هكذا دمّر صندوق النقد الدولي الدول التي يدعمها
الثلاثاء, 13 نوفمبر 2018

هكذا دمّر صندوق النقد الدولي الدول التي يدعمها

سنة 2011، اتهمت خادمة غُرف فنادق «نافيساتو ديالو» مدير صندوق النقد الدولي «دومينيك شتراوس كان» بالاغتصاب. شرطة نيويورك هرولت خلف المدير والمرشح لرئاسة فرنسا عن الحزب الاشتراكي، وسحبته ذليلاً مكبَّل اليدين من المطار.

دُول الحضارة تنصر المظلوم كيفما كان وضعه، في حين تضع دول التخلف سُنن استغلال الفقراء بتمرير قانون خادمات المنازل الأقل من 16 سنة، وتتحدث الدولة ذاتها عن تُهم الاتجار بالبشر. سبحان مَن خلقكم!

صحيفة الإندبندنت خرجت يومها مازحةً بعنوان «شتراوس كان اعتقد أن الخادمة دولة فقيرة بحاجة لمساعدة مالية!»، في تلميح إلى أن الصندوق لا ينقد؛ بل يغتصب! شتراوس كان قد دفع تعويضاً للخادمة قدره 6 ملايين دولار وخسر كل شيء؛ لأنه اختار الدولة الخطأ لممارسة شذوذه. لو ارتكب فِعلته في بلد «الحق والقانون» ما كانت القضية لتظهر، ولكانت صفعة واحدة وبعض السباب كفيلين بإنهاء القضية.

في تقرير لقناة «DW» الألمانية، ظهرت أمثلة لدول نجت من الاغتصاب، مقابل دول فقدت بكارتها وشرفها الاقتصادي. تقرير ظهر مع تألُّم الأردن من تطبيق إصلاحات الصندوق، واستمرار حكومتنا العزيزة في تلقي القروض بـ»لا ما تشاور حد»، رغم أن من سيدفع هم أبناء الشعب وليس أبناءهم مزدوجي الجنسية.

في غانا، أصر الصندوق، مقابل «الإنقاذ»، على فرض رسوم على الالتحاق بالمدارس. النتيجة كانت انخفاض عدد التلاميذ بمقدار الثلثين.

مقترح فرض الرسوم على مدارس الشعب كان بالوناً رمته الحكومة المغربية في سماء الإعلام؛ لجس نبض العامة بتوصية من مجلس عزيمان المكلف إعداد رؤية استراتيجية لإصلاح للتعليم. الشعب أظهر العين الحمراء في وجه المُقترح، لتستمر الدولة في مخطط قتل التعليم العمومي بقلة الأنفس والموارد؛ كي يتجه المواطن صاغراً صوب مدارس خاصة تفرِّخ بسرعة أكبر من سرعة توالد الأرانب.

«زامبيا» قبِلت شروط الصندوق فخفضت من الإنفاق على قطاع الصحة، لتتضاعف وفيات الأطفال بالدولة الإفريقية الفقيرة. «كينيا» فرضت رسوماً على زيارة الطبيب فانخفضت نسبة زيارة المصابات بالأمراض الجنسية بنسبة 65%.

ما يثير الفضول والعجب أن المغرب لا يُصرح بتنفيذ توصيات الصندوق؛ بل يضطر المواطنون إلى اللجوء للقطاع الخاص بعد أن يصطدموا بواقع القطاع العام المزري.

في بلد يعاني فيه 1 من بين كل 3 أشخاص أمراضاً نفسية، ويقبع فيه 3 ملايين نسمة ببيوت بلا مراحيض، وأدوية التخدير غائبة على مدار الساعة عن رفوف المستشفيات، و»السكانير» مُعطل منذ نيل الاستقلال، ودخولك على الطبيب يساوي الدخول لمكتب «كوميسير» في عهد البصري، من النظرة الدونية إلى من أدى قسم أبو قراط حفاظاً على كرامة المريض وحفظاً لصحته، مهما كان وضعه أو مظهره ورقم حسابه المصرفي.

البديل يكون التوجه صوب مصحة يشتغل بها الدكتور الذي يكشف على المساكين بـ»الجميل». كثير من أطباء القطاع العام يدخرون جهودهم للساعات الإضافية والمصحات الخاصة، وربح «أنت بداك رميد»!

في مقابل دول ركعت للصندوق، توجد دول أصرت على اختيار الطريق الصعب. لم تستدن لتنقذ المسؤول من جريمة سوء التدبير والإسراف؛ بل اعتمدت على نفسها لتخرج أقوى مما كانت عليه.

ماليزيا سنة 1997، وعقب أزمة طاحنة هوت باقتصاديات جنوب شرقي آسيا، رفضت توصيات الصندوق، وأقرت قيوداً على حركة العملة، منعت تداولها خارج البلاد وحظرت تحويل العملات الصعبة خارج البلد الصغير.

مهاتير محمد أصر على خفض الفائدة عكس نصائح المغُتصِب، فأمكن للمقاولين الاقتراض بفوائد ضعيفة، ما حفز الإنتاج وحوَّل ماليزيا من انكماش بنسبة 7.5% إلى نمو بنسبة 5.4%. ماليزيا اليوم هي رابع أقوى اقتصاد في جنوب شرقي آسيا، والـ35 على مستوى العالم.

برازيل الثمانينيات كانت غارقة لأذنيها في ديون صندوق النقد. وفي حين اختار المغرب الانصياع للصندوق في الفترة ذاتها بتبني مخطط التقويم الهيكلي وبيع أهم أعمدة القطاع الخاص على عهد وزير المالية عبد اللطيف الجواهري (رئيس بنك المغرب الحالي)، أخذت الأمور في البرازيل منحىً دراماتيكياً قبل أن تهدأ الأمور.

بتقليص للقطاع العام وتسريح لملايين الموظفين، أصبح 1% من سكان البرازيل يستحوذون على 50% من الدخل، و20% من المواطنين يملكون 80% من الثروة. حالة تشبه نموذجاً تنموياً أعرج بشهادة أعلى سلطة في البلاد، يُغني الغني ويُفقر الفقير. يُفاقم الهوة بين القاع والسقف، بطبقة وسطى تتآكل مقابل توسُّع الفئات المستقبِلة للقُفف الصفراء ومساعدات شهر التوبة والغفران.

 خلال الفترة نفسها التي اشتكى منها المغرب من أزمة قلبية جراء مقالب صندوق النقد الدولي، انتخب البرازيليون عامل مصنع مبتور الأُصبع، وماسح أحذية سابقاً «لُولا دا سيلفا».

«لُولا» لم يهرول ويوقِّع اتفاق تجارة حرة مع أميركا موسعاً ثُقب العجز مقابل ألقاب لا تغني ولا تسمن من جوع، من قبيل: «شريك استراتيجي لحلف الناتو»، و»أول بلد إفريقي يفتح أسواقه للفيل الأميركي».

«لُولا» دعم قطاعات الصناعة والزراعة في المنتجات الأساسية: حبوب وصناعة ثقيلة وليس كيوي و»كابلاج السيارات». «لولا» بحث لشركات وطنه عن أسواق قبل أن تبدأ التصنيع، وكانت الحكومة أكبر الزُّبناء، ولم يصرف مليارات تنمية بشرية في تدشين الصنابير أو اقتناء ماعزتين وتشييد الطابق الثاني!

سنة 2005 سددت البرازيل 15.5 مليار دولار من قروض صندوق النقد قبل سنتين من استحقاقها، موفِّرة 900 مليون دولار من الفوائد. ارتفع الناتج الإجمالي من 1.1% إلى 6.7%. زيادة الأسعار انخفضت من 14.7% إلى 3.6%، أما معدلات البطالة فاستقرت في حدود 10.9%.

نسبة بطالة تختلف عن المعدلات المصرح بها في المغرب، حيث اعتمدت المندوبية السامية للتخطيط مؤشر العمل ساعتين في الأسبوع لتعتبرك من الفئة غير العاطلة. يعني أنك بمساعدة أمك في إعداد مائدة الإفطار تخرج من دائرة البطالة! (مؤشر مُعتمد في الإحصاء العام للسكن والسكنى سنة 2014).

قد يتساءل البعض عن الطريقة التي تُدمر بها شروط صندوق النقد اقتصاديات الدول؟ الجواب ببساطة، أن الصندوق لا يدعم سوى الدول الفاشلة. دول تنعدم فيها سيادة القانون، فيكون تحرير الاقتصاد مرادفاً لاحتكاره من قلةٍ داخليةٍ مُتجبرةٍ تأكل الغلة ولا تدع سوى الفتات، ومن شركات أجنبية تملك المعرفة وترسل عائداتها نحو بلدها الأم تاركةً صناديق الدولة تُصفر!

«لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ «.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هكذا دمّر صندوق النقد الدولي الدول التي يدعمها