هذا ما يجب أن تفعله حتى لا تندم على أفعالك السابقة
الأربعاء, 15 أغسطس 2018

هذا ما يجب أن تفعله حتى لا تندم على أفعالك السابقة

عند تعلق الأمر بمهنة الكتابة، فإن أكثر المراحل قسوة هي مراجعة عملك المنشور. يشبه الأمر إلى حد ما التجربة غير المريحة عند استماعك لصوتك. إلا أنه بدلاً من اكتشافك أنك لا تحب الصوت الذي تملكه، فإنك في هذه الحالة تكتشف أنك لا تحب ما يقوله هذا الصوت، وبالتبعية، صاحب هذا الصوت.

وكما كتب فريدريك بوشنر، فإننا نندم على ما كتبناه منذ زمن بعيد. مستنكرين بشدة كيف أن ما كتبناه «ساذج ومتعصّب، وعفوي ومبتذل في الوقت نفسه». أضفى سِنيكا، وهو كاتب رائع ومتأمل في الطبيعة البشرية، طابعاً عالمياً حين قال «عندما أفكر في كل الأشياء التي قلتها، فإنني أحسُدُ البكم».

إذن، ماذا يفعل معظمنا؟ حسناً، نحن نحاول بشدة ألا نفكر في كل الأشياء التي نقولها. نحاول الحفاظ على ذواتنا عن طريق الابتعاد تماماً عن فكرة أننا قد نكون سُذّجاً أو متعبين أو مذنبين أو متصنعين. بالطبع، نتيجة لذلك، فإننا نتخصّل بتلك الخصال تحديداً أطول من اللازم.

بيننا أولئك المباركون، أو الملعونون، الذين لم يولدوا مثاليين، سيجدون أنه من المستحيل مراجعة أي شيء ينشرونه دون أن يقهرهم الحرج ــ وكلما كانت الكلمات قد كُتبت أو قيلت منذ فترة أطول، كلما كان الشعور أقوى. إنه شيء لا يمكن إنكاره. كالمحاولة بجهد شديد التفوق غير المستحق.

لقد حصلتُ مؤخراً على الشرف، غير المريح، لمراجعة وتنقيح كتابي الأول. أقول «الشرف» لأنه يُثلج صدري أن أجد أن شيئاً قد كتبته عندما كنت في الخامسة والعشرين من عمري ما زال لديه معجبون وناشر مهتم بالحفاظ على الكتاب في وقتنا هذا. وأقول «غير المريح» لأن هذه هي ألطف طريقة للتعامل مع شيء قد كتبته في تلك السن بجدية، ثم قراءته مرة أخرى على مدار ساعات طويلة في الاستوديو من أجل النسخة الصوتية.

عند مراجعتي لتلك الصفحات ـــ الصفحات التي كتبتُها وحررتُها على وجه السرعة فرِحاً لنشر كتابي الأول ـــ تساءلت: من بحق الجحيم تُراني كنت أحسب نفسي. إلى أي مدى كنت قد درست وراجعت هذا الموضوع؟. لكن الكلمات كانت قد طُبعت ولا يمكن أن تُمحى.

أنا مُحرج كوني كنت متيقناً من الأمر حينها. وكأنه لم تخطر ببالي احتمالية أن الأحداث القادمة قد تُثبت خطئي. لماذا لم أستطع أن أقول بكل بساطة أن هذا ما فكرت به في ذلك الوقت، وأن أكون صادقاً قدر الإمكان؟ هناك إفراط مبالغ فيه بخصوص الأمر.

إذا كان هناك أي دليل على عدم سلامة الذات عندي ـــ فهذا الدليل يكمن في حقيقة أنه يتعين عليّ كتابة جملتين في حين أن جملة واحدة قد تكون كافية، أو كلمة عريضة كان يمكن الاستعاضة عنها بكلمة أبسط.

ولم أقم فقط بنشر الكتاب، بل وروجت له كذلك.

واحدة من أكثر الأشياء إثارة حول هذا النوع  من التأمل، هي الفجوة بين الماضي والحاضر. ما لم يكن من الممكن تصوره في الماضي، يتضح فيما بعد أنه ليس ممكناً وحسب، بل وكأنه من البديهيات. في كتابي «Trust Me I’m Lying» كتبت عشرات المسودات خلال كتابة النص الأصلي.

أنا لم أقرأ الكتاب الصوتي في استوديو التسجيل في نيو أورلينز في أوائل عام 2012 وحسب، بل وصل بي الأمر لقراءته بصوت عال على كلبي في أواخر عام 2011، وكنت أقوم بتنقيح كل سطر في لحظتها. لقد كان هدفي هو رؤية عملي الخاص بوضوح وحل أي مشكلة به. ومع ذلك، انتهى الكتاب لما هو عليه الآن.

وها أنا ذا، نادم عليه، كما سأشعر بالندم حتماً فيما بعد على أجزاء من هذا المقال، وأجزاء من المقالة التي كتبتها الأسبوع الماضي، وأخرى سأقوم بنشرها الأسبوع المقبل. من المثير للاهتمام حقاً أننا نعلم أن هذا حق ـــ كوننا، يقيناً، سنُنكر جزءاً كبيراً مما نعتقد، أو مما نقول أو ما قد فعلنا. كم منا يعيش حياته مدركاً لهذه الحقيقة في هذه اللحظة؟

كم منا، عند اختيارنا لقميص في متجر أو التفكير في قصة شعر جديدة، يفكر ملياً فيما إذا كنا سنندم على هذا الاختيار مع مرور السنين؟ أقولها مجدداً، يُدرك كل فرد منا، مهما كان مقاوماً للتغيير، مهما كان ملتزماً بمسار ما، أو يعتقد أنه يملك مناعة ضد تغير الميول، يُدرك حتمية هذا الخجل. (مجدداً أنا لستُ مستثنى من القاعدة، قد يقنعك هذا الفيديو بذلك). مع ذلك، نُحاول في كل مرة إقناع أنفسنا بأن هذا ـــ سواء ما نقول أو نفعل أو نعتقد أو نتخذ قراراً بشأنه ـــ لن يكون مثل ما سبقه من القرارات.

ولهذا السبب، هذا بالضبط هو نوع التفكير الذي علينا استخدامه. كثيرٌ من الناس يشعرون بالندم عندما يتعلق الأمر بالقرارات المالية، كبيع كومة من العُملات المشفرة: «هل سأندم على عملية البيع إن اكشفتُ فيما بعد أن أسعار العملات استمرت في الارتفاع؟ أم هل سأندم على عدم البيع وفقدان كل شيء؟».

لكن القيام بذلك في المجالات الأخرى في الحياة، مع آرائنا وقراراتنا المصيرية، أمرٌ نادر. كم من الشباب الذين رقصوا مع حركة  «Alt-Right» عامي 2016 و2017  (قبل أن تُصبح المجموعة خطيرة للغاية) كان من الممكن أن يُجنب نفسه هذه التجربة المؤسفة؟ وكم من الراديكاليين في العصور الأخرى ربما فعلوا الشيء نفسه؟ كم منا يفكر في كيف ستكون نغمة البريد الإلكتروني في المستقبل؟ أو مقارنة ذلك الإغراء أو الشغف، الذي يتملكنا حيال القيام بأمر ما، بالشعور الذي يتملكنا بعد الانتهاء من هذا الأمر؟

يعطينا الخبير الاقتصادي تايلر كوين هذه النصيحة. «عامِل نفسك كقطعة من كتابتك وضَعتَها جانباً لأسبوع حتى يمكنك النظر إليها من جديد». بعبارة أخرى، امنح لنفسك مساحة من نفسك. ضع أفكارك ودوافعك وتفضيلاتك محل المراجعة لمعرفة ما إذا كان الوقت ـــ سواء كان أسبوعاً أو شهراً أو عاماً ـــ يتناسب معهم.

أتذكرُ بوضوح كيف كان هذا النوع من المراجعة غير مقبول بالنسبة لي مع كتابي «Trust me I’m Lying». حتى بعد كل التنقيح الذي قمت به، جعلتُ من التفكُّر العميق أمراً مستحيلاً. رفضتُ ناشراً محتملاً فقط لأنه كان مهتماً بالانخراط في محادثة تحريرية حول إعداد الكتاب.

وضغطتُ الناشر الذي عملت معه بجدول زمني محدود. لقد قاومتُ التغييرات في بعض المواضع التي فَرَضت علي بعد ذلك تغييرات أخرى في مواضع أخرى. كان يجب على الكتاب الخروج للعلن. لم يكن هناك المزيد من الوقت.

كانت تلك فرصتي. فليذهب التردد إلى الجحيم. النتيجة لم تكن مجرد ندم على حفنة من الأخطاء الإملائية والمطبعية في يوم الإصدار. فخلال السنوات القليلة التالية، أدركت ببطء وتواضُع أن أفكاري جاءت مبكرة بنصف عقد من الزمن.

نحن نحتاج عملية المراجعة أكثر عندما نكون صغاراً. أيُّ قارئ لأحد الطبعات الكاملة لمذكرات آن فرانك يُدرك ذلك. حتى في غضون عامين من مكوثها في السقيفة، محاطة فقط بعائلتها وفي معزل عن العالم الخارجي، تغيرت آن ونضجت. وتكتُبُ آن مراراً باشمئزاز عن تدويناتها وأعمالها السابقة، وتأخذ الكثير من الوقت في تنقيح ومراجعة أفكارها. وقد روّعتها أحكامها الصادرة على الأشخاص الآخرين والتصريحات التي أدلت بها أثناء انزعاجها أو عندما تكون مرهَقة.

من خلال المراجعة والتأمل، أصبحت آن قادرة على رؤية وجهة نظرهم من الأمور؛ واستطاعت تحديد تحسينات محددة للقيام بها بنفسها.

كانت لديها الشجاعة لمراجعة أكثر أفكارها خصوصية. سألتْ نفسها ما إذا كان هذا هو الشخص الذي تطمح أن تكونه. وحيث جاءت الإجابة بالنفي، استمرّت في تحسين نفسها.

هذا هو النهج الذي علينا جميعاً اتباعه، سواء كنا كاتبين أو غير ذلك. لا ينبغي علينا أن نترك الأمر لخاصية الذكريات في فيسبوك حتى نُراجِع ماضينا ـــ سواء كان قبل تسعة أعوام أو تسعة أيام. ولا ينبغي كذلك ترك الأمر لذاكرتنا الفعلية، المليئة بالتحيُزات والعيوب. لا، ينبغي علينا النظر إلى الأدلة الفعلية. نحن بحاجة إلى النظر إلى أنفسنا بشكل نقدي، بالضبط كما ننظر للأشخاص الآخرين. سيكون الأمر مؤلماً في بعض الأحيان، لكننا سنتعلم وننمو بسببه.

يتحرك عالمنا بشكل أسرع الآن، خاصة بالنسبة للشباب. إنستغرام وتويتر وسناب شات في جيبك ـــ لدعوتنا ولتحفيزنا وحثنا على إبداء ما يدور في أذهاننا، والتصرف حسب رغباتنا، لتشكيل هويتنا في هذه اللحظة، ودون أي تأخير. والأمر لا يأتي فقط في شكل الطيش الشبابي الذي قد يبدو مشيناً لموظفي الجامعات، بل في التعليقات والآراء التي لن تصمد أمام اختبار الزمن. ( بيد أن هذا صحيح ليس فقط على مستوى الشباب. فلتسأل دونالد ترمب، والذي استطاع أن ينشر تغريدة في وقت ليس ببعيد تتعارض تماماً مع أي سياسة أو نهج ينتهجه اليوم).

في الوقت الحالي، يقوم كل منا بتشكيل الذات التي سيواجهها بعد سنة من الآن ـــ ولسنوات عديدة بعد ذلك. كل واحد منا يقوم بتسجيل أفعاله ومعتقداته وتصريحاته، لأنها ستؤول للمساءلة في المستقبل بطريقة أو بأخرى. لا يمكننا تفادي حقيقة أننا سنندم على بعض من تلك الأشياء، لكن لن نندم عليها كلها بأي حال من الأحوال ـــ لأننا سنتمكن من منع حدوثها.

نصيحة كوين حول القيام بذلك في الوقت الحالي، أي رؤية أفكارنا وذواتنا بشكل جديد، يمكنها أن تمنع الندم قبل حدوثه. بإمكاننا منح أنفسنا وقتاً للتأمل والمراجعة الآن. بالطبع، سيكون هناك مجال للعفوية والاندفاع، لأنه إن كنا صادقين، فإن معظمنا أكثر ميولاً للعفوية من التصنع.

والهدف من ذلك هو التخلص من اليقين وحب الذات ـــ ليبقى الجهل المفعم بالحيوية، حيث نفعل ما نشاء، حيث نفعل ما نراه صواباً دون أن نسأل لماذا ـــ قبل أن تتصلب هذه الاندفاعات. يمكننا معرفة أن التفاني الطائش والوضيع للميول غالباً ما يؤدي لنهاية غير حميدة.

والأهم من ذلك كله، أن نتذكر أن خير الكلام ما قلّ ودلّ. يمكننا دائماً مقاومة الرغبة في وضع كلمتين في موضع كلمة واحدة، أو حتى في موضع غير مناسب لكلمة واحدة، وأن نقلل من حجم يقيننا المُطلق حول تلك الأشياء التي، وبدون شك، سيتضح فيما بعد أنها ليست يقينية.

هذا الموضوع مترجم عن Medium.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هذا ما يجب أن تفعله حتى لا تندم على أفعالك السابقة