نادين نجيم، مصطفى شعبان، تيم حسن وغيرهم.. كيف تُبهر الجمهور بفشلك ومستواك الرديء؟
الأحد, 18 نوفمبر 2018

نادين نجيم، مصطفى شعبان، تيم حسن وغيرهم.. كيف تُبهر الجمهور بفشلك ومستواك الرديء؟

 

 


مسلسل «تانغو» كان مفاجأة، فهو من أحد الأعمال التي حافظت على مستواها وقوتها منذ الحلقة الأولى وحتى النهاية.

لم يمر موسم دراما رمضاني محبط كما هو موسم هذا العام (2018)، سواء على مستوى الأعمال التلفزيونية المصرية أو العربية؛ ما جعل قرار مقاطعة شاشة التلفاز يتخذه جمهور عريض، فلا أحد منهم يريد مشاهدة إعادة إنتاج لمجموعة من مشاهد «الأكشن» وحوارات طويلة في حب أجهزة أمن الدولة والشرطة، في الوقت الذي تشهد فيه ساحة مصر وأغلب الدول العربية أكثر فترة تُنتهك فيها الحقوق وتُقمع الحريات على يد هذه الأجهزة.

هذا فضلاً عن أن المسلسلات المعروضة تكاد تكون في المستوى ذاته وتتحدث عن الفكرة ذاتها بمواقع التصوير ذاتها، وتعرض لمشاهد أكشن متشابهة، مع اختلاف أنواع السيارات التي تنفجر هنا وهناك، حتى حين تم نقل أحداث هذه الأعمال إلى دولة أخرى اختار أغلبهم روسيا، لدرجة تجعلك تشعر بأن روسيا قدمت تسهيلات خاصة لأهل الفن في الحصول على التأشيرة.

كما تنقّل معظم الممثلين والممثلات الذين لعبوا أدواراً ليست رئيسية بين الأعمال، فتشعر بأنك تراقب لعبة تبديل الأماكن، وكان من أبرز هذه المسلسلات «نسر الصعيد» و»طايع» و»كلبش» و»رحيم» و»فوق السحاب» و»أمر واقع» و»قانون عمر» و»السهام المارقة»، وغيرها من الأعمال التي قدمت الرواية الرسمية لأجهزة الدولة الأمنية حول السجون المصرية والجماعات السلفية والنسخة المحببة إليها من الإسلام، في حوارات خطابية مباشرة فجة عن الوطنية والتضحية والأخلاق والدين.

يمكن وصف الموسم الحالي بالأسوأ منذ سنوات، فإضافة إلى كون أعماله بعيدة عن الواقع وغير حقيقية ومبالَغاً فيها، فإن الشروط الفنية كانت مهتزة في العديد من الأعمال؛ كالإخراج والمونتاج والسيناريو والتمثيل، ولم يستطع الإبهار البصري للعنف والنساء الجميلات ومشاهد الأكشن أن يغفر أياً من ذلك.

المفاجأة الأخرى كانت في تَقَدُّم مسلسل «طريق» على مسلسل «الهيبة العودة» بعد أن توقع الجميع فشله.

ولم يكن الخطاب المباشر الوحيد الذي اتسم بالسطحية؛ بل هناك الشخصيات التي لا تتطور بتاتاً، وإذا تطورت فإنها تكون غير منطقية ومعاكسة تماماً لسير السرد الدرامي، وقد ساعد على هذا التسطيحِ أداءُ الممثلين، الذين احتفظوا بالتعبيرات ذاتها طوال حلقات المسلسل، وأقوى نموذج على ذلك، الممثل أمير كرارة في دور «سليم الأنصاري» بمسلسل «كلبش»، فوجهه متجهم غاضب متيبِّس لا يعرف الحزن أو الفرح، كما لو أنك تقرأ بطولات ضابط شرطة في روايات الجيب، شخصية ذات بُعد واحد، حتى إن هذه الروايات أكثر جذباً مما قدمه كرارة.

وربما يكون هذا هو السبب الذي قاد مخرجي هذه الأعمال إلى عدم الاعتماد على قدرات الممثل الرئيسية وحدها؛ بل على مكونات المَشهد؛ لذا فإننا نجد مَشاهد شديدة التطرف في العاطفة، ولم تكن سابقاً بهذا الكشف في الدراما المصرية؛ كمشهد دفن مهجة في مسلسل «طايع» للمخرج عمرو سلامة، وتغسيل ماندو لشقيقه في مسلسل «فوق السحاب» للمخرج رؤوف عبد العزيز، أو تفجير الإرهابي نفسه في «الضابط المسؤول» بعد أن احتضنه، وهمس الأخير بالشهادة في مسلسل «كلبش» للمخرج بيتر ميمي، وغيرها من المَشاهد التي تستجدي تعاطف ودموع المتفرج.

«إيجو» الممثل المصري يهلّ علينا ثقيلاً هذا العام (2018)، بعد أن حاصرتنا لسنوات في مواسم رمضانية سابقة مسلسلاتٌ مكتوبةٌ لممثلات بعينهن يتم فيها بناء عمل درامي على مقاس هذه الممثلة أو تلك لتظهر الأكثر جذباً وجمالاً وشرّاً أو طِيبةً بحسب الحبكة؛ كهيفاء وهبي وغادة عبد الرازق وليلى علوي ويسرا، دون أن تكون هناك قصة جيدة أو فريق عمل حقيقي.

واليوم تتم كتابة الأعمال الدرامية على مقاس الممثل المصري الذي يريد أن يكون «سوبرمان» الموسم الدرامي، و»روبن هود» الحق ومُخلّص الفقراء، في إعادة إنتاج لسيناريوهات غاية في الركاكة تقدِّم النسخة السينمائية والتلفزيونية القديمة من خطاب الدولة حول الإرهاب وأمن البلد وإسرائيل، وكنا نعتقد أن الدراما المصرية تجاوزتها منذ زمن، لكن نعود لنرى حالة من النكوص والتقهقهر إلى الخلف.

مسلسل «الهيبة» لم يحقق الجماهيرية التي كان الجميع ينتظرها، وبدا الإحباط كبيراً منذ الحلقات الأولى بمجرد أن اكتشف الجمهور أن المسلسل يعود في الحكاية إلى الوراء.

مسلسلات الممثل البطل والممثلة البطلة

ولا يعني بروز مسلسلات «الممثل البطل» هذا الموسم اختفاء مسلسلات «الممثلة البطلة»؛ فهناك «كارما» لهيفاء وهبي، و»لدينا أقوال أخرى» ليسرا، و»ممنوع الاقتراب أو التصوير» لزينة، و»ضد مجهول» لغادة عبد الرازق، وانضمت إلى الرَّكب الممثلة دينا الشربيني في مسلسل «مليكة» الذي يعتبر أفضل هذه القافلة، إلا أن مسلسلاتهن وقعت في ذيل الاختيار، سواء جماهيرياً أو نقدياً.

ويمكن ملاحظة أن جميع هذه المسلسلات حرصت على إظهار حبكات درامية جانبية ليست لها علاقة على الإطلاق بما يدور في المسلسل من حبكة رئيسية، وكأنك تتابع عملين، في مطّ للمَشاهد وأداء فيه استسهال وكثير من الكسل.

إن الجميع يتسابق لإنهاء 30 حلقة بأكبر قدر من المبالغة وكسب المشاهدين عبر لقطات القتل والتفجير والعويل، واللعب على المواضيع التي تثير عاطفة المشاهدين، فتقدم هذه الأعمال معلومات كأنها حقائق مُسلّم بها، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى كثير من النقاش والبراهين؛ كالعنصرية في الدول الأجنبية ضد المرأة التي ترتدي الحجاب، أو تعاون الجماعات الجهادية مع إسرائيل، ومدى تأثير السحر والشعوذة، وكون المرأة ديكوراً جميلاً مكملاً لصورة الرجل البطل.

إن ارتفاع نسبة مشاهدة هذه المسلسلات، خلال الموسم الحالي، على «يوتيوب»، لا يعني على الإطلاق أنها كانت الأفضل؛ بل يكاد العكس يصبح قاعدة؛ فهناك مسلسلات تم هجرها تعتبر من أفضل المسلسلات؛ كمسلسل «اختفاء» للمخرج أحمد مدحت، من بطولة نيلّي كريم وهشام سليم ومحمد ممدوح، ومسلسل «ليالي أوجيني» من إخراج هاني خليفة لظافر العابدين وإنجي المقدم وأمينة خليل.

وهذا النكوص يأتي بعد سنوات ماضية، تم خلالها تقديم روائع في مواسم رمضان كمسلسلات «طرف ثالث» (2012)، و»ذات» (2013)، و»موجة حارة» (2013)، ومسلسل «الزوجة الثانية» (2013)، ومسلسل «أفراح القبة» (2016)، ومسلسل «هذا المساء» (2017)، و»كفر دلهاب» (2017).. وغيرها من العلامات الفارقة في الدراما المصرية، عكس هذا العام (2018)، الذي يخلو من أي أيقونة درامية قد يحفظها تاريخ التلفزيون، أو مسلسل من الممكن الإجماع عليه.

وعلى الرغم من كل هذا الإحباط والتراجع، فإنه لا يزال هناك متسع لبعض المفاجآت الصغيرة في هذا الموسم من الممكن تفصيلها على النحو التالي:

«تانغو».. جاذبية حتى النهاية

من الممكن القول إن مسلسل «تانغو» -من إخراج رامي حنا، وتمثيل باسل الخياط ودانييلا رحمة وكتابة إياد أبو الشامات- كان مفاجأة، فهو من أحد الأعمال التي حافظت على مستواها وقوتها منذ الحلقة الأولى وحتى النهاية.

وهو يسرد قصة صداقة تجمع بين رجل الأعمال (عامر) وزوجته (لينا) بالمهندس (سامي) وزوجته مدربة رقص التانغو (فرح)، لكن علاقة حب سرية بين عامر وفرح تفجر الأجواء التي تنتهي بمقتل فرح؛ إذ يبدأ المسلسل باختفاء فرح وسقوط عامر في غيبوبة منذ الحلقات الأولى، لتستمر الأحداث تنازلياً في الكشف عن الجريمة والبحث عن القاتل.

ويقود المخرج المُشاهد في كل حلقة إلى أن يشكّ في قاتل جديد لـ(فرح)، إلى درجة يصبح فيها الجميع تحت طائلة الاتهام في عقل المتلقي: «شقيقة فرح، عشيقها عامر، زوجة عامر، زوج فرح، شقيق فرح، كريم رجل الأعمال، طلال حبيب فرح القديم.. وهكذا».

وعلى الرغم من أن رائحة أفلام المخرج وودي ألن التي تغوص في الجرائم العاطفية تنبعث بقوة من المسلسل، فإن ذلك لم يقلل من جاذبيته في سرد سلس وواقعي.

وربما تكون مشكلة المسلسل الوحيدة أنه لا يقدم حبكة جديدة على الرغم من الغموض؛ لأنه يقع في تكرار للمواقف والملل -إلى حد ما- في الحلقات الأخيرة، باعتبار أن الذروة انتهت مع الحلقات الأولى، لكن يبقى الرهان على الأداء المدهش للممثلين والممثلات والرغبة في معرفة هوية القاتل.

وربما مغامرة المسلسل الأصيلة التي تُحسب للمُخرج، أنه قدَّم شخصيات تمثل للمرة الأولى، كما أعطى أدواراً معقدة لممثلين وممثلات من النادر ظهورهم على الشاشة، واستطاع المخرج حنا الوصول بطاقم التمثيل إلى أفضل ما يمكن تقديمه، سواء مع الممثلة اللبنانية دانييلا رحمة -التي تؤدي أول عمل درامي- أو مع الممثلة السورية دانا مرديني -في دور زوجة عامر- فقد أدت مشاهد معقدة ببراعة فائقة.

ونجح المخرج في أن يتحكم بجاذبية الممثل باسل الخياط، الذي يبتلع أداؤه وصوته أي ممثل أمامه، لكنه ظهر في المسلسل ضمن فريق قوي عكس دوره في مسلسل «الرحلة»، حيث يطغى فيه على الجميع.

«طريق».. نجاح رغم التوجسات

أما المفاجأة الأخرى، فقد كانت في تَقَدُّم مسلسل «طريق» على مسلسل «الهيبة العودة» بعد أن توقع الجميع فشله؛ فقد اختارته الممثلة نادين نسيب نجيم ليكون عملها هذا الموسم، وتخلت عن دورها الرئيسي في مسلسل «الهيبة» الذائع الصيت في جزئه الثاني. وقد توقع الجميع أن لا يكون حمل هذه المغامرة! إلا أن المقارنة بين جماهيرية المسلسلين في الوقت الحالي تثبت أن الأمر استحق المخاطرة.

ولم يكن أداء الممثلة نادين هو عامل النجاح؛ بل ما قام به الممثل عابد فهد من إبداع في دور «جابر السلطان» أيضاً، مما جعل الجمهور العربي يتعاطف معه إلى حد الدخول في شجارات ونقاشات حادة على ساحات مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد رفع أداء فهد من مسلسل «طريق» ككل، فلم يشفع اقتباس المسلسل من رواية «الشريدة» لنجيب محفوظ، الضعف الكبير في الإخراج والسرد الدرامي غير المنطقي في مناطق كثيرة، إحداها تحوُّل شخصية «أميرة» التي تؤديها نادين، إضافة إلى الحكايات الجانبية المملة والضعيفة.

وكان يمكن للمخرجة رشا شربتجي أن تبذل مجهوداً أكبر في المواءمة بين أداء نادين حين كانت فتاة فقيرة ولطيفة وبعد أن أصبحت غنية ذات شخصية أنانية لا تُطاق، فلا يمكن أن يكون ما يحدث تطوراً؛ بل هي قدمت شخصيتين مختلفتين تماماً، في أداء تمثيلي ضعيف يميل إلى الصراخ والمبالغة.

وقد قضت «أميرة» الحلقات الأولى من المسلسل وهي تحاول إيجاد ثغرات قانونية في الكتب القانونية؛ كي تستطيع الاحتفاظ بمنزل العائلة الفقيرة والتغلب على مالك البيت، وفجأة في الجزء الثاني -أي بعد زواجها بالرجل الغني الأُمي «جابر السلطان»- تصبح لامعة في عملها وتكسب القضايا الصعبة، وهذا ما لم يكن واضحاً في مرافعاتها الهزيلة بالمحكمة، فيبدو أن نادين تناسبها أدوار الشر أكثر من أدوار البحث عن الحق والخير.

 ومن الواضح أنه مسلسل بُني على مقاس نادين، وبالفعل جاء على مقدار موهبتها، لكنه ضاق كثيراً على أداء الممثل عابد فهد الطاغي المبهر، فقد أصبح «هو المسلسل والمسلسل هو»، فقد أدى فهد دور الرجل الجاهل الطيب الغني بإبداع قلَّ نظيره.

ولم يكن يحتاج فهد لمسلسل مُعَد خصيصاً لممثلة تريد إثبات وجودها الفني بعيداً عن الممثل «تيم حسن» عقب 3 مواسم معه «تشيللو» (2015)، «نص يوم» (2016)، «الهيبة» (2017).

ويعاني المسلسل، إضافة إلى الضعف الفني، أخطاء إخراجية كثيرة إلى حدٍّ أثار سخرية وسائل إعلام مختصة بالفن، وهو ما أثار كثيراً من التساؤلات عن القيمة الفنية للأعمال الدرامية العربية المشتركة، التي تُقدَّم كوجبات سريعة في رمضان وسرعان ما يتم نسيانها.

وكان من أولها وأبرزها مسلسل «مطلوب رجال» (2010) للمخرجين سامر البرقاوي وسامي الجنادي وحاتم علي، ثم مسلسل «روبي» (2012) للممثلة سيرين عبد النور من إخراج رامي حنا، وهي أعمال سورية-مصرية-لبنانية مشتركة من إنتاج شركات خليجية، سرعان ما تكاثرت بسبب نجاحها الجماهيري، فهي تشبه المسلسلات التركية إلى حد كبير، وغالبية قصصها عن مسلسلات أجنبية أو لاتينية، بيد أنها لا تعلق بالذاكرة الدرامية؛ فهي للربح والاستهلاك الموسمي وليس للخلود الفني.

«الهيبة العودة».. فشل رغم التنبؤات

المفاجأة هنا أن «الهيبة العودة» لم يحقق على الإطلاق نجاح الجزء الأول «الهيبة» (2017)، فإن فكرة الرجوع بأحداث المسلسل للخلف؛ أي ما قبل الجزء الأول، وتقديمها في جزء ثانٍ، مغامرة كبيرة في عمل درامي؛ بل هو نوع من الذهاب إلى الفشل بكل وعي، وهذا ما حصل.

ومقارنة مع العام الماضي (2017)، يمكن القول إن «الهيبة» للمخرج سامر البرقاوي لم يحقق الجماهيرية التي كان الجميع ينتظرها، وكان الإحباط كبيراً منذ الحلقات الأولى بمجرد أن اكتشف الجمهور أن المسلسل يعود في الحكاية إلى الوراء.

فقد أصبحت جميع المصائر معروفة مسبقاً، كما أن انتهاء كل حلقة في الموسم الحالي على لحظة تشويق هو لحظة لم تعد ذات قيمة، فالجميع يعرف أن هذه الشخصية لن تموت، وتلك ستتزوج بآخر، وهذه المعركة ذات نتائج معروفة مسبقاً.

إنه تضييع للجهد والوقت ومتابعة المتابَع، وهكذا انتهى مسلسل هذا الموسم قبل أن يبدأ، فضلاً عن كمية الصراخ والعنف والتهديد واحتقار النساء واستمراء الجريمة، في أداء مكرر لتيم حسن وأغلبية الممثلين الذين ظهروا في جزئه الأول.

ويعتبر أداء نيكول سابا -ضيفة المسلسل الجديدة- غير محترف ومفتعل، وقد كان الأفضل لها أن تبقى في مجال الاستعراض، ولم يبقَ في المسلسل سوى الرهان على شيوخ التمثيل؛ السورية منى واصف واللبناني رفيق علي أحمد، في أداء لا يُمَلُّ وعزف منفرد عن البقية.

وما تم اجتراحه بشكل جديد في المسلسل، كمحاولة لخلق حبكة درامية جانبية؛ حكاية «بيت الدعارة»، حيث يتم احتجاز مجموعة من الفتيات وإجبارهن على الرذيلة، إلا أنها ثيمة غير ذات علاقة بأحداث المسلسل، إضافة لكونها تراجيديا إضافية لا تجلب سوى مزيد من صراخ وعويل وعنف إلى درجة تجعلك تقلب إلى محطة أخرى إلى حين انتهاء المَشهد، فأنت لا تريد أن ترى ثيمة مكررة مئات المرات في الدراما والسينما العربية لفتيات مكسورات يُجبَرن على الدعارة ويحاولن الهرب.

«عوالم خفية».. ما يليق بعادل إمام

أخيراً ظهر الممثل عادل إمام بصورة جديدة يستحقها بعد سنوات من تراكم قشور الأعمال المكررة والكوميديا الركيكة على أدائه واسمه، ليقدِّم في مسلسل «عوالم خفية» للمخرج رامي إمام والمؤلفين الثلاثة أمين جمال ومحمد محرز ومحمود حمدان لب تمثيل خالص وعظيم يليق بسيرته وما ينتظره منه الجمهور منذ أعوام، ويكون إحدى مفاجآت هذا الموسم.

فهو يعرف معنى أن يحزن وأن يغضب وأن يمزح بسلاسة دون أن تشعر بأنه يمثل، وقد قدَّم في المسلسل غموضاً جذاباً وقصص جرائم مثيرة للاهتمام، وعمقاً في الحوار دون فجاجة ودروساً في الوطنية والدين شهدتها المسلسلات الموازية، كما عاد إلى التمرد قليلاً على الدولة، ما يذكرنا بنفَسه الثوري في أفلامه القديمة قبل أن يصبح «الإرهابيَّ» التائب المفضَّل للدولة.

بيد أنه -كمعظم مسلسلات هذا الموسم- عند المنتصف، حيث الصعود في أوج الأحداث، يبدأ المسلسل بالنزول على الرغم من أن أداء عادل الإمام احتفظ بالجودة نفسها طوال الحلقات.

الإشكالية الكبيرة تكمن في القصة نفسها ومدى واقعيتها ومنطقيتها. فإذا كان من الممكن التغاضي عن أنه وجد صدفة مذكرات ممثلة مقتولة تكشف فيها عن قضايا فساد ليبدأ بملاحقتها، فمن غير المعقول أن هذه المذكرات تقدم الحل لجميع قضايا الظلم، وأسماء الفاسدين في البلد؛ فمن خلال هذه المذكرات أسقط وزيري التعليم والصحة في تهم أدوية فاسدة، وشهادات مزورة؛ ومن ثم حرر مئات الأطفال المخطوفين من ملجأ للأيتام، وأخيراً كشف عن شبكة تبيع الأعضاء بين جماعات سلفية وإسرائيل.

وكان التركيز على علاقة الجماعات السلفية الجهادية بإسرائيل ثيمة مكررة بين غالبية المسلسلات المصرية، كأن هناك تعميماً أمنياً بعرضها، وهذه قضية شائكة تحتاج إلى البحث في حيثياتها وحقيقتها قبل تقديمها كأنها معلومة متحققة وواقع تاريخي.

الإشكالية الأخرى في المسلسل أن الصحفي هلال كامل، الذي يقوم بدوره عادل إمام، يتحول من صحفي مستقل إلى مخبر لأمن الدولة عبر علاقته بالضابط رؤوف وقام بدوره الممثل المبدع فتحي عبد الوهاب. وفي العُرف الصحفي، هناك فرق كبير بين أن تكون صحفياً، وأن تكون جاسوساً للدولة حتى لو كنت تلاحق مجرمين، فليست مهمتك التبليغ عنهم أو مصاحبة الأمن للقبض عليهم.

وبذلك، قضى المخرج على النفَس الثوري في المسلسل، وكفَّر عن ذنب تعاطف الصحفي مع «المعارضين» عبر علاقته بضابط أمن الدولة، ورجع عادل إمام إلى حضن الدولة التي أخلص لها في معظم أعماله.

ولو أن الصحافة في العالم العربي، أو مصر خصوصاً، بهذه القوة والسهولة، لكان جميع المعتقلين على خلفية الرأي وحرية التعبير من صحفيين ونشطاء وممثلين وأدباء خارج السجون المصرية الآن، إلا أن العكس ما يحدث فهي تعج بهم.

إن المسلسل يوصل رسالة واضحة، مفادها إما أن تكون صحفياً مخبراً لأمن الدولة أو صحفياً مستقلاً فيتم تشويه صورتك واعتقالك، وهذه الرسالة هي التي تليق بعادل إمام فنان الدولة الرسمي إذا أمكن وصفه، ولا يمكن أن نتوقع منه أكثر من ذلك حتى لو كان لدينا مسلسل جذاب وإبداع في التمثيل.

«أيوب».. جاذبية البداية وخفوت النهاية

المسلسل الوحيد وسط هذا الموسم الدرامي، الذي بدأت أولى حلقاته بشكل جذاب وقوي عكس الوقع الضعيف والملتبس والبطيء أحياناً للأعمال الدرامية الأخرى في بدايتها. والمفاجأة أن بطله الممثل مصطفى شعبان، الذي قدم أعمالاً شديدة الضعف في المواسم السابقة؛ «دكتور أمراض نسا» (2014)، و»مولانا العاشق» (2015)، و»أبو البنات» (2016)، و»اللهم إني صائم» (2017).

وقد استطاع شعبان التفوق على نفسه وسيرته السابقة بصحبة ممثلات قويات؛ كأنعام الجريتلي في دور والدته، وأيتن عامر في دور شقيقته، وميرهان حسن في دور زوجته ومن ثم طليقته، والممثل محمد لطفي، مع الوجه الجديد دياب اللذين مثّلا دور العدوين اللدودين له.

واستطاع شعبان أن يقدم حكاية قريبة من همّ الناس بطيبته وديونه المتراكمة وحرصه على إسعاد شقيقته ووالدته، إلا أن المصائب تتراكم فوق رأسه ويتآمر عليه الجميع وتموت والدته في سمت أسطوري من الظلم، ليصبر صبر أيوب على سنوات السجن والإيذاء وسرقة منزله وزوجته حتى يخرج وينتقم.

وفعلياً، هنا ينتهي المسلسل عند مشاهد الانتقام التي ينتظرها المتابع، وهي في الحلقات القليلة التي لحقت بالحلقة الخامسة عشرة، لتنتهي جاذبية الحلقات الأولى، ولم يبقَ سوى انتظار الطريقة التي سينتقم بها من زوجته السابقة التي سجلت ابنهما باسم رجل آخر.

ومن الممكن القول إن المسلسل لم يقع في مط الأحداث والمَشاهد؛ بل كان سريعاً ودقيقاً وحاسماً في كل حلقة، مما جعله يُشبع المُشاهد سريعاً، ولم يعد هناك سوى إضافة حبكات جديدة إلى الحلقات الأخيرة تتعلق بمحاولته الثراء واكتشاف طرق لخداع البنوك، في توالٍ لمَشاهد وحوارات تركز على عبقرية «أيوب» وشجاعته وقوته، ولكنها تماماً شخصية مغايرة لـ»أيوب» البسيط الغلبان الذي أحبه الناس في الحلقات الأولى حين كان مظلوماً.

وهي الشخصية التي لا تشي بهذا الداهية القادر على تأسيس شركة وهمية والنصب بملايين الجنيهات، وهنا يعود مصطفى شعبان إلى «عادته القديمة» بأن يقدم الشخصية المحببة إلى قلبه في المسلسلات السابقة الرجل القوي والغني الذي يخلّص حقوق المظلومين ويجذب النساء.

«أبو عمر المصري».. عندما تصبح الدولة سبباً للإرهاب

يحمل مسلسل «أبو عمر المصري» عدة مفاجآت مركّبة للنقاد والمُشاهدين؛ فنحن أمام ولادة نجم جديد قديم في الوقت ذاته، هو موجود على الساحة منذ سنوات إلا أنه لم يلعب من قبلُ دوراً يبرز قدراته كما فعل هذا المسلسل، إنه الممثل أحمد عز.

وقد تم تقديمه سابقاً لسنوات طويلة في توليفة من الجاذبية وأدوار الأكشن اعتماداً على وسامته وبِنْيته الجسدية. لكن في «أبو عمر المصري»، يلعب دور شاب فقير لديه طاقة وطموح لتخليص الفقراء من الفاسدين ورفع قضايا ضدهم ضمن رابطة صغيرة يشكلها مع أصدقائه من خريجي دفعته في القانون، ويقابل بي مهنته شخصية «سمير العبد» النافذة الظالمة، التي يؤديها الممثل فتحي عبد الوهاب بأداء بارع.

وتبدأ لعبة الانتقام بين المحامي «فخر» الذي يصبح لاحقاً «أبو عمر المصري» و»سمير العبد»، ويخسر «فخر» أحبابه واحداً تلو آخر؛ منهم حبيبته «شيرين» التي أدت دورها بتميُّز الممثلة أروى جودة، ويتوه «فخر» بين البلدان العربية والأجنبية باحثاً عن ذاته تارة في الاغتراب وأخرى في التأسلم بين الجماعات الجهادية.

وتبرز هذه التحولات في حوارات مبدعة وذكية وسير درامي محبوك لمسار تحوُّل شخصية طموحة عادية إلى شخصية سلفية منتقمة، والطريقة التي تقود فيها الدولة بظلمِ أجهزتها الأمنية الشباب إلى هذا الانتقام، في نقد واضح لها، وتعاطف كبير مع الشخصية المتدينة، ما يعتبر مفاجأة أخرى في الدراما المصرية.

وقد واجه المسلسل عدة أزمات؛ أولاها أزمة دبلوماسية مع السودان، الذي يظهر في المسلسل حاضناً للجماعات المتطرفة، ثم مع المؤلف «عز الدين شكري فشير» الذي تم اقتباس المسلسل عن روايتيه «مقتل فخر الدين» و»أبو عمر المصري»؛ وذلك بسبب عدم ظهور اسمه في تتر المسلسل، وكانت الكاتبة مريم نعوم حوَّلت الروايتين إلى تحفه درامية. أما آخر الأزمات، فكانت اتهام المسلسل بالتعاطف مع «أعداء الدولة» من الجماعات الدينية المتطرفة.

وعلى الرغم من الحرب الإعلامية على المسلسل، فإن الأغلبية وقعت في حب هذا العمل الدرامي للمخرج أحمد خالد موسى، ولم تعكر سير حلقاته وعرضها.

وإذا كانت هناك أزمات حقيقية واجهت المسلسل، فمن وجهة نظري هي إشكاليات فنية وقعت في أول حلقة من المسلسل والتي بدأت بمشهد سباحة «فخر» أو «أبو عمر المصري» إلى مركب ينتظره وسط البحر، تقوده «هند» التي أدت دورها الممثلة أمل بوشوشة بتمثيل ثقيل ولَكْنة أثقل.

وهذا المشهد وحده كان كفيلاً ليطردك بعيداً عن متابعة العمل، فتعتقد للوهلة الأولى أن أحمد عز يقدم نفسه بدور كوماندوز بحري تنتظره الجميلة لتأخذه إلى بر الأمان، مكرِّراً بذلك جميع أدواره السابقة «البطل الدون جوان»، لينتقل فجأة إلى الصحراء ويقتل أمير جماعة إسلامية تريد إعدام ابنه «عمر»، في لغة فصحى مثيرة للسخرية، وهنا تقرر الانصراف تماماً عن متابعة المسلسل، وبالتأكيد هذا ليس خطأ المُشاهد؛ بل خطأ المخرج والقائمين على السيناريو؛ إذ كان يجب أن يبدأ المسلسل من نقطة واقعية، وتحديداً من حارة بين السرايات.

مسلسل «أبو عمر المصري» يحمل عدة مفاجآت مركَّبة للنقاد والمُشاهدين؛ فنحن أمام ولادة نجم جديد قديم في الوقت ذاته، إنه الممثل أحمد عز.

إلا أن أزمة الحلقة الأولى سرعان ما يتجاوزها المسلسل، ويشد إليه المتلقي من جديد حين تبدأ جلسات المحكمة والمرافعات، التي من المفترض أن المحامي «فخر» يدافع فيها عن الفاسد «سمير العبد»، إلا أنه ينقلب عليه في مبارزة عبقرية.

وهنا يعود المسلسل إلى أرض الواقع دون عنتريات بَحرية أو صحراوية، ليسير بشكل ثابت، راسماً واحداً من أفضل مسلسلات هذا العام (2018)، وفي عمقٍ وحواراتٍ قويةٍ جعلت أحمد عز الممثل الأول في هذا الموسم الدرامي، منتصراً بذلك على الصورة النمطية التي رسمها عنه المتلقي العربي سنوات طويلة، خلال معركة كبيرة مع الممثلة زينة على إثبات أبوَّة توأمهما، وقد جاء الوقت الآن لتتم محاكمة أحمد عز كممثل وليس بحسب علاقاته العاطفية.

وقد قدَّم المسلسل مجتمع السلفية الجهادية بشكل معقول ورؤية ليست سطحية، مبرزاً التنافس بين شيوخه وحرية اختيار المصير وفلسفة معنى الإيمان والانتقام، وهو الأمر الذي يكاد يكون مستحيلاً في المسلسلات التي تقدم هذه المجتمعات «الإرهابية» في كليشيهات مباشرة فجَّة وخطابات فقهية مباشرة.

الآن، يصل المسلسل إلى حلقاته الأخيرة التي تقدم شخصية معقدة لـ»أبو عمر المصري» شديدة التغير والصراحة مع نفسها، وهو ما يجعلها تحافظ على منطق تصاعُدها وتطوُّرها، وتكون النتيجة أنه عاد إلى مصر فارغاً من الداخل، أو كما يصفه صديقه «ناصر» أن كل مرة يعود فيها «فخر» يشعر بأنه فقد قطعة من نفسه، لكنه هذه المرة مفرغ تماماً، أو كما قال «أبو عمر المصري» ذاته عن نفسه إنه جاء إلى مصر كي يجد «فخر» وبحث عنه، لكن دون فائدة.

ويصل إلى مرحلة الانتقام من كل شخص جعله يصل إلى هذا الطريق، وهي النهاية الطبيعية لما مرت به الشخصية، لكنه من الصعب على المتلقي تقبُّل دور الصحفية «هند»، التي تشعر بأنها مقحمة على المسلسل، كما أن حوارها شديد المباشرة والشعاراتية، ما يخالف نهج العمل، خاصة حين تحدثت عن غزة وفلسطين.

وتعود إلى مصر لتشترك مع «فخر» في وضع قائمة بأسماء من يريد قتلهم، في حوار آخر ركيك تحاول فيه فلسفة فعل القتل، وهو الأمر الذي لا تحتاجه شخصية قوية في المسلسل كـ»فخر» أو «أبو عمر المصري».

 

وهنا يأخذ المسلسل طابعاً يبدو فانتازياً نوعاً ما وغير حقيقي (كلام روايات)، فقد جعل المخرج الانتقام يأخذ طابعاً كرنفالياً لم يكن يتحمله المسلسل الواقعي الذي ناقش السياسة ومشاكل كبيرة بواقعية شديدة، فكان بالإمكان أن ينتقم «أبو عمر» بصمت وهدوء حتى يصل إلى الصحراء التي بدأ منها المسلسل لإنقاذ ابنه.

 

 

 

الجزيرة الوثائقية

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
فقير مريض بالصرع أولاده يموتون واحداً تلو الآخر.. دوستويفسكي بعيون زوجته
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
نادين نجيم، مصطفى شعبان، تيم حسن وغيرهم.. كيف تُبهر الجمهور بفشلك ومستواك الرديء؟