هل يستغل ترمب السعودية، أم أنه مجرد خادم آخر للعائلة الملكية؟
السبت, 17 نوفمبر 2018

هل يستغل ترمب السعودية، أم أنه مجرد خادم آخر للعائلة الملكية؟

عندما ترشح دونالد ترمب للرئاسة الأميركية، كان ينتقد السعودية بقدر انتقاده للدول الآسيوية المعتمدة على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. وبدا أن العلاقات الثنائية على وشك التغيُّر.

لكن يبدو حالياً أن الرئيس ترمب يعمل مع الملكية السعودية بشكلٍ لصيق أكثر مما سبق. وقال مؤخراً إنه يتوقع أن يدعوه الإيرانيون لعقد صفقةٍ، لكن لا ينبغي أن نأمل حدوث شيء كهذا، خشية أن تحافظ الإدارة الأميركية على هيمنة السعودية في الشرق الأوسط. فلن يكون هذا في مصلحة أي طرفٍ خارج الرياض.

وتستحق المملكة السعودية سخرية ترمب وقتما كان لا يزال مُرشَّحاً للرئاسة. فهي دولةٌ مستبدة وفاسدة، ارتبطت مالياً بالإرهابيين لوقتٍ طويل، علاوةً على أنها تعامل الجنود الأميركيين باعتبارهم الحراس الشخصيين للعائلة المالكة.

قال وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس متذكراً اجتماعه مع الملك عبدالله بن عبدالعزيز: «أراد شن هجوم شامل على أهداف عسكرية إيرانية وليس فقط على المواقع النووية». كان هذا الصديق المزعوم للولايات المتحدة «يطالبها بإرسال أبنائها وبناتها إلى حربٍ مع إيران من أجل حماية مكانة السعودية في الخليج والمنطقة، كما لو كنا مرتزقة». من وجهة نظر الرياض بالطبع، هذه هي حقيقة الأميركيين بالضبط.

ورغم هذا، واصلت الأجيال المتتابعة من فرسان واشنطن الجهر بصداقتهم مع الأمراء السعوديين. ويعكس هذا سخريةً وقحة أكثر من كونه ميلاً حقيقياً. في نهاية المطاف، فإن النفط والغاز الطبيعي هو ما يجمع البلدين أكثر من المصالح والقيم المشتركة. يتصرف الأميركيون وكأن السعوديين قد يقطعون صادرات النفط رغم أن النظام لن يصمد دون الإيرادات النفطية.

كانت أولوية واشنطن بعدم سقوط السعودية تحت سيطرة قوة معادية هو سبب إنشاء ما يعرف بـ»عقيدة كارتر»، وهي سياسة أميركية أعلنها الرئيس السابق جيمي كارتر وتوقعت تحركاً محتملاً من جانب الاتحاد السوفييتي سابقاً ضد الخليج. لكن هذا الخطر زال منذ وقتٍ طويل. واليوم، لم يعد الخليج مهماً للغاية بالنسبة للولايات المتحدة.

عندما انتُخِبَ ترمب، بدا أن عهد انتفاع السعوديين بمزايا دون مقابل قد ولى. وإذا ما حدث هذا، كان سيتعيَّن على الرياض تعزيز قوتها الأمنية المخصصة لحماية امتيازات الأمراء. والأهم من هذا، كانت ستضطر الملكية الشائخة إلى إصلاح نفسها لإقناع الشعب السعودي بالقتال نيابة عنها. لماذا ينبغي أن يموت أيُّ شخصٍ من أجل الأمراء؟

لكن زيارة الرئيس الأميركي الأولى كانت إلى الرياض، حيث احتفل ليلاً وهو يؤدي «رقصة السيف». ثم، ظلَّ يُحدِّق في الكرة، وهي الأيقونة المثيرة للفضول التي اختارتها المملكة رمزاً لمركز مناهضة التطرُّف الجديد.

وبالنظر إلى ردة فعل ترمب، تكهَّن بعض المراقبين بأن السعوديين استحوذوا على عين ساورون المخزية بعد تدمير أرض موردور (ساورون هو شخصية شريرة في رواية سيد الخواتم للكاتب الإنكليزي تولكين وكان يعيش في أرض تسمى موردور). بعدها، بدا الرئيس ترمب وكأنه سقط بالكامل تحت تأثير سحر الرياض.

لسوء الحظ، ربما ليس هناك المزيد من القوى الشريرة في الشرق الأوسط. إن السعودية دولةٌ مستبدة، إذ لا توجد حرية دينية أو سياسية بها بل هي أقل حريةً من منافستها سيئة السمعة إيران. ومؤخراً فقط، أرخى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بعض القيود الاجتماعية بينما قمع، في الوقت نفسه، منتقدي المملكة، بمن فيهم النساء اللاتي قدن حملةً للمطالبة بإقرار بعض السياسات التي بادر بها. وعلى الصعيد السياسي، أصبحت المملكة، حالياً، أقل حرية تحت حكم الإصلاحي المزعوم محمد بن سلمان.

في الوقت الذي ادعى فيه مكافحة الفساد، أنفق محمد بن سلمان بسخاءٍ لشراء يختٍ، وقصر، وعلى ما يبدو أعمالٍ فنية أيضاً. ولأنه كان ينقصه المال على الأرجح، ألقى القبض على مئات الأشخاص من نخبة المملكة، بمن فيهم وريث العرش سابقاً، الذي أُجبِرَ على الخروج من تسلسل العرش كي يتمكن بن سلمان من الصعود إلى الحكم.

وبينما كان يستهدف المنتقدين والمعارضين المحتملين، بادر بعملية ابتزازٍ استثنائية بأن طلب من هؤلاء المقبوض عليهم التنازل عن جزءٍ كبير من أصولهم مقابل نيل حريتهم. إن الجريمة الحقيقية هي استيلاء العائلة الملكية على أصول البلاد النفطية لصالحها. ببساطة، أعاد بن سلمان توزيع الأصول المسروقة بين أفراد العصابة مقتنصاً حصة أكبر بكثير لنفسه.

لكن ما ترعاه الرياض ينبغي أن يكون مصدر القلق الأكبر لواشنطن. لسنواتٍ عديدة، وافقت المملكة على الترويج للمذهب الوهابي الأصولي المتطرف في مقابل دعم رجال الدين للعائلة المالكة، ألقى الشيوخ الوهابيون خطباً دينية بحماسٍ للوعظ بطاعة أمراء المملكة.

على مدار السنين، أنفقت السعودية حوالي 100 مليار دولار للترويج لهذه الصورة المختلفة والمتطرفة عن الإسلام في مختلف أنحاء العالم، بما فيهم الولايات المتحدة. في دولٍ مثل البوسنة وكوسوفو، أسهم السعوديون في تطرف شعوب كانت أكثر علمانية في ما سبق. ورغم أن الوهابية لا تؤيد الإرهاب بشكلٍ رسمي، فإنها نذير عنف وتعامل «الآخر» بازدراء.

ظل مال السعودية وموظفو دوائر الحكم فيها يزرعون الحركات الإرهابية، التي كان تنظيم القاعدة أبرزها لوقتٍ طويل. وقاومت العائلة المالكة الضغط الأميركي الذي يطالب بوقف تمويل الجهاديين. لم تعبأ السعودية كثيراً عندما بدا أن الغرب وحدهم من يواجهون الخطر. لكن، عندما بدأت القاعدة تستهدف العائلة المالكة، أخذت الرياض التهديد على محمل الجد. والآن، تزعم السعودية أنها تتبنى حملةً ضد الإرهاب، منتقدة قطر لأن الأخيرة تدعم منتقدي المملكة، الذي يعتبرهم الأمراء «إرهابيين».

الأكثر من هذا، أثبت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أنه شخصٌ متهور، ومجازف، ومستعد دوماً لزعزعة استقرار الدول، وشن الحروب، والهجوم بوحشية على المدنيين، ودعم الاستبداد، وارتكاب أي جريمةٍ تعزز من نفوذ بلاده. وربما كان الهجوم على اليمن لإعادة نظامٍ يشبه الدمية في يد السعوديين إلى الحكم أكثر الأفعال غير المسؤولة للرياض في الحقبة الأخيرة. قتلت المملكة وحلفاؤها آلاف المدنيين وحوَّلت واحداً من الصراعات اليمنية الداخلية إلى حربٍ طائفية، ما استدعى تدخل إيران لتكبيد المملكة الخسائر.

دعمت السعودية أيضاً المسلحين الإسلاميين المتطرفين في محاولةٍ للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، وهي، بالأساس، نفس الاستراتيجية التي ثبت خطأها الكارثي في كل من العراق وليبيا. وتدخَّلت الرياض عسكرياً لدعم الملكية السُنية المستبدة في البحرين، التي تُمثِّل أقلية، ضد غالبية الشعب الشيعي.

وأيد السعوديون بسخاء ديكتاتورية السيسي في مصر، والتي تُعد أكثر وحشيةً وقسوة من حكم حسني مبارك. وربما كانت أكثر الأحداث التي لا تصدق هي دعوة محمد بن سلمان رئيس الوزراء اللبناني، وهو حليف طائفي، لزيارة السعودية فقط ليحتجزه ويجبره على إعلان استقالته، والتي تراجع عنها فوراً بمجرد أن تمكن الضغط الدولي من إجبار السعودية على إطلاق سراحه.

ورغم أن محمد بن سلمان يتباهى بنفوذ السعودية في الشرق الأوسط وكأنها ذات كيانٍ ضخم، يشوب المملكة ضعفٌ يُضرَب به المثل. دفعت عشرات المليارات من الدولارات، المنفقة على شراء الأسلحة من الولايات المتحدة، السعودية لتحتل المرتبة الثالثة على مستوى العالم من حيث حجم الإنفاق العسكري.

رغم هذا، لا تشتهر القوات المسلحة السعودية بشجاعتها وبراعتها. بالطبع، من يريد أن يقاتل ويموت من أجل عائلة مالكة مستبدة، وفاسدة، وعفى عليها الزمن؟ على الأقل، يزعم النظام الإيراني أنه يمثل شيئاً أهم. أما العائلة المالكة الحاكمة السعودية فهي تمثل فقط مبدأ إثراء الذات.

غير أن إدارة ترمب اختارت، على ما يبدو، الملكية السعودية لتكون وكيلةً لها في المنطقة. ويذكرنا هذا بالأيام البائدة السيئة لشاه إيران، إذا ساعدت الولايات المتحدة في تنصيبه على العرش -لا يزال الإيرانيون يتذكرون انقلاب 1953 ضد الديمقراطية- وعبأت ترسانة جيشه بالأسلحة. بدأ الشاه برنامج إيران النووي ودفع بتوسيع نفوذ بلاده مروجاً مصالحه لا مصالح الولايات المتحدة. لكن حكمه الإجرامي المتغطرس أدى إلى سقوطه وتأسيس الجمهورية الإسلامية.

لا تحتاج واشنطن إلى الانحياز لأيٍّ طرف، سواء كان إيران أو السعودية. بالتأكيد، لا يستطيع أيٌّ من الطرفين تحمل خسارة الدعم الأميركي، مثلما اقترح وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنغر بشأن إيران والعراق عندما تقاتلا بضرواةٍ منذ أكثر من ثلاثة عقود. وإذا ما أرادا عدم خسارة هذا الدعم، فعليهما موازنة قوة أحدهما الآخر.

غير أن خطاب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بشأن إيران طالب، بشكلٍ رئيسي، الأخيرة بالاستسلام: قبول الهيمنة السعودية، ونزع سلاحها في مقابل تفوق القوة العسكرية السعودية، والتخلي عن حلفائها الإقليميين القلائل، والتوسل لنيل رحمة الرياض وواشنطن. عرَضَ بومبيو صفقةً لا تستطيع طهران قبولها. الأكثر من هذا أن هذه الصفقة محاكةٌ لتناسب مصالح السعودية وليس الولايات المتحدة. لما هذا الانحياز للديكتاتورية السعودية؟

وتزعم واشنطن أنها تخشى الهيمنة الإيرانية في الشرق الأوسط، لكن هذا لا يهدد الولايات المتحدة -والتي تعد قوة عظمى إذا نسي أي شخص هذا الأمر- ولا يُرجح حدوثه. فالجمهورية الإسلامية تؤرقها مصاعب سياسية واقتصادية محلية.

و»إمبراطوريتها» الخارجية المزعومة مكونة من بقايا جيوسياسية لا يرغب فيها أحد: دورٌ ثانوي في اليمن الممزق بفعل الحرب، ونفوذٌ أكثر قليلاً في سوريا المحطمة، وبعض النفوذ في لبنان المُثّقل بالمتاعب والمقسم بشكلٍ سيئ، وحصةٌ متنازع عليها في دول العراق الشيعية المجاورة. في كل مرة، كانت إيران تحقق تقدماً بفضل خصومها، مثل الولايات المتحدة، والسعودية، وغيرهما من الدول التي حاولت الإطاحة بالأسد الذي لجأ إلى إيران لمساعدته، والرياض، المدعومة من جانب واشنطن، التي غزت اليمن، لتجبر المسلحين الحوثيين على اللجوء لمساعدة إيران، وإسرائيل والولايات المتحدة اللتان تدخلتا في لبنان، لتقوى شوكة حزب الله الشيعي إثر هذا.

الأكثر من هذا، تصطف في مواجهة إيران كلٌّ من السعودية والإمارات، والدول المؤجرة بأموال الخليج: مثل البحرين، ومصر، والسودان. ولا يريد العراقيون، رغم أنهم أغلبيةٌ شيعية، أن تحكمهم إيران. ويبدو أن روسيا، على أفضل تقديرٍ، مترددة بشأن وجود دور إيراني كبير في سوريا. وتشعر أوروبا بالقلق والعداوة من طهران. ويشكل هؤلاء، مجتمعين، قوةً أكثر من كافية لتحجيم نفوذ إيران.

بدا أن المرشح ترمب يفهم السعودية. لكن الرئيس ترمب يتصرف كأي خادمٍ آخر للعائلة المالكة، هو فقط شخصٌ تصادف عمله في واشنطن بدلاً من الرياض. فبدلاً من تزعم حملة لتسليم الشرق الأوسط إلى محمد بن سلمان والأمراء، ينبغي على إدارة ترمب الدفاع عن المصالح الأميركية.

– هذه التدوينة مترجمة عن مجلة The National Interest الأميركية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اجتماع الأعداء لا يعني السلام.. لماذا اجتمعت الإمارات مع قادة الإخوان المسلمين باليمن؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
هل يستغل ترمب السعودية، أم أنه مجرد خادم آخر للعائلة الملكية؟