الأحد, 24 يونيو 2018

عمر الشريف وأم كلثوم ونجيب محفوظ.. عن الصفات التي تجمع بينهم وبين محمد صلاح

"بسم الله الرحمن الرحيم"، قالها المذيع التليفزيوني، فيما وقف لاعب كرة القدم ذو الشعر الأجعد وهو يستعد لتسديد ضربة جزاء، وقد تبقَّت دقيقة من زمن المباراة. همهم الحشود في الملعب الممتلئ عن آخره في قلق. وكانت أجهزة التلفاز مفتوحةً عبر أرجاء البلاد، وكُل العيون مصوَّبة إلى هذه اللحظة، هذه الركلة.

"بسم الله الرحمن الرحيم"، قالها المذيع مرَّةً ثانية، مستحضراً كلماتٍ يألفها المسلمون في كل مكان. إذا كان جديراً بركلة جزاءٍ أن تحظى بتدخلٍ إلهي، فتِلك هيَ الركلة. كان مستقبل مصر في كأس العالم بين قدمي هذا الشاب، محمد صلاح، في مواجهة حارس مرمى الكونغو.

لم يكن الضغط أمراً جديداً على صلاح. ففي ذلك الوقت، كان يلعب في أكثر الدوريات مشاهدةً في تاريخ الرياضة، الدوري الإنكليزي الممتاز، وكان بالفعل يقدم أداءً عظيماً جعل فريق ليفربول، أحد الفِرق المُحتفَى بها بشدَّة في كرة القدم الإنكليزية، يحظى بموسمٍ كسر فيه الكثير من الأرقام القياسية. درَّ نجاح صلاح للَّاعب ذاته عشرات الملايين من الدولارات، ونصَّبه بطلاً في قارَّتين مختلفتين، لكنَّ النجاح في منتخب بلاده، كما يعرف الجميع، يجعله شيئاً آخر: أسطورة.

"يا رب، يا رب". قالها المذيع فيما بدأ اللاعب البالغ من العمر 25 عاماً هرولته تجاه الكرة، ثم ردَّد المذيع اسمه فقط: "محمد صلاح، محمد صلاح، محمد صلاح" كما لو كان دُعاءً.

ثُم، في خلال ثوانٍ، قُضِي الأمر. قام صلاح بما يفعله على أحسن وجه: تقدَّم، وتحرَّك جهة الكرة، ثم سدَّد ضربةً بقدمه اليُسرى إلى داخل الشباك. وُلِدَت الأسطورة. تنفَّس شعبٌ بأكمله الصعداء، وتقرَّر أن تذهب مصر لكأس العالم للمرة الأولى منذ 28 عاماً، قبل أن يولد صلاح نفسه.

شهدت مصر قدراً كبيراً من الاضطراب على مدار السنوات الأخيرة، ثورةً أسَرَت العالم، وانتخاباتٍ فوضوية، وعنفاً في الشوارع، وانقلاباً عسكرياً، وبلداً ينحدر ببطء تجاه حُكمٍ عسكري استبدادي. وما قدَّمه هدف صلاح للمصريين كان لحظةً من السعادة الخالصة.

بعد ذلك، عاد صلاح لليفربول، وضاعَف تِلك السعادة بأن لعب موسماً كان من أكثر المواسم الأولى مجداً لأي لاعبٍ دولي في تاريخ اللعبة المعاصر، ما زاد من فرحة معجبيه في بلده مصر، التي صار فيها في منزلةٍ جديدة كلياً. إذ قال لي الكاتب الصحفي محمد المنشاوي: "لم أرَ من قبل شيئاً كظاهرة صلاح. إنَّها المرة الأولى في تاريخنا المعاصر أن نشهد ظهور شخصيةٍ كتلك، قوَّةٌ توحُّد كل المصريين". ويقول المنشاوي إنَّ الشخصية الوحيدة التي قاربت مثل هذا التأثير لربما كان الممثل المصري الأسطوري عمر الشريف.

وفي أواخر شهر أبريل/نيسان، صار صلاح أسطورةً في بريطانيا كذلك، إذ سجَّل 32 هدفاً في الدوري الإنكليزي الممتاز، مُحطِّماً الرقم القياسي للأهداف المسجَّلة في موسمٍ واحد. وهوَ في ذلك تخطَّى -بفارقٍ ضئيل- أحد ملوك كرة القدم، كريستيانو رونالدو، الذي سجَّل 31 هدفاً خلال موسم 2007-2008 مع فريق مانشستر يونايتد. تخيَّل أن يكسر لاعب كرة سلَّة متوسط الشهرة الأرقام القياسية للاعبين مايكل جوردان وليبرون جيمس في موسمٍ واحد، وستَصِلك صورة الصعود النيزكي لنجم محمد صلاح. وحقَّق كل من آلان شيرار لاعب فريق بلاكبورن في موسم 1995-1996 ولويس سواريز لاعب فريق ليفربول في موسم 2013-2014 نَفس الرقم القياسي القديم.

لقَّب مشجِّعو ليفربول صلاح باسم "ملك مصر" وألَّفوا هتافاتٍ خصيصاً له، من بينها هتاف يقول: "إذا سجَّل بضعة أهدافٍ أخرى، سأصبح أنا مسلماً أيضاً". وفي بريطانيا ما بعد البريكست (الخروج من الاتحاد الأوروبي)، الممزَّقة بين جدالاتٍ عنيفة حول قضية الهجرة، أصبح شابٌّ مصري مسلم مواظِب على الطاعات يسجُد بعد تسجيل الأهداف رمزاً أعلى لمشجعي ليفربول المخلصين في الدين العالمي المعروف حول العالم باسم كرة القدم، واصلاً في ذلك بين الفجوات الثقافية فيما يُشعِل لوحات النتائج.

وفي موطنه مصر، زاد صلاح من عطائه الخيري عمَّا فعل في تسجيل الأهداف، متبرعاً على نحوٍ مكثَّف للقرية الصغيرة التي وُلِد فيها. وهوَ كذلك نجمٌ على الشبكات الاجتماعية، لكنَّه يستخدم موقعي تويتر وإنستغرام بشكلٍ لائق وبسيط. وعندما اقترح كاتبٌ في عموده الصحفي أنَّ على صلاح أن يحلق لحيته كيلا يُرَى مقترناً بالإسلامويين، هاج مستخدمو تويتر المصريون، الذين قالوا للكاتب أن يترك صلاح وشأنه. الدرس المُستفاد: لا تمسّ محمد صلاح.

لاحقاً، وكما جاء صعود محمد صلاح سريعاً في مشهد كرة القدم، حلَّت المأساة في يوم 28 مايو/أيار، عندما أدت عرقلة خشنة من جانب لاعبٍ خَصم في نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا بصلاح على أرض الملعب، إلى خلع كتفه. وقال لي المنشاوي: "كان الأمر في مصر أشبه بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. كان الناس يبكون، وكانت الأمة بأكملها تدعو الله".

وبالنسبة لرجلٍ حمل فريقه وبلاده على كتفيه يوماً، كان موضوع كتف صلاح قد أصبح هوساً يومياً. أشارت التقارير الأولية أنَّه سيكون مستعداً لخوض المباراة الثانية في المجموعة الأولى في كأس العالم، عندما تواجه مصر منتخب روسيا المستضيفة لكأس العالم، يوم 19 يونيو/حزيران. لكن هناك تلميحاتٌ بأنَّه قد ينضمّ لتشكيلة مصر في مباراتها الافتتاحية ضد أوروغواي، يوم 15 يونيو/حزيران.

يثير محمد صلاح جلبةً بالفعل في غروزني، عاصمة الشيشان، حيثُ يتدرَّب المنتخب المصري. واستغلَّ الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، الذي تتهمه منظمات حقوق الإنسان بارتكاب إساءاتٍ موسَّعة، بريق محمد صلاح بالذهاب إلى فندقه شخصياً لإحضار اللاعب النجم، الذي لم يكن قد انضمَّ بعد لزملائه، ودخل إلى الحلبة مزهواً وبجانبه صلاح أمام الحشود المهلِّلة.

يأمل الباحث المصري صامويل تادرس، مثله مثل الكثير من المصريين، أن يرى حشوداً تُهلِّل لصلاح في مباراةٍ حقيقية، وليس خلال مرانٍ فحسب. ويشير تادرس إلى أنَّ الأمر لا يتعلَّق بكرة القدم فحسب. قال: "لم نعُد ننتج شخصياتٍ مثل أم كلثوم أو نجيب محفوظ"، مشيراً إلى المغنية الشهيرة والروائي الحائز جائزة نوبل. وقال لي تادرس: "يأتي الناس من مختلف أنحاء العالم ليروا حضارتنا القديمة، لكنَّ نجاحنا المعاصر محدود. يملأ صلاح هذا الفراغ بشكلٍ ملحوظ".

وعبَّر الشاعر والكاتب حنيف عبدالرقيب، عن تِلك الظاهرة، بأفضل ما يمكن في ملفٍ ذي نظرةٍ فاحصة للَّاعب في موقع Bleacher Report الأميركي، عندما قال: "محمد صلاح لاعب يقدِّم لنا لمحاتٍ لأكثر من مكانٍ في الوقت ذاته. لأكُن صريحاً، إنَّ صلاح لا يسعى لتوحيد العالم، بل لتقليصه. حتى يكون لكل شخص مكانٌ صغير للغناء والانحناء مديحاً. لا له بل إلى جانبه".

ولذلك، عندما ينزل صلاح إلى الملعب في روسيا، لن نُشاهد مهاجماً شديد الموهبة فحسب، لكن رمزاً وطنياً، يرفع أمةً جريحة على كتفه الجريح مجدداً، ولاعباً قد أصبح قوَّة عالمية موحِّدة في عالمٍ يزداد انقساماً.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
لم أقم بريجيم ولم أذهب لطبيب.. هذه 14 وسيلة اتبعتها بنفسي وخسرت بها وزني الزائد
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
عمر الشريف وأم كلثوم ونجيب محفوظ.. عن الصفات التي تجمع بينهم وبين محمد صلاح