العرب وهوس المؤامرة الماسونية!

عدد القراءات
2,998
عربي بوست
تم النشر: 2018/06/12 الساعة 10:29 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/06/12 الساعة 10:29 بتوقيت غرينتش
and open eye inside an interlocking triangle and circle carved in stone over the gate of church of Santa Maria Maddalena in Cannaregio, Venice.

"إن محورة كل حركة في الكون حول الذات كارثة تعمينا عن إدراك ذاتنا والكون".

 قد فصّل كثيرون ممن هم أكثر علم ودراية منّي في أمور المؤامرات العالمية، وخاصة الماسونية، فقط هنا سأتكلم عن سبب انتشارها وتأثيرها علينا.

في القرون القليلة السابقة كانت المجتمعات العربية منغلقة مُنعزلة عما يحدث في العالم، كنا نحتاج معرفة موقعنا من بين شعوب العالم، وأن نرى ما هم عليه، ومع الاحتلال العسكري والتجارة والمصالح السياسية كانت الصدمة بكمّ التقدم والتفوق الذي وصل إليه الآخرون، ونحن في أماكننا لا نتقدم خطوة، حتى أصبحنا أشبه بعبيد لهم، وبلادنا أسواق كبيرة، مشدوهين بثقافتهم وعلمهم.

يجب أن نفسر لأنفسنا سبب الفجوة الرهيبة بيننا وبينهم، هنا أعتقد بدأ العقل الجمعي بغزل الخرافات والأوهام، هناك شعور عام يحب المؤامرة ويستحسنها كسبب أساسي، ما أجمل أن تقول لي إن كل ما نحن فيه من تخلّف وتأخر سببه مؤامرة كونية كبيرة، ويكفي أننا أحياء حتى الآن نقاوم كل هذه المؤامرات الشيطانية، الذين يستيقظون كل يوم للتآمر علينا؛ كي لا ننهض ونكون قوة كبيرة عملاقة تطيح بهم، ويا حبذا لو ربطتها بالتاريخ القومي أو الدين، إنها أشبه بالنبوءات التي تنبع وقت الركود والانحطاط والضياع، عندما يملأ الناس اليأس يلجأون لأوهام الأمل.

ثم إن القوة التي يتحدثون بها عن هذه المنظمات الحاكمة للعالم بمساعدة الشياطين وقوى الميتافيزيقا، يصعب معها الحديث المفتوح والمنتشر عنها، تتحدث عن قوى خفية تحكم العالم أجمع، وعلى استعداد لقتل أي أحد يعرف أصغر الأمور عنها، وأنت من مقعدك تعرف كل شيء عنهم، وتقوله في العلن، ويتحفنا الآلاف من العرب في كتب وبرامج ومقالات عن أدق تفاصيل تفاصيلهم، لا أفهم صراحة هذا الفصام والاستحالة المنطقية في الأمور.

 شيزوفرينيا عامة

"لا أجد أُناساً أكثر نفاقاً لأنفسهم من الذين يقولون إن السوشيال ميديا مؤامرة على السوشيال ميديا".

 ذات مرة رأيت خبراً مُتعلقاً بمارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، فعلق أحدهم على "فيسبوك" قائلاً: "نحن لسنا بحاجة إليك"، قلت له: لو كان كتب هذه الجملة على توتير سيكون الأمر منطقياً أكثر، موقف ساخر يفضح مدى الفصام الذي أُصيب به الكثير من قومنا.

في كليتي (الإعلام)– هناك مادة أو اثنتان في العام تكون عمليّة تتطلب منك إنتاج شيء ما؛ صورة، مقطع مصور، لوحة.. المهم أن في كل مرة أيام التسليم أجد أن أكثر من نصف الأعمال تكون عن الشيء الخفي الذي يتحكم بنا، المؤامرة، إنها متوغلة فينا بشكل كبير، الشعور بالاضطهاد قوي، هناك إحساس عام لدى الطلبة كي تظهر كطالب مثقف وواعٍ يجب أن تقول إن هناك مؤامرة علينا لا ندركها.

آخر عمل رأيته مؤخراً لزميلة لي عبارة عن مُجسّم به خريطة مصر، وعلى حوافه أميركا وإسرائيل اللتان تدخلان البلاد عن طريق فيسبوك وتوتير وواتس أب وغيرها من التطبيقات، ويقف لهما الجيش المصري على الحدود، فقلت لها مازحاً: إن العمل لم يعجبني، فسألتني: لِمَ؟! فقلت: إن الأشياء التي تقولين عنها مؤامرة تستخدمينها كل يوم، أليس ما تمارسين مُتناقضاً مع ما قدمتيه؟!

أعتقد أن على المرء أن يكون سفيراً لأفكاره ليس من أجل أن يقنعني بل ليكون -على الأقل- سوياً مع نفسه.

مآسي الوهم

"المؤامرة الحقيقية هي وهم المؤامرة".

 ربما يظن البعض أنه بعد غلق برنامج توفيق عكاشة، وانتشار نوع من الوعي العام لدى العامة في مثل هذه الأمور، أن الاتهامات بالماسونية وعبادة الشيطان اختفت، ولن تضر أحداً آخر، لكن يبدو أن الأمر مُستمر وبقوة.

منذ أيام شاهدت حلقة من برنامج لمراجعة الأفلام، كان لمراجعة فيلم د.سترينج dr strange.. لمن لا يعرف الفيلم هو فيلم شهير عن شركة مارفل، يتحدث عن السحر والأشياء الروحية والخفية كشيء حقيقي يحمي العالم، المهم بدأت في الفيديو، ورأيت أن عدد علامات عدم الإعجاب كثيرة جداً، خاصة على موضوعات مراجعة الأفلام التي لا تحمل الكثير من اللغط، خمّنت ربما مُقدمة البرنامج تحدثت عن الفيلم بطريقة سيئة ومحبيبيه كثر إلا أنني رأيت عكس ذلك بإعجباهم بالفيلم.

قررت النزول للتعليقات؛ لأفهم، فرأيت انهيال جموع تأتي من كل حدب وصوب بالشتائم والإهانات والاتهامات، واتهامات بالماسونية ورسائل مشفرة مُخبأة، تساءلت عن سر هذه الدعوات، فعرفت أن في واجهة الفيديو من الخارج به حركة ماسونية عجيبة، اندهشت من الأمر، خاصة أمام سيل من القسم والأيمان التي تؤكد أن هذه المدعوة ماسونية تعمل لدى الماسونية، ولديها أهداف شيطانية، الغريب أنني لم أرَ أحداً يكتب ما هو الهدف من حركة على واجهة فيديو لا تتجاوز مدته خمس دقائق، تتحدث فيه عن الفيلم والفيلم فقط حتى بدون أي حركة أو علامة ماسونية مُدعاة بالداخل، أعتقد أنه لم يفكر أحد، الكل انشغل بنعت هذه المسكينة بأفظع أنواع الشتائم.

هل المؤامرة موجودة؟!

 أؤمن أن هناك مؤامرة بالفعل، لكن ليس بشكلها المُتخيل والموهوم، بالشكل الطبيعي الإنساني الذي يمكن أن نفعله نحن أيضاً في موضع قوة، ليس صعباً عليّ أن أقتنع أن هناك مَن لهم مصالح سياسية واقتصادية "يحاولون" تسيير العالم بنفوذهم لمصلحتهم، في البلد الواحد يظهر عدة أفراد عسكريين ورجال أعمال بعد ثورة أو انقلاب هم المسيطرون المُختفون في الظل.

لكن لا أؤمن إطلاقاً بالشكل الشيطاني للمؤامرة التي يتحدثون عنها، الذين يجتمعون تحت الأرض أو أعلى الجبال ويقيمون طقوساً خرافية ثم يشربون دم العذراوات، ويأكلون قلوب الأطفال، ويسيطرون على العالم بمساعدة الشياطين ولوسيفر وزيوس شخصياً، ونحن نسير معهم كعرائس المارونيت، هذا محض خرافات وأوهام نبرر بها ضعفنا وتخلّفنا.

أتعرف هناك حقاً مَن يتآمر عليك يومياً ويفكر في كل لحظة كيف يفعل ذلك، هناك أشخاص يدعون بالمسؤولين والوزراء ورجال الأعمال يفكرون كل يوم في كيفية سرقتك والتحكم فيك والتأثير عليك، هم حقيقة واضحة أكثر من الأوهام التي لا تستطيع التحقق منها، هم أمامك كل يوم يُوقِفون حركتك أثناء مرور مواكبهم، ويسكنون في قصور من فقرك وجهلك، إن أردت أن تقضي على المؤامرة حقاً فلا تطِعهم وثُر على الفسدة منهم.

 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
حسن الشواف
مدون مصري
تحميل المزيد