لم يحضر اجتماع الدول الصناعية السبع ويتعمد افتعال المشاجرات.. هل يحاول ترمب تدمير الغرب؟
الثلاثاء, 14 أغسطس 2018

لم يحضر اجتماع الدول الصناعية السبع ويتعمد افتعال المشاجرات.. هل يحاول ترمب تدمير الغرب؟

حقق التحالف بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية إنجازاتٍ عظيمة؛ فقد فاز بحربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين، ثم اتسع ليشمل أعداءه السابقين وتمكن من تحقيق الفوز في الحرب الباردة، والمساعدة في نشر الديمقراطية، وبناء أعلى مستويات المعيشة التي عرفها العالم على الإطلاق.

بيد أنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحاول تدمير هذا التحالف.

هل هذه هي الطريقة التي يُفكر بها في الأمر؟ من يعرف؟ من المستحيل أن ندخل في رأسه ونتنبأ بأهدافه الاستراتيجية، حتى لو كان لديه أهدافٌ طويلة المدى. ولكن دعنا نُفكر في الأمر بهذه الطريقة: إذا كان رئيسٌ أميركي يرسم خطةً سرية مُفصَّلة لتفكيك الحلف الأطلسي، كانت تلك الخطة لتتشابه تشابهاً مُذهلاً مع سلوك ترمب.

إذ كانت ستنطوي على عداء خارجي تجاه قادة كندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان. وعلى وجه التحديد، كانت ستتضمن خوض معارك حول قضايا اصطناعية، ليس بهدف الفوز بامتيازات كبيرة لمصلحة الولايات المتحدة، ولكن لخلق خلافٍ من أجل الخلاف فقط.

ومن شأن خُطةٍ سرية هدفها تفكيك الغرب أن تدفع الولايات المتحدة إلى البحث عن حُلفاء جُدد ليحلوا محل هؤلاء المنبوذين. والحليف الجديد الأوضح سيكون روسيا التي تُعَد أكبر مُنافسةٍ داخل أوروبا لألمانيا وفرنسا وبريطانيا. ومثلما تفعل روسيا، فإنَّ نية الولايات المتحدة لتدمير الحلف الأطلسي سوف تدفعها إلى التدخُّل في السياسات الداخلية للدول الأخرى لتعيين حُكومات جديدة رفضت أيضاً التحالف القديم.

وإذ نظرنا إلى تصرفات ترمب، سنجده يفعل كل ذلك.

فقد اختار عدم حضور الاجتماع الكامل لمجموعة الدول الصناعية السبع الذي عُقِد في مدينة كيبيك الكندية نهاية الأسبوع الماضي. وفي أثناء وجوده هناك، كان يتعمد افتعال مُشاجرات. وربما تكونون قد شاهدتم على الأرجح الصورة التي نشرتها الحكومة الألمانية، والتي تُظهر ترمب جالساً رافعاً حاجبيه وعاقداً ذراعيه، بينما تقف أنغيلا ميركل المستشارة الألمانية وغيرها من القادة حوله متوسلين إليه. وبدت على وجه شينزو آبي رئيس الوزراء الياباني نظرة الهزيمة.

لا عجب في ذلك؛ إذ كانت الخلافات الرئيسية في الاجتماع تتعلق بالرسوم الجمركية التي فرضها ترمب لأسباب خاطئة؛ إذ يدَّعي أنَّه لم يفعل ذلك إلا ردَّاً على دولٍ أخرى. بيد أنَّ قيمة مُتوسط ​​التعريفة الجمركية الحالية للولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا مُتماثلة، وفقاً للبنك الدولي، وتبلغ 1.6%. بينما تبلغ قيمتها في اليابان 1.4%، وفي كندا 0.8%. وصحيحٌ أنَّ كل دولة لديها بضع تعريفات جمركية غير مقبولة، لكنَّها صغيرة؛ لذا فالولايات المتحدة ليست ضحية هنا.

ومن ثَمَّ، فترمب لا يقول الحقيقة حول التجارة، مثلما كذب كثيراً بشأن مسقط رأس نظيره السابق باراك أوباما، وموقفه من حرب العراق، وخطابه أمام الجماهير المحتشدة في يوم تنصيبه، وتزوير أصوات الناخبين، ومُعَّدلات القتل، والمهاجرين المكسيكيين، والتحقيق الروسي، والمال المدفوع للمُمثلة الإباحية ستورمي دانيالز في الخفاء، وعدة مئات من الموضوعات الأخرى. لذا لا تكمن القضية في أنَّ ترمب يُحدِّد مشكلةً حقيقية، لكنَّه لا يُعبر عنها بدقة، بل في أنَّه يُهدد التحالف الأطلسي بسبب كذبه.

وإذا كنتم بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الأدلة، فانظروا إلى تغريداته بعد مُغادرته القمة. لقد أدرك الأشخاص الذين يقرأون تغريدات ترمب على تويتر عن كثب (وأنا لا أحسدهم على ما يفعلونه) أنَّه كثيراً ما يتهم الآخرين بارتكاب خطاياه؛ إذ قال يوم السبت 9 يونيو/حزيران عن جاستن ترودو رئيس الوزراء الكندي، إنَّه شخصٌ «غير شريف للغاية».

وفي الوقت الذي يوجِّه فيه ترمب الازدراء إلى ترودو وغيره من الحلفاء التاريخيين، يُغدق بالثناء على نظيره الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وغيرهما من الاستبداديين الطموحين؛ إذ دعم ترمب ومساعدوه ساسةً يمينيين مُتطرفين في ألمانيا ودول أخرى. وفي كيبيك، برَّر ضم روسيا شبه جزيرة القرم ودافع عن ضرورة إعادة روسيا إلى مجموعة الدول السبع. وتساءل جاي نوردلينغر الكاتب المُحافظ: «لماذا يتحدث ترمب وكأنه مُذيعٌ في قناة RT؟»، جديرٌ بالذكر أنَّ RT قناة تلفزيونية روسية تمولها الحكومة الروسية.  

لا أعرف الإجابة، ولكن الوقت قد حان لنأخذ التفسير الوحيد لكل سلوكيات ترمب على محمل الجد، ألا وهو أنَّه يُريد تدمير التحالف الغربي.

ربما يكون الأمر أيديولوجياً، وأنَّه يُفضل الاستبداد بطريقة بوتين على الديمقراطية، أو ربما لا يملك استراتيجية رئيسية، وأنَّ بوتين لديه بالفعل بعض المعلومات التي لا يجب الإفصاح عنها، أو ربما يُحب ترمب فقط أن يقف ضد ما كان يُؤيده كل رئيس أميركي حديث.

وبغض النظر عن السبب، فإنَّ سلوكه يتطلب رداً بنفس مقدار جدية التهديد. وكما قال العالم السياسي بريندان نيهان، فإنَّ عطلة نهاية الأسبوع الماضية كانت كنقطة تحول؛ وأضاف: «التحالف الغربي والنظام التجاري العالمي يتعرضان لنفس الضغوط الشديدة التي خلقها ترمب لمؤسساتنا المحلية».

بالنسبة لحلفاء أميركا منذ فترةٍ طويلة، فإنَّ الرد على ما يفعله ترمب يعني التخلص من التفاؤل المُفعم بالأمل الذي اتسم به النهج المُبكر الذي تبنَّاه ترودو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وتُعد ميركل هي النموذج الصحيح الذي يجب الاحتذاء به؛ إذ كانت أكثر صرامة، دون تصعيد الأمور بلا داعٍ؛ لأنَّها كانت مُدركةً التهديد طيلة الوقت.

وبالنسبة لرفاق ترمب الجمهوريين، فإنَّ ذلك يعني تفضيل مصلحة البلاد على مصلحة الحزب؛ إذ أدلى بضعة جمهوريين، مثل جون ماكين، بتصريحاتٍ تحذيرية في اليومين الماضيين. والآن، يجب على أعضاء الكونغرس فعل المزيد وعدم الاكتفاء بنشر تغريداتٍ بائسة. يجب عليهم تقديم تشريع من شأنه تقييد ترمب وعقد جلسات استماع تهدف إلى الكشف عن دوافعه.

أما بالنسبة للناخبين الأميركيين، فإنَّ ذلك يعني فهم المخاطر الحقيقية للانتخابات النصفية التي ستُجرى في العام الجاري 2018؛ فهي ليست مجرد استفتاء على خفض الضرائب، أو خطة رعاية صحية، أو أسلوب رئيس غير تقليدي، بل استفتاء على المُثُل الأميركية التي تُعد أقدم منَّا جميعاً.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
أرجلنا هي التي تحدد مستوى ذكائنا وفعالية عقولنا.. هذه الدراسات تثبت ذلك
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
لم يحضر اجتماع الدول الصناعية السبع ويتعمد افتعال المشاجرات.. هل يحاول ترمب تدمير الغرب؟