الإثنين, 16 يوليو 2018

اللامعقول المصدق!

لم يتفق لي يوماً أن أدخل إلى «بوفيه مفتوح» في أحد الفنادق الفاخرة؛ ذلك لأنني لست من الطبقة الأرستقراطية، ولا لأنني من الوجاهة الاجتماعية، ولكن لأن الأقدار لم تكتب لي ذلك، فكثير ممن حدَّثوني بالدخول لهذه الموائد العامرة كانوا من البسطاء أمثالي، أحدهم كان سائقاً لإحدى الحافلات السياحية التي تقلّ الحجاج والمعتمرين، وبطبيعة الحال كان يدخل إلى هذه الفنادق وينحشر في هذه الموائد، وقد اتفق له من مرات الانخراط أكثر من مرات تناولي الفول والطعمية التي يدمنها غلابة المصريين.

آخَر كان مدرساً مصرياً بسيطاً، لما انهارت السياحة بعد الانقلاب الأخير، بادرت كثير من الفنادق السياحية بعمل عروض وخصومات مغرية على الرحلات الداخلية، بُغية إنعاش السياحة الميتة، فسافر هذا المدرس مع عائلته إلى الغردقة ثلاثة أيام حدَّثني فيها عن الجمال والخيال.

هذا فضلاً عن أحاديث وقصص الوجهاء والنبلاء والأمراء والبكوات والباشوات والببغاوات، عن طقوس هذه البوفيهات العامرة.

ومن حدثوني عن هذه البوفيهات المفتوحة أثاروا خيالي واندهاشي أكثر مما أثاروا شهيّتي، فالموائد عامرة بالمتناقضات كالأسماك واللحوم، والحلو والمالح، والحريف والبارد، فضلاً عن الأصناف التي تحتاج لمترجم لكي يشرح لك ماهية هذه الأكلات الغامضة، وحدَّث ولا حرج عن امتداد الموائد التي تحتاج لخريطة؛ لكي تسير فوقها بناظريك، وترهق تفكيرك في وضع خطة من أين تبدأ وأين تنتهي، خاصة أن المعدة لا تتحمّل مساحتها كل هذه الكميات، وأي صنف يدخل جوفك بالخطأ ولا يعجبك طعمه هو مخصوم من مساحة المعدة المحدودة، هذا فضلاً عن المقبلات والمشهيات والسلطات والمشروبات.

هذه الموائد -في تقديري- تندرج بالنسبة لي تحت «اللامعقول المصدق»، فهو مصدق؛ لأن من حدثوني ثقات، وعددهم يدخل في حيز التواتر الذي يستحيل معه الكذب، وأما اللامعقول لأنني أطالع يومياً في نشرات الأخبار مجازر أهالينا في سوريا والعراق واليمن وليبيا وبورما وسيناء.. وتقارير عن الغازات السامة والسجون السرية والاختفاء القسري والاعتقالات بدون محاكمات، والتصفية الجسدية، والأحوال الاقتصادية المتردية، والبنك الدولي، والديون والقروض، والسندات وأذون الخزانة، كما ترمق عيناي كل يوم مَن يأكلون من القمامة، ومَن ينامون على الأرصفة، ومَن يتعلقون بأبواب الحافلات؛ لكي يصلوا إلى أعمالهم، أو يتزاحمون أمام الأفران للحصول على رغيف خبزهم.       

«اللامعقول المصدق» بات ظاهرة واسعة الانتشار في حياتنا، خاصة السياسية منها.

 «اللامعقول المصدق» في عقد حفلة تكريم وتنصيب الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة المصاب بجلطات دماغية؛ حيث كُرِّمت صورته لعجزه عن حضور الحفل.

«اللامعقول المصدق» في تكريم عبدالعزيز بوتفليقة نفسه عدداً من الرموز الفكرية بالجزائر، وحضرت صورته نيابةً عنه.

«اللامعقول المصدق» في تهوُّر ولي العهد السعودي باجتياح اليمن، وهو يعلم جيداً أن الجيش السعودي -كما سائر الجيوش العربية- سُلّحت ودربت لقمع الشعوب المقهورة، لا لخوض معارك قتالية.

«اللامعقول المصدق» في اشتراط الإمارات لعودة المصالحة مع قطر تنازلها عن استضافة مباريات كأس العالم، وكأنها تحقد على أي مجد عربي أو إقليمي.

«اللامعقول المصدق» أن يتحدث زعيم عربي عن فقر بلاده وأزمتها الاقتصادية الطاحنة في مؤتمر وُضعت أمامه باقات الزهور، وجلس هو والضيوف في قاعة فارهة وعلى مقاعد فخمة، وبدت مظاهر الأبّهة الملكية في الحفل، ولم يستحي الزعيم المفدَّى أن يعلن بؤس بلاده وضيق ذات يده.

«اللامعقول المصدق» في خليفة حفتر، وبشار الأسد، والحشد الشعبي، والاستقلال الكردي، والتعاون العربي والصهيوني، والخضوع العربي للأميركي، وصفقات سلاح لدول تحتاج كسرة الخبز، والتقسيم الجديد للمنطقة العربية، والحديث عن السيادة الوطنية والقواعد الأميركية تنتشر من المحيط للخليج، والمصالحة بين فتح العميلة وحماس المجاهدة، وجعجعة الساسة اللبنانيين، والبرلمان الصومالي.

لقد لعبوا بثوابت التفكير المنطقي لدينا؛ حتى بِتُّ لا أصدق أنه بات يوجد في الأرض صدق.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
الحُبِّ الصادق.. أصله ثابت وسيبلغ يوماً فرعُه السماء
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
اللامعقول المصدق!