بعد أن قدمت قطر المساعدات.. محمد بن سلمان يسارع بإرسال 2.5 مليار دولار للأردن.. كيف كشفت الأزمة الاقتصادية الأردنية فراغ القيادة السعودية

عدد القراءات
7,220
عربي بوست
تم النشر: 2018/06/14 الساعة 14:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/06/14 الساعة 20:21 بتوقيت غرينتش

لم تأتِ السعودية لنجدة الأردن بحزمة المساعدات التي تبلغ 2.5 مليار دولار، ولو أنَّ الملك سلمان كان يرغب كثيراً في أن يبدو الأمر كذلك.

ما حدث كان محاولةً من الملك سلمان لنسب الفضل إلى نفسه في الأموال التي كانت الكويت قد تعهَّدت بتقديمها بالفعل. والنتيجة كانت تدافعاً من دول الخليج لدعم الأردن.

 

"دعم مالي كبير"

قال مصدرٌ مُقرَّب في البلاط الملكي الأردني لموقع Middle East Eye البريطاني، إنَّ العاهل الأردني عبدالله الثاني كان قد أرسل مبعوثاً إلى الكويث قبل اندلاع الاحتجاجات في الشارع ضد ارتفاع الأسعار وزيادة مزمعة في ضريبة الدخل. وكان وزير دولة كويتي في الأردن في أثناء الاحتجاجات، ونتيجةً لذلك، تعهَّدت الكويت بإيداع 500 مليون دولار في البنك المركزي الأردني وتعهَّدت بـ500 مليون دولار أخرى في صورة قروض منخفضة الفائدة.

الطَّرْقة التالية على الباب جاءت من قطر؛ إذ اتصل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالملك عبدالله لعرض "دعم مالي كبير" من قطر. ولم تُعلَن المكالمة بناءً على طلب الأردن، الذي كان لا يزال يأمل في تقديم السعودية بعض المساعدة.

وأمس 13 يونيو/حزيران، وصل وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني ووزير المالية القطري إلى الأردن، للتفاوض بشأن حزمة المساعدات. وهذه هي الزيارة الأولى من نوعها منذ خفَّض الأردن العلاقات مع قطر، نتيجةً للضغط السعودي من أجل فرض الحصار قبل عام.

وأعلن وزير الخارجية القطري، أنَّ قطر قرَّرت دعم الاقتصاد الأردني مباشرةً بأكثر من 10 آلاف وظيفة و500 مليون دولار.

اتصل الملك سلمان بالملك عبدالله الثاني بعد ساعاتٍ من اتصال أمير قطر، ربما لأنَّه سمع بشأن الخطوة القطرية. وتضمَّن اللقاء الذي أعقب ذلك أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، وحاكم دبي ورئيس وزراء الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي يُعَد نظرياً الثاني في تسلسل القيادة في الدولة بعد الرئيس.

اتصل الملك سلمان بالحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد، لكن هذا الأخير رفض القدوم ومُثِّلَت الإمارات بمحمد بن راشد.

وفي حيلةٍ سعودية، ضُمِّنت المليار دولار الكويتية في حزمة المساعدات الإجمالية التي أعلنها الملك سلمان كما لو أنَّها تقرَّرت في أثناء اللقاء. وفي الواقع، قدَّمت السعودية والإمارات أقل من الكويت، وقسَّمتا عبء مبلغ الـ1.5 مليار دولار المتبقية من حزمة المساعدات فيما بينهما.

فراغ القيادة السعودية

ومن ثَمَّ، كانت هناك "درجة من خيبة الأمل" في البلاط الملكي من استجابة الملك سلمان، لأنَّ الأردن كان بالفعل قد تلقَّى مليار دولار من الكويت وتوقع الأردنيون مساعدة أكبر من السعودية، لاسيما أنَّ السعوديين كانوا قد توقفوا عن تمويل الأردن منذ عامين.

ما الذي يعنيه كل ذلك؟

أولاً، شعر الملك سلمان بالفزع والحاجة إلى اتخاذ رد فعل، فور إدراكه أنَّ فراغ القيادة الإقليمية السعودية بدأ يملأه منافسون خليجيون. إذ حاولت الكويت الاضطلاع بدور الوسيط في الأزمة التي أشعلت حصار قطر من جانب كلٍّ من السعودية والإمارات والبحرين ومصر وفشلت. لكنَّها أيضاً كانت على خلاف مع إسرائيل والولايات المتحدة بشأن غزة.

إذ منعت الولايات المتحدة بياناً يدعو إلى تحقيقٍ مستقل في مقتل المحتجين الفلسطينيين على حدود غزة، كانت الكويت -هي عضو غير دائم بمجلس الأمن- قد صاغته.

وبعدما حاولت السعودية التنمر على مجلس التعاون الخليجي من أجل إخضاعه، كان كل ما نجحت فيه هو تقسيم المجلس. فالكويت الآن تنتهج سياساتها الخاصة بدرجة من الاستقلالية لم تكن تفعلها من قبل. ويمكن قول الشيء نفسه عن قطر. ويُعَد رد الفعل الكويتي تجاه الأردن إشارة أخرى على فقدان الود بينها وبين السعودية.

ثانياً، يعني أنَّ الملك عبدالله الثاني، الذي زار الكويت الثلاثاء، 12 يويو/حزيران، أقل ارتباطاً بالسعودية بعد حزمة المساعدات ممَّا يظن الجميع. ولا يمتلك السعوديون نفوذاً على عمَّان بهذا القدر الذي تشير إليه عناوين الصحف التي تُظهِر المساعدات البالغة 2.5 مليار دولار.

نعم، يوجد 400 ألف أردني يعملون في السعودية، وتبلغ قيمة تحويلاتهم المالية نحو 10% من الناتج الإجمالي الأردني. لكن الأردن الآن لديه مصادر تمويل أخرى، من دول خليجية أقرب إلى القضايا التي تهم الأردنيين من سلمان.

وأنا هنا أتحدث عن الأردنيين وليس الملك نفسه، لأنَّ هذا أيضاً عاملٌ آخر.

تغيير الصيغة السياسية

يدرك الملك عبدالله الثاني أنَّ شرعيته لا تعتمد على شراء دعم شعبه. وعليه أن يضع في اعتباره إرادة شعبه المُتعلِّقة بالتوجه السياسي للمملكة أكثر من أي وقتٍ في عهده.

وتُعَد احتجاجات الأسبوع الماضي والاحتكاك المستمر مع عشيرة بني صخر، التي اعتُقِل فيها القيادي فارس الفايز، السبت 9 يونيو/حزيران، بعد دعوته إلى التغيير السياسي، تحذيراً للملك بأنَّه لم يعد بإمكانه اعتبار ولاء شعبه له أمراً مُسلَّماً به. واخترق الفايز القاعدة العُرفية بشنِّه هجوماً شخصياً على الملك علناً.

إذ لم يقل فقط إنَّه يريد "تغيير الصيغة السياسية"، بل أضاف: "لن نقبل بك (الملك عبدالله) ملكاً، ورئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع، وقائداً للشرطة، وحاكماً. إنَّك كل شيء. لقد أصبحت، وفقاً للدستور، نصف إله، ونحن عبيد".

وذكَّر الملك أيضاً بأنَّ عائلته جاءت من الأرض التي أصبحت الآن المملكة العربية السعودية. وكي نكون أكثر دقة، فإنَّ الأردن هي كل ما تبقى من المملكة التي كانت عائلته تديرها يوماً ما. وأضاف: "هذه بلادنا وأرضنا. لقد جئت من الحجاز، أنت، ووالدك، وجدك. والدي رحَّب بجدك. أنت مدينٌ لنا، ولسنا مدينين لك".

وفَرَكَ السياسي المعارض المخضرم ليث شبيلات الملح في جراح الملك بإخباره صحيفة الأخبار اللبنانية، أنَّ السعودية حلَّت محل الأردن كخادم إسرائيل العسكري الوفي.

وقال إنَّ "الأردن كان حليفاً لإسرائيل بدرجة عقيد أو عميد، والآن خُفِّضت رتبتنا لملازم، وجاءت السعودية الآن برتبة جنرال".

تهديدٌ وجودي

وهذه الإهانات الجريئة والعلنية للسلطة الملكية ليست صدفة، بل تذكرة للبلاط الملكي بأنَّ الرأي العام في الأردن لا يمكن شراؤه بسهولة هذه الأيام.

ما يعتقده الأردنيون مهم، وهذا أيضاً عاملٌ يحد من نفوذ الملك سلمان، لأنَّه بصفته ملكاً مُطلقاً، لا تصور لديه عن المجتمع المدني أو الرأي العام.

ولأسباب مختلفة، تعارض الضفة الشرقية والسكان الأردنيون المنحدرون من أصولٍ فلسطينية بشدة رعاية السعودية للمطلب الإسرائيلي بتخلِّي اللاجئين الفلسطينيين عن حقهم في العودة.

هذا بحد ذاته يُنظَر إليه باعتباره تهديداً وجودياً لاستقرار الدولة الأردنية. لكن هناك تهديدات أخرى كذلك. فالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمةً موحدة لإسرائيل يتحدى، على أقل تقدير، الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في القدس، فضلاً عن المطالبة الفلسطينية المدعومة من الجامعة العربية بالقدس الشرقية عاصمةً لدولة فلسطينية.

وهذه قضايا لا يُمكن للملك عبدالله الثاني الخضوع فيها، سواء أرَغِب في ذلك أم لا. فشرعيته تعتمد على دوره كوصي على الأماكن المقدسة أكثر من أي وقتٍ سابق.

ولدى السعودية سببٌ وجيه للاعتقاد بأنَّ الموجة الجديدة من القوة الشعبية يمكنها الانتقال بسهولة عبر الحدود. وأيضاً تمنح الأهمية المتزايدة لكلٍّ من الكويت وقطر كفاعلين ومانحين خليجيين مستقلين، الملك عبدالله الثاني الفرصة لإتاحة فرصةٍ للتغيير السياسي في الأردن. وإن لم يغتنمها، فالدلائل واضحة على أنَّ الوضع سيصبح صعباً للغاية.

 

– هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني.

 

 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ديفيد هيرست
كاتب صحفي بريطاني
ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع Middle East Eye البريطاني، وكبير الكتاب في الجارديان البريطانية سابقاً