الإثنين, 16 يوليو 2018

خواطر موصليّ في ذكرى تحرير الموصل

إذا قمت بجولةٍ قصيرة في مدينة الموصل وتحديداً المدينة القديمة، فستعرف حجم الدمار والخراب الذي أصابها، فضلاً عن عدد القتلى والجرحى والبيوت المهدمة، كل هذا تعرض له الإنسان الموصلي، واليوم بعد عامٍ كامل على تحرير المدينة، يتساءل الكثيرون: ماذا نحتاج؟ ما الأشياء المهمة التي ينبغي التركيز عليها؟ هل نهتم بالإعمار أم نهتم بالأفكار؟

تساؤلات يطرحها المثقف وغير المثقف، لا أحد ينكر أن البنية التحتية مهدَّمة في الموصل وخصوصاً الحكومية، فقضية الإعمار مسألة لا تحتاج لنقاش وجدل، الأولوية اليوم لإعادة النازحين وتعمير مساكنهم وإعادة الخدمات من ماء وكهرباء.

إذا حسمنا الجدل بهذه القضية فماذا نحتاج في عالم الواقع والأفكار والسلوك والقيم؟ أرى ومن خلال استقرائي للواقع أننا نحتاج أن نركز على 3 قضايا جوهرية ومهمة:

أولاً: القضاء على الفكر المتطرف بكل أشكاله فكراً وسلوكاً، وهنا تختلف كيفية القضاء على الفكر؛ فهل نقضي على الفكر بفكرٍ مثله، أم نقضي عليه بالإقصاء والتهميش، أم يواجَه الفكر المتطرف بفكر متطرف مثله؟ كلنا يعلم أن التطرف يُنتج تطرفاً آخر، ولهذا لا ينبغي للعقلاء أن يعالجوا التطرف بتطرفٍ مثله؛ بل يعالَج بفكر متزنٍ معتبر، بقبول الآخر مع عدم تجاوزه بفكره على الآخرين، نبذ فكرة التكفير والإقصاء أو وضع المخالف في دائرة هو لم يضع نفسه فيها، وفي الوقت نفسه نحتاج لمراكز بحوث مختصة تدرس أفكار المتطرفين وما هي أسباب اعتمادهم على هذا الفكر دون غيره، بالإضافة إلى اعتبار آراء الفقهاء واجتهاداتهم آراء بشرية غير مقدسة، قد يتناغم جزء منها مع واقعنا وقد يكون الجزء الآخر لا يتناغم إطلاقاً.

ثانياً: القضاء على عوامل التطرف، كلنا نعلم علماً جازماً أن التطرف سلوكٌ موجودٌ في كل الأديان والمذاهب، ولكن يتخذ الدين غطاء له لأجل إضفاء الشرعية على ممارساته الجائرة على المجتمع. وبالنسبة لعوامل إنضاج التطرف في العراق، فجزء كبير يتحمله المحتل، فقد سعى جاهداً إلى تمكين المتطرفين في أماكن متعددة وعلى مرأى ومسمع منهم، بالإضافة للممارسات غير الإيجابية من القوات الأمنية مع المواطنين، مع وجود الابتزاز من قِبل المسؤولين، كل هذا ساعد على إنضاج وتفقيس هذا الفكر داخل السجون أو خارجها. واليوم بعد هذا الإنجاز التاريخي للقوات الأمنية بعد هيكلتها من جديد، لكي نحافظ على العراق ومدننا يتوجب علينا جميعاً أن نقضي على كل العوامل التي تدعو لإنضاج التطرف من جديد، سواء أكانت من المؤسسات الدينية أم العسكرية أم التربوية أم القضائية.

ثالثاً: تقديم مصلحة العراق على كل المصالح الأخرى، سواء أكانت دينية أم طائفية أم قومية، فمصلحة العراق هي الأَولى من كل شيء، وفي نكبتنا الأخيرة، لم تسقط مدن في نكبة أو دِين أو مذهب أو قومية؛ بل سقط العراق، كل العراق في نفق مظلم، تخلصنا منه بعد سنوات مظلمة مليئة بالقتل والتشريد، تعرَّض خلالها المسلم والمسيحي؛ السُّني والشيعي؛ الكردي والعربي؛ لنار التطرف، ولم ينجُ أحد من هذه المحنة، لم يُفرَّق بين أحد؛ بل أعطى درساً للعراقيين بأن الوطن فوق الجميع وأَولى من كل الانتماءات، هذه الحرب ذهب ضحيتها 40 ألف إنسان قتيل، نحتاج لوقفة طويلة مع هذا الرقم، أن نعيد حساباتنا وأولوياتنا، وأن نقدم مصلحة الوطن فوق كل المصالح.

هذه العوامل المجتمعة بحاجة لدراسة تفصيلية، كتبتُ من باب أن أفتح الطريق للباحثين والمختصين لأخذها بعين الاعتبار.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
الحُبِّ الصادق.. أصله ثابت وسيبلغ يوماً فرعُه السماء
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
خواطر موصليّ في ذكرى تحرير الموصل