صغيري الذي لم ألده!.. ما يجنيه الأطفال من الطلاق
الجمعة, 21 سبتمبر 2018

صغيري الذي لم ألده!.. ما يجنيه الأطفال من الطلاق

يثير اهتمامي ذلك الصغير حين يأتيني ضاحكاً مبتسماً، ضيفاً خفيف الظل، طالباً مني السماح له باللعب مع ابني الذي يماثله في العمر.. لم أكن أعلم في بادئ الأمر قصته، لكنني علمت بمحضّ الصدفة تفاصيلها التي زادتني تعلقاً واهتماماً به كأنه قطعة من روحي. للحظة شعرت بأنه ابني حقاً، وتولد بداخلي إحساس بالمسؤولية تجاهه، حين صادفني ذات مرة وأنا أستعد للقيام بنزهة صغيرة لأطفالي فطلب مني اصطحابه والقدوم معنا!

تملكني الصمت قليلاً.. ثم قلت له: يمكنك الذهاب مع أسرتك يا عزيزي؟ حينها خفض رأسه وبدت عليه ملامح الحزن، ثم نظر صوبي نظرة تفتقد للأمل وأخبرني بنبرة صوت هامسة مختنقة أصابت سهماً في قلبي بأنه وحيد ليس لديه إخوة، وأن أمه لم تعد موجودة معه، فهي تعيش بمفردها بعيداً عن والده.. بدأت أنهال عليه بالأسئلة لمعرفة القصة، ولم يكن بمقدوره أن يخبرني كل التفاصيل لصغر سنه؛ فهو لا يزال غير مدرك للأمر، استطعت أن أفهم بعض الأشياء المبهمة منه، حيث إن والده وأمه كانا على خلاف دائم، وأمه قررت الانفصال عن والده والتخلي عن صغيرها.. وعلمت منه أنه يعيش مع جدته، تلك السيدة العجوز التي تحاول جاهدة باستمرار أن تعوّضه غياب والده المنشغل في عمله طيلة النهار وأمه التي قررت الانفصال وتخلت عنه!

كان يزورنا كل يوم تقريباً، إنه جاري ويسكن في البناية المجاورة. وعندما يغيب أفتقده وأتساءل ما به لن يمر اليوم.. وسرعان ما أسأل ابني عن غياب صديقه.. هل رآه اليوم أو صادفه؟

أشعر بقلق تجاهه، عندما تنقطع أخباره أفكر به كثيراً.. وأتساءل كيف كان يومه؟ وعندما يزورنا مجدداً أحتضنه بلهفة كأنه فعلاً ابني!

وأفرح به حين يلعب مع صغاري.. يشاركهم مشاهدة التلفاز تارة، والألعاب تارة أخرى.. وأستمع إليه بشغف حين يخبرني عن جديده.. علني أجد في أخباره ما يسرّ القلب، كعودة أمه مثلاً! قال لي آخر مرة إن جدته قد سافرت إلى الخارج لأنها مريضة وتحتاج إلى العلاج.. وإن من يهتم به الآن هي عمته المتزوجة،  تزورهم بين الفينة والأخرى، يقول إن والده لا يزال دائماً منشغلاً، وإنه يشتاق لجدته التي تطعمه وتبدل ملابسه وتخرج به لنزهة قصيرة، وسرعان ما تعود لأنها لا تستطيع المكوث طويلاً خارج المنزل.. حتى أمه عندما يزورها تكون جالسة منشغلة مع صديقاتها ولا تعيره اهتماماً.

لا أدرك كيف استطاع أن يأخذ مساحة كبيرة داخل عقلي وكان له نصيب كبير من تفكيري، رغم فوضوية الأفكار وازدحامها والانشغالات الكثيرة والأمور العالقة برأسي.

لا أريد الحديث هنا عن الطلاق وعواقبه، والحديث المتداول دائماً عن الأبناء كونهم الضحية.. لا أريد طرح مشكلة أو قصة تأثرت بها ومن ثم أحاول أن أجد حلاً لها، أو طرح نصائح حتى لا تتكرر قصة ذلك الصغير.. لا أريد الحديث عن عناد الزوج أو الزوجة وأنانية كل منهما، وغياب التفاهم بينهما، وعدم التنازل في بعض الأحيان لأجل هؤلاء الملائكة الصغار.

أنا أريد فقط أن نتخيل معاً كيف يبدو عالم ذلك الصغير وأمثاله من الداخل عندما تغيب الأم وينشغل الأب وترحل الجدة.. وعندما يرى أصدقاءه لهم أم وأب وإخوة وبيت وهو يفتقد للحب والحنان والاهتمام في حياته.

أظن أن بداخله عالم يسوده الظلام.. كسماء تساقطت منها نجومها!

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
متلازمة عبد الحليم حافظ «صبيّ مصر الأسمر»
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
صغيري الذي لم ألده!.. ما يجنيه الأطفال من الطلاق