الصدمات والحوادث النفسية التي عانيتها خلال اليوم، وتقدم حلولاً عاطفية تجدها حين استيقاظك في اليوم التالي.

وفي نفس النظرية رُصد تغيير مدهش في الخليط الكيميائي الذي يحدث في دماغك أثناء النوم (فترة حركة العين السريعة)، حيث يتوقف تماماً إفراز مادة كيميائية مرتبطة بالضغط تسمى النورادرينالين داخل دماغك عندما تدخل حالة النوم هذه. في الواقع هذا هو الوقت الوحيد خلال فترة 24 ساعة الذي يخلو فيه دماغك تماماً من هذه المادة المحفزة للقلق. فالنورادرينالين هو البديل الذي يفرزه المخ عوضاً عن الأدرينالين الكيميائي للجسم.

تساءلت ما إذا كان الدماغ أثناء هذه الفترة يعيد معالجة تجارب الذاكرة المزعجة مستغلاً هذا الهدوء (انخفاض النورادرينالين) وهي بيئة دماغية «آمنة» للنوم، مما ينتج عنه بلسم مهدئ ليلي مصمم بشكل مثالي لإزالة الضغوطات الحسية العاطفية للحياة اليومية؟

إذا صح ذلك التفسير، فمن المفترض أن نستيقظ بمشاعر أفضل تجاه أحداث حزينة حدثت قبل أن نحلم.

أمعن التفكير في طفولتك وحاول أن تستدعي أقوى ذكرياتك. ستلاحظ أن جميعها تقريباً لها أثر عاطفي في نفسك: ربما تجربة مرعبة لفصلك عن والديك أو أن تصدمك سيارة.

لاحظ أيضاً أن تذكرك لهذه الذكريات المفصلة لم يعد مصحوباً بنفس درجة العاطفة التي كانت حاضرة في ذلك الوقت. لم تعد ذكريات عاطفية، بدلاً من ذلك، فهي ذكريات لحدث عاطفي، لكنها تفتقر إلى الشحنة العاطفية الأصلية.

إن نظريتي البيولوجية العصبية حول القدرة العلاجية للأحلام تُرجع الفضل في فصل العاطفة عن التجربة ذاتها إلى الحلم أثناء نوم الريم/حركة العين السريعة — مثل تجريد البرتقال من القشرة المرة. لذلك يمكننا أن نتعلم ونتذكر على نحو مفيد أحداث الحياة البارزة دون أن تعيقنا الأعباء العاطفية التي حملتها تلك التجارب المؤلمة في الأصل.

تلك كانت النظرية؛ جاء بعد ذلك الاختبار التجريبي. وظفنا مجموعة من الشباب الأصحاء وقسّمناهم عشوائياً إلى مجموعتين. تأملت كل مجموعة عدداً من الصور العاطفية وهم داخل جهاز الرنين المغناطيسي أثناء قياسنا النشاط العاطفي للدماغ.

ثم بعد 12 ساعة، وضعناهم مرة أخرى داخل جهاز الرنين المغناطيسي، وقدمنا إليهم الصور نفسها، وقمنا مرة أخرى بقياس النشاط العاطفي للدماغ. خلال هذين الدورتين، قَيّم المشاركون أيضاً مدى إثارة كل صورة لمشاعرهم.

الأهم من ذلك، أن نصف المشاركين شاهدوا الصور في الصباح ومرة أخرى في المساء، مستيقظين بين العرضين. أما النصف الآخر فشاهد الصور في المساء ومرة أخرى في صباح اليوم التالي بعد ليلة كاملة من النوم.

من حظوا بقسط من النوم بين دورتي العرض أبلغوا عن انخفاض كبير في درجة تأثرهم العاطفي لرؤية نفس الصور مرة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت نتائج التصوير بالرنين المغناطيسي وجود انخفاض كبير ومؤثر في نشاط في الأميجدالا/اللوزة الدماغية، وهي المركز العاطفي في المخ الذي يخلق مشاعر مؤلمة.

علاوة على ذلك، كان هناك إعادة توظيف للجانب العقلاني للفص الجبهي من قشرة المخ بعد النوم، وهو ما ساعد في الحفاظ على تأثير مُلطّف يكبح جماح ردود الفعل العاطفية.

في المقابل، بقيت ردود الفعل الانفعالية العميقة لمخ أولئك الذين ظلوا مستيقظين طوال اليوم دون فرصة للنوم، بنفس القوة والسلبية، هذا إن لم تزد عند المشاهدة الثانية للصور. كما أفاد أولئك المشاركون بأنهم شعروا مجدداً بالمشاعر المؤلمة بقوة مماثلة للمرة الأولى.

بما أننا سجلنا نوم كل المشاركين في التجربة خلال الليلة المتداخلة بين جلستي الاختبار والمشاهدة، يمكننا الإجابة على سؤال آخر: هل هناك شيء يخص نوع وجودة نوم الفرد، يمكن من خلاله أن نتنبأ بمدى نجاح النوم في حسم قراراته العاطفية في اليوم التالي؟

كما تنبأت النظرية، كانت حالة الحلم أثناء نوم الريم/حركة العين السريعة -وأنماط محددة من النشاط الكهربائي التي تعكس الانخفاض في كيمياء المخ المرتبطة بالإجهاد أثناء حالة الأحلام- هي التي حددت نجاح العلاج الليلي من فرد إلى آخر.

إذاً، ليس الوقت هو ما يعالج كل الجروح، بل الوقت الذي تقضيه في الحلم أثناء النوم هو ما يعينك عاطفياً ونفسياً على التماثل للشفاء. أن تنام، هو أن تُشفى. الحلم هو الإسعاف الأولي الخاص بالانفعالات.

كانت هناك حاجة واضحة إلى النوم -على الأخص نوم الريم- لكي نتمكن من معالجة الجروح العاطفية. ولكن هل كان الحلم أثناء نوم الريم، وحتى الحلم بتلك الأحداث العاطفية نفسها، هو ما يلزم للتوصل إلى قرار، والحفاظ على عقولنا آمنة من براثن القلق والاكتئاب؟

كان هذا هو السؤال الذي فكّكته د. روزاليند كارترايت من جامعة راش بشيكاغو بشكل رائع.

إذ قررت د. كارترايت دراسة أحلام الأشخاص الذين يُظهرون علامات الاكتئاب كتوابع لتجارب عاطفية صعبة للغاية، مثل الانفصال أو الطلاق المرير.

 في وقت الصدمة العاطفية، بدأت في جمع تقارير عن أحلام ليلية لهؤلاء الأشخاص، ودقّقت من خلالها، بحثاً عن علامات بخصوص المواضيع العاطفية ذاتها التي ظهرت في أحلامهم.

أجرت بعد ذلك تقييمات متابعة بعد عام كامل، لمعرفة ما إذا انتهت حالة الاكتئاب والقلق لدى المرضى أم ما زالت مستمرة. وجدت أن المرضى الذين يحلمون بتجارب مؤلمة بعد وقت قصير من حدوثها هم الذين تخلصوا من شعور اليأس، وتعافوا ذهنياً بعد مرور عام.

لكن أولئك الذين لم يحلموا بالتجربة المؤلمة نفسها لم يتمكنوا من تجاوز الحدث وما زالوا متأثرين بحالة من الاكتئاب.

أظهرت كارترايت أن نوم حركة العين السريعة وحتى الحلم بشكل عام ليس كافياً، عندما يتعلق الأمر بمعالجة ماضينا العاطفي. بدلاً من ذلك، نحن بحاجة إلى نوم حركة العين السريعة في حالة نوع محدد جداً من الأحلام: الذي يتضمن الحلم بمواضيع عاطفية ومشاعر تراودنا عند مواجهة الصعوبات عندما نكون مستيقظين.

بعبارة أخرى، ساعد شكل ومحتوى الحلم هؤلاء المرضى في تجاوز محنتهم وتجنب الوقوع فريسة في براثن الماضي الصادم.

وعندما اعتقدت أن نوم حركة العين السريعة قد كشف عن كل ما يمكن أن يقدمه لصحتنا العقلية، وجدنا ميزة عاطفية ذهنية أخرى وهبها لنا نوم العين السريعة – وهو أمر يمكن القول إنه أكثر أهمية للبقاء على قيد الحياة.

تمثل تعبيرات الوجه واحدة من أهم الإشارات في بيئتنا. فهي تنقل للآخرين نية الفرد وتؤثر على سلوكنا في المقابل.

هناك مناطق في المخ مهمتها قراءة وفهم قيمة ومعاني الإشارات العاطفية، خاصة الوجوه. وهي نفس الشبكة الأساسية من مناطق الدماغ التي يعيد نوم حركة العين السريعة تقويمها في الليل.

إذا حرمت الفرد من الحلم أثناء نوم حركة العين السريعة، وعندها سيفقد الضبط العاطفي للمخ دقته وفعاليته الفائقة. لا يستطيع المخ الذي لا يحلم أن يفك رموز تعابير الوجه بدقة، وتصبح مشوهة. تبدأ حينها في العجز عن التفريق بين الصديق والعدو.

حققنا هذا الاكتشاف عن طريق القيام بما يلي: جاء المشاركون إلى مركز النوم الخاص بي وحظوا بليلة كاملة من النوم. في الصباح التالي، أظهرنا لهم العديد من الصور لوجه شخص ما. كانت كل صورة ذات فروق دقيقة.

نظر المشاركون إلى الوجوه بطريقة عشوائية أثناء قيامنا بمسح أدمغتهم بجهاز الرنين المغناطيسي، وقدَّروا مدى قبول أو تهديد الصور بالنسبة لهم.

بعد أن أمضوا ليلة كاملة من النوم، لم تكن عقولهم تعاني من مشكلة في فصل عاطفة واحدة عن الأخرى بشكل حاذق. ولكن عندما حُرِمَ نفس المشاركين من النوم، بما في ذلك نوم الريم، لم يعد بإمكانهم التمييز بدقة بين عاطفة من أخرى. انزلق المشاركون المحرومون من النوم إلى حالة من الخوف، معتقدين أن الوجوه اللطيفة أو الودودة كانت تهددهم. لقد أصبح العالم الخارجي مكاناً أكثر تهديداً،  وهو أمر غير صحيح.

بحذفنا لنوم الريم، فقد حذفنا -دون مبالغة- قدرة المشاركين المتوازنة على قراءة العالم الاجتماعي من حولهم.

فكِّر الآن في المهن التي تتطلب من الأفراد أن يُحرموا من النوم، مثل العسكريين والأطباء والممرضات في خدمات الطوارئ، فضلاً عن وظيفة الرعاية الأصعب: الآباء الجدد.

ودون نوم الريم وقدرته على إعادة ضبط البوصلة العاطفية للدماغ، سيكون هؤلاء الأفراد غير دقيقين في فهمهم الاجتماعي والعاطفي للعالم من حولهم، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات وأفعال غير ملائمة قد تكون لها عواقب وخيمة.

– هذا المقال مترجم عن موقع

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هل تعاني من الاكتئاب أو خرجت لتوك من علاقة عاطفية مؤلمة؟ هكذا يمكن أن تتعالج عن طريق الأحلام؟