التبرع بالأعضاء.. لماذا لا تنتشر هذه الثقافة لدى العرب مقارنة بالمجتمعات الأوروبية؟
الثلاثاء, 13 نوفمبر 2018

التبرع بالأعضاء.. لماذا لا تنتشر هذه الثقافة لدى العرب مقارنة بالمجتمعات الأوروبية؟

تعتبر قضية التبرّع بالأعضاء من أكثر القضايا الشائكة والمغيّبة في محيطنا العربي، وذلك بسبب مجتمع ينحو إلى التقليل من عظمة هذا النوع من الصدقة، وبسبب جهل مجتمعي بحيثيات مسألة التبرع، وبسبب اختلاف علماء الدين حول حكم التبرع بالأعضاء، وبالرغم من بروز آراء فقهية عقيمة وقليلة تحرم هذا النوع من الخير، فإن العديد من المجامع الفقهية والجمهور الأعظم من العلماء أجازوا هذا النوع من السخاء الإنساني، لكن ضمن أطر قانونية وضوابط شرعية، منها ضمان مصلحة المتبرع الحي، حيث إنه لا يجوز أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، حيث يحرم على الواهب الحيّ التبرّع بعضو تتوقف عليه حياته كالقلب، ولا يجوز إخضاع أي عضو من أعضاء الإنسان المراد التبرع بها للبيع أو المتاجرة أو المساومة.

عملية التبرع بالأعضاء وزراعتها تقوم على وهب عضو أو جزء منه من شخص بعد وفاته إلى شخص آخر أو من إنسان حي إلى شخص آخر، حيث يُصاب أحدهم بالوفاة الدماغية، فيتم إبلاغ عائلته وسؤالهم عن إمكانية استئصال الأعضاء السليمة لإنقاذ 8 مرضى، وعند الموافقة يتم الاستفادة من الكليتين والقلب والقرنيتين والكبد والبنكرياس والرئة.

وفي حال كان المتبرع على قيد الحياة فإنه يستطيع التبرع بإحدى كليتيه أو بجزء من الكبد، فالإنسان يستطيع أن يعيش بكلية واحدة، والكبد يعاود النمو ويسترد حجمه الطبيعي خلال أشهر قليلة، وتتم عملية زراعة الأعضاء بعد فحوص طبية شاملة للتأكد من تطابق فصيلة الدم ونوع الأنسجة بين المتبرع والمتلقي، وتستكمل العملية تحت مظلة قوانين صارمة ورقابة طبية مكثفة، ولا يوجد سن محدد للتبرع فهو مسموح لكافة الأعمار، فقد وافقت عائلة رضيعة بريطانية لم يتجاوز عمرها عدة أيام على التبرع بأعضائها بعد وفاتها، وتم نقل الكليتين لشخص مصاب بالفشل الكلوي وخلايا الكبد لمريض آخر، وتعتبر زراعة الكلى من أكثر عمليات زراعة الأعضاء انتشارا على مستوى العالم.

منذ بداية العام المنصرم تم سنّ قانون «التبرع التلقائي بالأعضاء» في فرنسا، أي أن جميع الفرنسيين الذين يتوفون يعتبرون متبرعين بالأعضاء بشكل تلقائي، ويستثنى كل شخص يسجل خلال حياته رفضه للتبرع بأعضائه بعد وفاته.

أما دولة الكويت فتم تصنيفها الأولى عربياً والثانية على مستوى الشرق الأوسط في التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، وفي قطر بلغ عدد المسجلين بقائمة المتبرعين بالأعضاء نحو 148 ألف متبرع، لكن في إيران فالأمر مختلف تماماً حيث تعتبر إيران الدولة الوحيدة التي قننت بيع وشراء الأعضاء، حيث يسمح بالتبرع بالأعضاء البشرية مقابل المال لكن العملية مقتصرة فقط على الإيرانيين، وبسبب انخفاض تكلفة عمليات الزراعة ووفرة الأعضاء، غدت الهند من أهم حقول زراعة الأعضاء، حيث تضم أكبر مركز لزراعة الكُلى في العالم، أما إسبانيا فتتربع على عرش الريادة في مجال زراعة الأعضاء منذ أكثر من ربع قرن.

أما الأردن فعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء عن طريق الندوات التثقيفية والحملات التوعوية لنشر ثقافة التبرع بين المواطنين وحثهم على التوقيع على بطاقة التوصية بالأعضاء، فإن أعداد المتبرعين بأعضائهم بعد الوفاة قليلة مقارنة بأعداد حالات الوفاة الدماغية التي تسببها حوادث السير، حيث يبلغ عدد الحالات نحو 650 حالة سنوياً، ومن الجدير بالذكر أنه وفقاً للقانون الأردني لا يسمح للواهب الحيّ الذي يريد التبرع بكلية أو بفصّ من الكبد أن يتبرع لمتلقٍّ خارج إطار العائلة (وذلك لمنع تجارة الأعضاء).

هذا القانون تسبب بالموت البطيء للعديد من العائلات الأردنية، فالعديد من المرضى لم يستطيعوا الحصول على أعضاء من أفراد عائلاتهم بسبب عدم تطابق الفحوص، ولن يستطيعوا الحصول على أعضاء من متبرعين آخرين خارج نطاق العائلة بسبب هذا القانون، ولم يكن أمام هذه العائلات سوى الانتظار الطويل الذي قد يمتد لسنوات على قوائم المرضى الذين يترقبون أن يرنّ هاتفهم لإبلاغهم عن توفر العضو المطلوب الذي سينهي معاناتهم مع المرض، أو السفر خارج الأردن للعلاج.

ومن خلال تصفّحك للحساب (الفيسبوكي) للحملة الوطنية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء ستنبهر من قصص مواطنين أبطال أهدوا آخرين شعور الحياة في خضم غصّة فراق أحبتهم وجعلوا الموت وآلام المشرط ضئيلان أمام إنسانيتهم، منهم المواطن أيمن طعمة الذي فقد ابنته ميسون ذات الـ18 ربيعاً بسبب حادث سير، فقام بالتبرع بأعضائها لخمسة أشخاص، ومحمد المغربي الذي تبرع بجزء من كبده لخالته، والبارة جيهان أبوعرقوب التي تبرعت لوالدها بإحدى كليتيها.

تعتبر جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية التي تؤرّق دول العالم والمؤسسات الحقوقية من أهم المعضلات التي تواجه منظومة التبرع بالأعضاء، حيث تشير العديد من التقارير إلى أن أرباح هذه التجارة غير المشروعة عالمياً تتراوح بين 600 مليون دولار ومليار دولار سنوياً.

وقد تعاظمت هذه الجريمة بشكل ملحوظ مؤخراً، ويعزى ذلك لعدة أسباب منها تفاقم مشكلة البطالة بين الشباب، وغياب الرقابة وقصور اللوائح والقوانين الخاصة بهذه الجريمة، وازدياد أعداد اللاجئين الذين يتم استغلال ظروفهم بوحشية، حيث يتداول عبر المنصات الصحفية أن 60% من الأعضاء التي تم الحصول عليها خلال الفترة الماضية هي من لاجئين.

ومن الأسباب أيضاً اعتماد التنظيمات الإرهابية على هذه التجارة كمصدر دخل، حيث يتم استئصال أعضاء المقاتلين القتلى والجرحى والرهائن وبيعها، إضافة إلى التطور الطبي من ناحية حفظ الأعضاء وزراعتها، وغياب الدور التوعوي المنبثق من مؤسسات المجتمع المدني.

ويتخذ سماسرة التجارة بالأعضاء عدة طرق للحصول على الأعضاء ليتم بيعها في السوق السوداء، منها سرقة الأعضاء من المرضى الذين يسافرون للعلاج في دول ينعدم فيها الأمن والرقابة على المستشفيات، ويستخدمون أسلوب الخطف القسري للأطفال، ويتواجدون في أماكن التفجيرات لسرقة الأعضاء من الجثث، ويتمركزون في الأحياء الفقيرة وعلى الحدود السائبة التي تغرق دولها بالفوضى لاصطياد ضحاياهم.

خلاصة القول، على الحكومات إقصاء العوائق والعقبات التي تعرقل تشريع القوانين التي تقنن وتنظم عمليات التبرع بالأعضاء، ودعم اللوائح وسن قوانين خاصة بجريمة التجارة بالأعضاء البشرية لضبط المنتفعين منها والذين يتحايلون على القانون بسبب قصور هذه اللوائح، وعلينا كأفراد أن نرتقي لعلياء وسمو المتبرعين الذين اختاروا لأجزاء من أجسادهم أن تتأنق في أجساد آخرين بدل أن يبتلعها التراب.

المرض مُرعب، يقتات على عيون الأمهات المغمومات، ويُضرم النار في الأحلام، ويفترش القبور قبل ساكنيها، وكي نخفف من وطأته، ونقطع الطريق أمام المتاجرين بأجساد المدقعين، أفشوا عطاء التبرع بالأعضاء بينكم.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
التبرع بالأعضاء.. لماذا لا تنتشر هذه الثقافة لدى العرب مقارنة بالمجتمعات الأوروبية؟